قَرَأْتُ عَلَى عَبْدِ الْوَارِثِ بْنِ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُطَّلِبُ بْنُ شُعَيْبٍ ° قِرَاءَةً عَلَيْهِ ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي اللَّيْثُ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي يُونُسُ ° , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° , عَنْ سَالِمِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، قَالَ : قَالَ ابْنُ عُمَرَ ° : كُنَّا إِذَا تَبَايَعْنَا كَانَ كُلُّ وَاحِدٍ مِنَّا بِالْخِيَارِ مَا لَمْ يَفْتَرِقِ الْمُتَبَايِعَانِ ، قَالَ : فَتَبَايَعْتُ أَنَا وَعُثْمَانُ مَالا لِي بِالْوَادِي بِمَالٍ كَثِيرٍ بِخَيْبَرَ ، قَالَ : فَلَمَّا بَايَعْتُهُ طَفِقْتُ عَلَى عَقِبِي الْقَهْقَرَى خَشْيَةَ أَنْ يُرَادَّنِي عُثْمَانُ الْبَيْعَ قَبْلَ أَنْ أُفَارِقَهُ
وَأَمَّا قَوْله فِي حَدِيث مَالِك , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، المذكور : إلا بيع الخيار ، فَقَدْ مضى مَا للعلماء فِي تأويل هذه اللفظة ، واختلفوا فِي شرط الخيار ومدته ، فَقَالَ مَالِك : يَجُوز شرط الخيار شهرا أَوْ أَكْثَر ، هَكَذَا حكى ابْن خواز منداد عَنْهُ ، وَهُوَ قَوْل ابْن أَبِي ليلى ، وأبي يُوسُف ، ومحمد بْن الْحَسَن ، والأوزاعي ، كلهم يَقُول : بجواز اشتراط الخيار شهرا أَوْ أَكْثَر ، والشرط لازم إِلَى الوقت الَّذِي يشترط فِيهِ الخيار ، وَهُوَ قَوْل أَحْمَد بْن حنبل ، وأبي ثور ، وإسحاق ، وَلَمْ يفرقوا بَيْنَ أجناس المبيعات ، وذكر ابْن القاسم وغيره عَنْ مَالِك ، قَالَ : يَجُوز شرط الخيار فِي بيع الثوب اليوم واليومين ، وَمَا أشبه ذَلِكَ ، وَمَا كَانَ أَكْثَر من ذَلِكَ فلا خير فِيهِ ، وَفِي الجارية يَكُون أبعد من ذَلِكَ قليلا : الخمسة أَيَّام ، والجمعة ، ونحو ذَلِكَ ، وَفِي الدابة اليوم ، وَمَا أشبهه يركبها ليعرف ، ويختبر ، ويستشير فِيهَا ، وَمَا بَعْد من أجل الخيار فلا خير فِيهِ ، ولا فرق بَيْنَ شرط الخيار للبائع والمشتري ، وَقَالَ اللَّيْث بْن سَعْد : يَجُوز الخيار اليوم واليومين والثلاثة ، قَالَ : وَمَا بلغنا فِيهِ وقت إلا أنا نحب أَن يَكُون ذَلِكَ قريبا إِلَى ثلاثة أَيَّام ، قَالَ الشَّافِعِي ، وأبو حَنِيفَة ، وأَصْحَابهما : يَجُوز البيع فِي الأشياء بشرط الخيار للبائع والمشتري ثلاثة أَيَّام ، إلا فيما يجب تعجيله فِي المجلس نَحْو الصرف ، والسلم . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وزفر ، والشَّافِعِي : لا يَجُوز اشتراط الخيار أَكْثَر من ثَلاث فِي شَيْء من الأشياء ، فَإِن فعل فسد البيع ، قَالَ الشَّافِعِي : ولولا الْخَبَر مَا جازت الثلاثة ولا غيرها فِي الخيار ، وَقَالَ ابْن شبرمة ، والثوري : لا يَجُوز اشتراط الخيار للبائع بحال ، قَالَ الثَّوْرِي : إِن اشترط البائع الخيار فالبيع فاسد ، قَالَ : ويجوز شرط الخيار للمشتري عشرة أَيَّام وأكثر ، وَقَالَ الْحَسَن بْن حي : إِذَا اشترى الرجل الشيء فَقَالَ لَهُ البائع : اذهب فأنت فِيهِ بِالْخِيَارِ ، فَهُوَ فِيهِ بِالْخِيَارِ أبدا ، حَتَّى يَقُول : قَدْ رضيت ، وَقَالَ : مَا أدري مَا الثلاث ؟ إِذَا باعه فَقَدْ رَضِيَ ، وإن كانت جارية بَكْر فوطئها فَقَدْ رَضِيَ ، وَقَالَ عُبَيْد اللَّهِ بْن الْحَسَن : لا يعجبني طول الخيار ، وَكَانَ يَقُول للمشتري : الخيار مَا رَضِيَ البائع ، ولا يَجُوز عِنْدَ مَالِك النقد فِي بيع الخيار ، فَإِن اشترط النقد فِي بيع الخيار فالبيع فاسد ، وَفِي مذهب أَبِي حَنِيفَة أَيْضًا لا يجب نقد الثمن مَعَ بقاء الخيار ، فَإِن اشترط نقد الثمن مَعَ بقاء الخيار ، فالشرط فاسد ، والبيع صحيح . قَالَ أَبُو عُمَر : أما الْخَبَر الَّذِي يزعم الشَّافِعِي أَنَّهُ لولاه مَا جاز اشترط الخيار للبائع أصلا ولا للمشتري ، وإنما أجازه ثلاثا من أجله : فحَدِيث سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ، رَوَاهُ الشَّافِعِيُّ ، وَالنَّاسُ عَنْهُ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ , عَنْ نَافِعٍ , عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، أَنَّ مُنْقِذًا شُجَّ فِي رَأْسِهِ مَأْمُونَةً فِي الْجَاهِلِيَّةِ ، فَحبلتْ لِسَانُهُ ، فَكَانَ مُخْدَعًا فِي الْبَيْعِ ، فَقَالَ لَهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : بِعْ ، وَقُلْ : وَلا خَلابَةَ ، ثُمَّ أَنْتَ بِالْخِيَارِ ثَلاثًا مِنْ بَيْعِكَ . وحَدِيثُ أَيُّوبَ ، وَهِشَامِ بْنِ حَسَّانٍ , عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَنَّهُ قَالَ : مَنِ ابْتَاعَ مِصْرَاةَ فَهُوَ بِالْخِيَارِ ثَلاثَةُ أَيَّامٍ . وَرَوَى عُبَيْد اللَّهِ بْن عُمَر , عَنْ أَبِي الزناد , عَنِ الأعرج , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مثله ، وسنذكر المصراة والحكم فِيهَا ، وَمَا للعلماء فِي ذَلِكَ فِي بَاب أَبِي الزناد من كتابنا هَذَا إِن شاء اللَّه وجماعة الْفُقَهَاء بالحجاز والعراق يقولون : إِن مدة الخيار إِذَا انقضت قبل أَن يفسخ من لَهُ الخيار البيع ، تم البيع ، ولزم وَبِهِ قَالَ المتأخرون من الْفُقَهَاء أَيْضًا : أَبُو ثور ، وغيره ، إلا أَن مالكا قَالَ : إِذَا اشترط المشتري الخيار لنفسه ثلاثا ، فأتى بِهِ بَعْد مغيب الشَّمْس من آخر أَيَّام الخيار أَوْ من الغد أَوْ قرب ذَلِكَ ، فله أَن يرد ، وإن تباعد ذَلِكَ لَمْ يرد ، وَهُوَ رأي ابْن القاسم ، قَالَ مَالِك : إِن اشترط أَنَّهُ إِن غابت الشَّمْس من آخر أَيَّام الخيار فلم يأت بالثوب لزم البيع ، فلا خير فِي هَذَا البيع ، وَهَذَا مِمَّا انفرد بِهِ أَيْضًا رحمه اللَّه ، وحجة من أجاز الخيار واشترطه أَكْثَر من ثَلاث قَوْله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : المسلمون عَلَى شروطهم . قَالَ أَبُو عُمَر : ومن هَذَا الباب أَيْضًا اخْتِلافهم فِي لفظ الإيجاب والقبول ، فَقَالَ مَالِك : إِذَا قَالَ : بعني سلعتك بعشرة ، فَقَالَ : بعتك ، صح البيع ، ولا يحتاج الأَوَّل أَن يَقُول : قَدْ قبلت ، وَهُوَ قَوْل الشَّافِعِي فِي البيوع ، إلا أَنَّهُ قَالَ فِي النكاح : إِذَا قَالَ لَهُ : قَدْ زوجتك ، وَقَالَ : قَدْ قبلت ، لَمْ يصح حَتَّى يَقُول المتزوج : زوجني ابنتك ، وَيَقُول الآخر : قَدْ زوجتكها ، وَيَقُول المتزوج : قَدْ قبلت نكاحها ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وأَصْحَابه : إِذَا قَالَ : بعني سلعتك بكذا ، فَقَالَ الآخر : قَدْ بعتك ، لَمْ يصح إلا أَن يَقُول الأَوَّل : قَدْ قبلت ، وَهُوَ قَوْل ابْن القاسم ، وذكر الطحاوي , عَنْ أَبِي حَنِيفَة ، وأَصْحَابه ، إِذَا قَالَ : زوجني ، فَقَالَ : قَدْ زوجتكها ، كَانَ تزويجا ، ولا يحتاج إِلَى قبول الزواج بَعْد ذَلِكَ ، قَالَ : فرقوا بَيْنَ البيع والنكاح ، وحكي عَنِ الشَّافِعِي أَن قَوْله فِي البيوع أَيْضًا مثل قَوْله فِي النكاح ، وَلَمْ يختلف قَوْله فِي النكاح ، وَقَالَ الْحَسَن بْن حي : إِذَا قَالَ أبيعك هَذَا الثوب بثمن ذكره ، فَقَالَ المشتري : قَدْ قبلت ، فالبائع بِالْخِيَارِ إِن شاء ألزمه ، وإن شاء لَمْ يلزمه ، وعن مَالِك فِي هَذَا الباب مسألة يخالفه فِيهَا الْجَمَاعَة الْفُقَهَاء فيما ذكر الطحاوي ، قَالَ مَالِك فيما ذكر ابْن القاسم عَنْهُ : إِذَا قَالَ : بكم سلعتك ؟ فَيَقُول : مائة دِينَار ، فَيَقُول الرجل : أخذتها ، فَيَقُول : لا أبيعك ، وَقَدْ كَانَ أوقفها للبيع ، فَإِنَّهُ يحلف بالله مَا ساومه عَلَى الإيجاب فِي البيع ، ولا عَلَى الركون ، وإنما ساومه وَهُوَ يريد غَيْر الركون ، فَإِن حلف كَانَ القول قَوْله ، وإن لَمْ يحلف لزمه ، قَالَ أَبُو جَعْفَر الطحاوي : مَا ذكر ابْن القاسم عَنْ مَالِك بأنه يصدق أَنَّهُ لَمْ يرد بِهِ عقد بيع فِي الْخَطَّاب الَّذِي ظاهره البيع ، فإنا لَمْ نعلم أحدا من أَهل العلم قاله غيره ، وجاز الخيار عِنْدَ مَالِك وأَصْحَابه إِلَى غَيْر مدة معلومة ، إِذَا جعل الخيار بغير مدة معلومة ، ويجعل السلطان لَهُ فِي ذَلِكَ من الخيار مَا يَكُون فِي مثل تلك السلعة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة ، وأَصْحَابه : إِذَا جعل الخيار بغير مدة معلومة فسد البيع كالأجل الفاسد سواء ، فَإِن أجازه فِي الثلاث جاز عِنْدَ أَبِي حَنِيفَة وإن لَمْ يجز حَتَّى مضت الثلاث لَمْ يكن لَهُ أَن يجيز ، وَقَالَ أَبُو يُوسُف ، ومحمد : لَهُ أَن يختار بَعْد الثلاث وقياس قَوْل الشَّافِعِي عندي فِي هذه المسألة أَن يَكُون البيع فاسدا ولا يَجُوز وإن أجازه فِي الثلاث ، وَقَالَت طائفة ، مِنْهُم : الْحَسَن بْن حي ، وغيره : جائز اشتراط الخيار بغير مدة ويكون الخيار أبدا ، وَقَالَ الطبري : إِذَا لَمْ يضرب للخيار وقتا معلوما كَانَ البيع صحيحا والثمن حالا ، وَكَانَ لَهُ الخيار فِي الوقت ، إِن شاء أمضى ، وإن شاء رد ، وعند مَالِك ، والشَّافِعِي ، وعُبَيْد اللَّهِ بْن الْحَسَن ، يورث الخيار ، ويقوم ورثة الَّذِي لَهُ الخيار مقامه إِن مَات فِي أَيَّام الخيار ، وَقَالَ الثَّوْرِي ، وأبو حَنِيفَة : يبطل الخيار بموت من لَهُ الخيار ، ويتم البيع ، وعند مَالِك ، والليث بْن سَعْد ، والأوزاعي ، هلاك المبيع فِي أَيَّام الخيار من البائع منه مصيبة ، والمشتري أمين ، وَهُوَ قَوْل ابْن أَبِي ليلى ، إِذَا كَانَ الخيار للبائع خاصة ، وَقَالَ الثَّوْرِي : إِذَا كَانَ الخيار للمشتري فَعَلَيْهِ الثمن ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِن الخيار للبائع فالمشتري ضامن للقيمة ، وإن كَانَ الخيار للمشتري فَعَلَيْهِ الثمن ، وَقَدْ تم البيع عَلَى كُل حال بالهلاك ، وحكى الرَّبِيع مثل ذَلِكَ عَنِ الشَّافِعِي ، وَقَالَ الشَّافِعِي فيما حكى المازني عَنْهُ : لأيهما كَانَ الخيار فالمشتري ضامن للقيمة إِذَا هلك فِي يده بَعْد قبضه لَهُ ، وَهَذَا كُلهُ عَلَى أصولهم فِي هلاك المبيع بَعْد القبض عِنْدَ المشتري عَلَى مَا تقدم عَنْهُم ذكره فِي الباب قبل هَذَا ، فَهَذِهِ أمهات مسائل الخيار وأصوله ، وَأَمَّا الفروع فِي ذَلِكَ فلا تكاد تحصى ، وليس فِي مثل كتابنا تتقصى .