← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2311 مقبول 14 : 349 ☰ حديث موفي أربعين لنافع عن ابن عمر
A− A+

أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُلَيْمَانُ بْنُ حَرْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ زَيْدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَيُّوبُ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : الشَّهْرُ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ ، فَلا تَصُومُوا حَتَّى تَرَوُا الْهِلالَ ، وَلا تُفْطِرُوا حَتَّى تَرَوْهُ ، فَإِنْ غُمَّ عَلَيْكُمْ فَاقْدِرُوا لَهُ . وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ إِذَا مَضَى لِشَعْبَانَ تِسْعٌ وَعِشْرُونَ نُظِرَ لَهُ الْهِلالُ ، فَإِنْ رُؤِيَ فَذَاكَ ، وَإِنْ لَمْ يَرَوْا لَمْ يَحُلْ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ وَلا قَتَرٌ أَصْبَحَ مُفْطِرًا ، وَإِنْ حَالَ دُونَ مَنْظَرِهِ سَحَابٌ أَوْ قَتَرٌ أَصْبَحَ صَائِمًا ، قَالَ : وَكَانَ ابْنُ عُمَرَ يُفْطِرُ مَعَ النَّاسِ ، وَلا يَأْخُذُ بِهَذَا الْحِسَابِ

قَالَ أَبُو عُمَر : هَذَا الأصل ينتقض عَلَى من أصله ، لأن من أغمي عَلَيْهِ هلال رمضان ، فصام عَلَى فعل ابْن عُمَر ، ثُمَّ أغمي عَلَيْهِ هلال شوال ، لا يخلو أَن يَكُون يجزئ عَلَى احتياطه خوفا أَن يفطر يوما من رمضان ، أَوْ يترك احتياطه ، فَإِن ترك احتياطه نقض مَا أصله ، وإن جرى عَلَى احتياطه صام واحدا وثلاثين يوما ، وَهَذَا خلاف مَا أمر اللَّه بِهِ عِنْدَ الجميع ، ولكنه وإن كَانَ كَمَا وصفنا فَإِن لأَصْحَابنا مثله من الاحتياط كثيرا فِي الصلاة ، مثل قولهم : يتمادى ويعيد ، ويسجد سجدتي السهو ، وَهُوَ خلاف مَا أمر اللَّه بِهِ من الخمس صلوات ، وَهُوَ يشبه مذهب ابْن عُمَر فِي هَذَا الباب ، ويشبه أَيْضًا أعمال مَالِك فِي مواضع من الطهارة والطلاق ، والله الموفق للصواب . وَقَدْ كَانَ بَعْض جلة التابعين فيما حكاه عَنْهُ مُحَمَّد بْن سيرين يذهب فِي هَذَا الباب إِلَى اعتباره بالنجوم ، ومنازل القمر ، وطريق الحساب ، وذهب بَعْض فقهاء البصريين إِلَى أَن معنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلام : فاقدروا لَهُ ، ارتقاب منازل القمر وَهُوَ علم كانت العرب تعرف منه ، قريبا من علم العجم . قَالَ أَبُو عُمَر : من ذهب إِلَى هَذَا المذهب يَقُول فِي معنى قَوْله عَلَيْهِ السَّلام : فاقدروا لَهُ ، إِن التقدير فِي ذَلِكَ يَكُون إِذَا غم عَلَى النَّاس ليلة ثلاثين من شعبان ، بأن يعرف مستهل الهلال فِي شعبان فِي أول ليلة ، ويعلم أَنَّهُ يمكث فِيهَا ستة أسباع ساعة ، ثُمَّ يغيب ، وَذَلِكَ فِي أدنى مفارقته الشَّمْس ، ولا يزال فِي كُل ليلة يَزِيد عَلَى مكثه فِي الليلة الَّتِي قبلها ستة أسباع ساعة ، فَإِذَا كَانَ فِي الليلة السابعة ، غاب فِي نصف الليل ، وإذا كَانَ ليلة أربع عشرة ، تأخر ستة أسباع ساعة ، ولا يزال فِي كُل ليلة يتأخر طلوعه عَنِ الوقت الَّذِي طلع فِيهِ فِي الليلة الَّتِي قبلها ستة أسباع ، إِلَى أَن يَكُون طلوعه ليلة ثمان وعشرين مَعَ الغداة ، فَإِن لَمْ ير صبح ثمان وعشرين ، علم أَن الشهر ناقص ، وأنه من تسع وعشرين ، وإن رئي علم أَنَّهُ تام ، وأن عدته ثلاثون يوما ، وَقَالَ : وَقَدْ يتعرف أَيْضًا بمكث الهلال فِي ليالي النصف الأَوَّل من الشهر ، ومغيبه من الليل ، وأوقات طلوعه ليالي النصف الآخر من الشهر ، وتأخره عَنْ أول الليل ، بضرب آخر من العلم والعمل عندهم ، ويتعرف أَيْضًا من المنازل ، فَإِن الهلال إِذَا طلع أول ليلة من شعبان فِي الشرطين فكان شعبان ناقصا طلع فِي البطين ، ونحو هَذَا ، قَالَ أَبُو عُمَر : يمكن أَن يَكُون مَا قاله هَذَا القائل عَلَى التقريب ، لأن أَهل التعديل والامتحان ينكرون أَن يَكُون هَذَا حقيقة ، ولذا لَمْ يكن حقيقة ، وكانت الحقيقة عندهم فيما لَمْ توقف الشريعة عَلَيْهِ ، ولا وردت بِهِ سنة وجب العدول عَنْهُ إِلَى مَا سن لنا وهدينا لَهُ ، وَفَيْمَا ذكر هَذَا القائل من الضيق والتنازع والاضطراب مَا لا يليق أَن يتعلق بِهِ أولو الألباب ، وَهُوَ مذهب تركه الْعُلَمَاء قديما وحَدِيثا ، للأحاديث الثابتة عَنِ النَّبِيِّ عَلَيْهِ السَّلام : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فَإِن غم عليكم فأتموا ثلاثين وَلَمْ يتعلق أحد من فقهاء الْمُسْلِمِينَ ، فيما علمت ، باعتبار المنازل فِي ذَلِكَ ، وإنما هُوَ شَيْء رُوِيَ عَنْ مُطَرِّف بْن الشخير ، وليس بصحيح عَنْهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ولو صح ، مَا وجب اتباعه عَلَيْهِ لشذوذه ولمخالفة الحجة لَهُ ، وَقَدْ تأول بَعْض فقهاء البصرة فِي معنى قَوْله فِي الْحَدِيث : فاقدروا لَهُ نَحْو ذَلِكَ ، والقول فِيهِ واحد ، وَقَالَ ابْن قتيبة فِي قَوْله : فاقدروا لَهُ ، أي : فقدروا السير والمنازل ، وَهُوَ قَوْل قَدْ ذَكَرْنَا شذوذه ، ومخالفة أَهل العلم لَهُ ، وليس هَذَا من شأن ابْن قتيبة ، ولا هُوَ مِمَّن يعرج عَلَيْهِ فِي هَذَا الباب ، وَقَدْ حكي عَنِ الشَّافِعِي ، أَنَّهُ قَالَ : من كَانَ مذهبه الاستدلال بالنجوم ، ومنازل القمر ، ثُمَّ تبين لَهُ من جهة النجوم أَن الهلال الليلة ، وغم عَلَيْهِ ، جاز لَهُ أَن يعتقد الصيام ويبيته ويجزئه ، والصحيح عَنْهُ فِي كتبه ، وعند أَصْحَابه : أَنَّهُ لا يصح اعتقاد رمضان إلا برؤية أَوْ شهادة عادلة ، لقوله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : صوموا لرؤيته ، وأفطروا لرؤيته ، فَإِن غم عليكم فأكملوا العدة ثلاثين يوما .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد