أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبِي ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ فُطَيْسٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ إِبْرَاهِيمَ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَصْبَغُ بْنُ الْفَرَجِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنِ الْقَاسِمِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، قَالَ : سَمِعْتُ رَجُلا يَسْأَلُ ابْنَ عَبَّاسٍ ° ، قَالَ : إِنَّ فِي حِجْرِي يَتِيمًا ، وَإِنَّ لَهُ إِبِلا وَلِي إِبِلٌ ، أفَأُقَدِّمُ إِبِلِي وَأَمْنَحُ مِنْهَا ، فَمَا يَحِلُّ لِي مِنْ إِبِلِهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ ° : إِنْ كُنْتَ تَرُدُّ نَادَّتَهَا ، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا ، وَتهْنَأُ جَرْبَاهَا ، وَتَسْقِي عَلَيْهَا فَاشْرَبْ مِنْ لَبَنِهَا . فَقَالَ الْقَاسِمُ : مَا سَمِعْتُ فُتْيَا بَعْدَ آيَةٍ مِنْ كِتَابِ اللَّهِ ، أَوْ حَدِيثٍ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَحْسَنَ مِنْ فُتْيَاهُ هَذِهِ . وَرَوَى مَالِكٌ ° هَذَا الْحَدِيثَ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَبَّاسٍ ° ، فَقَالَ : إِنَّ لِي يَتِيمًا ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبَنِ إِبِلِهِ ؟ فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ ، وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا ، وَتَلُوطُ حَوْضَهَا ، وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وِرْدِهَا فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ ، وَلا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ ، وَلَمْ يَذْكُرْ قَوْلَ الْقَاسِمِ
وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا مَا يدل عَلَى أَن من حلب من ضرع الشاة أَوِ البقرة أَوِ الناقة بَعْد أَن يَكُون فِي حرز مَا يبلغ قيمته مَا يجب فِيهِ القطع أَن عَلَيْهِ القطع ، لأن الْحَدِيث قَدْ أفصح بأن الضروع خزائن للطعام ، ومعلوم أَن من فتح خزانة غيره أَوْ كسرها فاستخرج منها من المال الطعام أَوْ غيره مَا يبلغ ثلاثة دراهم أَنَّهُ يقطع ، فَإِذَا كَانَ القطع يجب عَلَى من سرق الشاة نفسها من مراحها وحرزها ، وَلَمْ تكن حريسة جبل ، فاللبن بِذَلِكَ أولى ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، وَقَدْ مضى ذكر معاني الحرز عِنْدَ الْعُلَمَاء فِي بَاب ابْن شهاب ، عِنْدَ ذكر سرقة رداء صفوان بْن أمية ، فلا معنى لإعادة ذَلِكَ هاهنا ، إلا أَن الشاة إِذَا لَمْ تكن فِي حرز فلبنها تبع لَهَا ، ومن هَذَا الباب بيع الشاة اللبون بالطعام ، لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ فِي هَذَا الْحَدِيث : فإنما تخزن لَهُمْ ضروع مواشيهم أطعماتهم ، فجعل اللبن طعاما ، وَقَدِ اختلف الْفُقَهَاء فِي بيع الشاة اللبون باللبن وبسائر الطعام نقدا ، وإلى أجل ، فَذَهَبَ مَالِك وأَصْحَابه إِلَى أَنَّهُ لا بأس بالشاة اللبون باللبن يدا بيد ، مَا لَمْ يكن فِي ضرعها لبن ، فَإِذَا كَانَ فِي ضرعها لبن لَمْ يجز يدا بيد باللبن من أجل المزابنة ، وَلَمْ يجعله لغوا ، لأن الربا لا يَجُوز قليله ولا كثيره ، وليس كالغرر الَّذِي يَجُوز قليله ولا يَجُوز كثيره ، ولا يَجُوز عنده بيع الشاة اللبون باللبن إِلَى أجل ، فَإِن كانت الشاة غَيْر لبون ، جاز فِي ذَلِكَ الأجل وغير الأجل ، قَالَ مَالِك : ولا بأس بالشاة اللبون بالطعام إِلَى أجل ، لأن اللبن من الشاة وليس الطعام منها ، قَالَ : والشاة بالطعام إِلَى أجل ، إِذَا لَمْ تكن شاة لحم جائز ، وإن أريد بِهَا الذبح ، فَإِن كانت شاة لحم فلا ، قَالَ : وَكَذَلِكَ السمن إِلَى أجل بشاة لبون لا يَجُوز ، وإن لَمْ يكن فِيهَا لبن جاز ، قَالَ : ويجوز الجميع يدا بيد . قَالَ أَبُو عُمَر : كَانَ القياس أَن الشاة إِذَا لَمْ يكن فِي ضرعها لبن وجاز بيعها باللبن يدا بيد ، وإن كانت لبونا ، أَن يَجُوز بيعها باللبن إِلَى أجل إِذَا لَمْ يكن فِي ضرعها لبن فِي حِينَ عقد التبايع ، وإن كانت اللبون كغير اللبون ، فَإِن كانت اللبون يراعي أخذها ، وإن لَمْ يكن فِيهَا لبن ، ويقام مقام اللبن فغير جائز أَن تباع باللبن ، وإن لَمْ يكن فِيهَا لبن يدا بيد ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . وَقَالَ الأَوْزَاعِي : يَجُوز شراء زيتونة فِيهَا زيتون بزيتون ، وشاة فِي ضرعها لبن بلبن ، لأن الزيتون فِي شجرة واللبن فِي الضرع لغو . وَقَالَ الشَّافِعِي ، وأبو حَنِيفَة ، وأَصْحَابهم : لا يَجُوز بيع الشاة اللبون بالطعام إِلَى أجل ، ولا يَجُوز عِنْدَ الشَّافِعِي بيع شاة فِي ضرعها لبن بشيء من اللبن لا يدا بيد ولا إِلَى أجل ، ولكل واحد مِنْهُم حجج من طريق النظر والاعتبار يطول ذكرها ، والأصل فِي هَذَا الباب المزابنة ، فَمَا لا يَجُوز إلا مثلا بمثل ، لَمْ يجز أَن يباع منه معلوم بمجهول ، ومن وقع عَلَيْهِ اسم طَعَام ، فلا يَجُوز أَن يباع منه شَيْء بشيء إِلَى أجل ، جاز فِيهِ التفاضل ، أَوْ لَمْ يجز ، لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نهى عَنِ الطعام إلا يدا بيد ، فهذا الأصل فِي هَذَا الباب لمن وفق وفهم ، والله المستعان . وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيثَ عَنْ مَالِكٍ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْهَادِي شَيْخُهُ ، حَدَّثَنِي أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ الرَّازِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مِقْدَامُ بْنُ دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي إِسْحَاقُ بْنُ بَكْرِ بْنِ مُضَرَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي أَبِي ، عَنْ يَزِيدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ابْنِ الْهَادِي ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : لا يَحْلِبَنَّ أَحَدٌ مَاشِيَةَ أَحَدٍ إِلا بِإِذْنِهِ ، أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ تُؤْتَى مَشْرَبَتُهُ . فَذَكَرَهُ حَرْفًا بِحَرْفٍ . وَفِي هَذَا الْحَدِيث أَيْضًا عَلَى مَا استدل بِهِ أَصْحَابنا وغيرهم مَا يرد مَا ذهب إِلَيْهِ من قَالَ : أَنَّهُ جائز للمرتهن الشاة أَوِ البقرة أَوِ الدابة أَن يحلب أَوْ يركب ذَلِكَ الرهن وتكون عَلَيْهِ نفقة الدابة أَوِ البقرة أَوْ رعيها أَوْ رعي الشاة أَوْ نفقتها وممن ذهب إِلَى هَذَا : أَحْمَد بْن حنبل ، وإسحاق بْن راهويه ، وحجتهم : حَدِيث الشَّعْبِي ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الرهن مركوب ومحلوب ، وَبَعْض رواته يَقُول فِيهِ : الرهن يركب أَوْ يحلب بقدر نفقته ، وعلى الَّذِي يركب ويحلب نفقته وَهَذَا الْحَدِيث عِنْدَ جمهور الْفُقَهَاء ترده أصول يجتمع عَلَيْهَا وآثار ثابتة لا يختلف فِي صحتها ، وَقَدْ أجمعوا أَن لَيْسَ الرهن وظهره للراهن ، ولا يخلو من أَن يَكُون احتلاب المرتهن لَهُ بإذن الراهن ، أَوْ بغير إذنه ، فَإِن كَانَ بغير إذنه ، ففي حَدِيث ابْن عُمَر ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا يحتلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه ، مَا يرده ويقضي بنسخه ، مَعَ مَا ذَكَرْنَا من تحريم مال المسلم إلا عَنْ طيب نفس ، وإن كَانَ بإذنه ، ففي الأصول المجتمع عَلَيْهَا فِي تحريم المجهول والغرر ، وبيع مَا لَيْسَ عندك ، وبيع مَا لَمْ يخلق مَا يرد ذَلِكَ أَيْضًا ، وَفَيْمَا ذَكَرْنَا صحة مَا ذهب إِلَيْهِ أَصْحَابنا ، وجمهور الْفُقَهَاء فِي حَدِيث أَبِي هُرَيْرَةَ : الرهن يركب ويحلب بنفقته ، أَنَّهُ منسوخ وأن ذَلِكَ كَانَ قبل نزول تحريم الربا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ .