وَرَوَى مُحَمَّدُ بْنُ سِيرِينَ ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : لا تَحْلِفُوا بِآَبَائِكُمْ ، وَلا بِأُمَّهَاتِكُمْ ، وَلا بِالأَنْدَادِ ، وَلا تَحْلِفُوا إِلا بِاللَّهِ ، وَلا تَحْلِفُوا بِاللَّهِ إِلا وَأَنْتُمْ صَادِقُونَ . حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عُبَيْدُ اللَّهِ بْنُ مُعَاذٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبِي ° ، حَدَّثَنَا عَوْفٌ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ سِيرِينَ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، فَذَكَرَهُ
والحلف بالمخلوقات كلها فِي حكم الحلف بالآباء ، لا يَجُوز شَيْء من ذَلِكَ ، فَإِن احتج محتج بحَدِيث يروى عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر ، عَنْ أَبِي سهيل نَافِع بْن مَالِك بْن ابْن أَبِي عامر ، عَنْ أَبِيهِ ، عَنْ طَلْحَة بْن عُبَيْد اللَّهِ ، فِي قصة الأعرابي النجدي ، أَن النَّبِي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : أفلح وأبيه إِن صدق ، قيل لَهُ : هذه لفظة غَيْر محفوظة فِي هَذَا الْحَدِيث من حَدِيث من يحتج بِهِ ، وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث مَالِك وغيره ، عَنْ أَبِي سهيل ، لَمْ يقولوا ذَلِكَ فِيهِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ إِسْمَاعِيل بْن جَعْفَر هَذَا الْحَدِيث ، وفيه : أفلح والله إِن صدق ، أَوْ دَخَلَ الْجَنَّة والله إِن صدق ، وَهَذَا أولى من رواية من رَوَى : وأبيه ، لأنها لفظة منكرة ، تردها الآثار الصحاح ، وبالله التوفيق . قَالَ أَبُو عُمَر : أجمع الْعُلَمَاء عَلَى أَن اليمين بغير اللَّه مكروهة منهي عَنْهَا ، لا يَجُوز الحلف بِهَا لأحد ، واختلفوا فِي الكفارة ، هل تجب عَلَى من حلف بغير اللَّه فحنث ؟ فأوجبها بَعْضهم فِي أشياء يطول ذكرها ، وأبى بَعْضهم من إيجاب الكفارة عَلَى من حنث فِي يمينه بغير اللَّه وَهُوَ الصواب عندنا ، والحمد لِلَّهِ ، وَأَمَّا الحلف بالطلاق ، والعتق ، فليس بيمين عِنْدَ أَهل التحصيل والنظر ، وإنما هُوَ طلاق بصفة ، أَوْ عتق بصفة إِذَا أوقعه موقع وقع عَلَى حسبما يجب فِي ذَلِكَ عِنْدَ الْعُلَمَاء ، كُل عَلَى أصله ، وقول المتقدمين الأيمان بالطلاق والعتق : إِنَّمَا هُوَ كَلام خرج عَلَى الاتساع والمجاز والتقريب ، وَأَمَّا الحقيقة : فإنما هُوَ طلاق عَلَى صفة مَا ، وعتق عَلَى صفة ، ولا يمين فِي الحقيقة إلا بالله عَزَّ وَجَلَّ ، وَأَمَّا من حلف بصدقة ماله ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، فالذي يلزم منه مَا قصد بِهِ فاعله إِلَى البر والقربة إِلَى اللَّه عَزَّ وَجَلَّ ، وَهَذَا بَاب اختلف فِيهِ الْعُلَمَاء قديما وحَدِيثا ، وسنذكر مَا لَهُمْ فِي ذَلِكَ من الأقوال والاعتلال فِي بَاب عُثْمَان بْن حفص بْن خلدة من كتابنا هَذَا عِنْدَ ذكر قصة أَبِي لبابة إِن شاء اللَّه ، ونذكر وجوه الأيمان وتقسيمها عِنْدَ الْعُلَمَاء ، واللغو منها ، وغير اللغو ، وأحكام كفارتها فِي بَاب سهيل بْن أَبِي صَالِح من كتابنا هَذَا أَيْضًا إِن شاء اللَّه ، ونذكر هاهنا معاني الأيمان بالله عَزَّ وَجَلَّ خاصة ، لأن الغرض مِمَّا فِي كُل بَاب من أبواب كتابنا هَذَا أَن يتسع القول فِي أصوله ونوضحها ، ونبسطها ، ونلوح من فروعه بِمَا يدل عَلَى المراد فِيهِ ، إذ الفروع لا تحصى ولا تضبط إلا بضبط الأصول ، والله المستعان . فالذي أجمع عَلَيْهِ الْعُلَمَاء فِي هَذَا الباب هُوَ أَنَّهُ من حلف بالله ، أَوْ باسم من أسماء اللَّه ، أَوْ بصفة من صفاته ، أَوْ بالقرآن ، أَوْ بشيء منه فحنث ، فَعَلَيْهِ كفارة يمين عَلَى مَا وصف اللَّه فِي كتابه من حكم الكفارة ، وَهَذَا مَا لا خلاف فِيهِ عِنْدَ أَهل الفروع ، وليسوا فِي هَذَا الباب بخلاف ، وأجمع الْعُلَمَاء عَلَى أَن تصريح اليمين بالله هُوَ قَوْل الحالف بالله ، أَوْ والله ، أَوْ تالله ، واختلفوا فيمن قَالَ : والله والله والله ، أَوْ والله والرحمن ، أَوْ والرحمن والرحيم ، أَوْ والله والرحيم الرحمن ، فتحصيل مذهب مَالِك وأَصْحَابه فِي ذَلِكَ ، وَهُوَ قَوْل الأَوْزَاعِي ، والبتي : أَنَّهَا يمين واحدة أبدا إِذَا كرر شَيْئًا مِمَّا ذَكَرْنَا ، إلا أَن يَكُون أراد استثناء يمين فيكون كَذَلِكَ ، وسواء كَانَ ذَلِكَ فِي مجلس واحد ، أَوْ مجالس ، وَقَالَ الشَّافِعِي : فِي كُل يمين كفارة ، إلا أَن يَكُون أراد التكرار ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِذَا قَالَ : والله ، والرحمن ، فهما يمينان ، إلا أَن يَكُون أراد اليمين الأولى ، فتكون يمينا واحدة ، ولو قَالَ : والله الرحمن ، كانت يمينا واحدة . قَالَ أَبُو عُمَر : لا يختلفون فيمن قَالَ : والله العظيم ، الرحمن الرحيم ، ونحو هَذَا من صفاته عَزَّ وَجَلَّ ، أَنَّهَا يمين واحدة ، وإنما اختلفوا إِذَا أدخل الواو ، وَقَالَ زفر : إِذَا قَالَ : والله الرحمن ، كانت يمينا واحدة ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : من حلف فِي شَيْء واحد مرارا فِي مجلس واحد ، فَإِن كَانَ أراد التكرار فَهِيَ يمين واحدة ، وإن لَمْ تكن لَهُ نية وأراد التغليظ ، فهما يمينان ، وإن حلف فِي مجلسين ، فهما يمينان ، وَقَالَ الثَّوْرِي : هِيَ يمين واحدة ، وإن كَانَ فِي مجالس ، إلا أَن يَكُون أراد يمينا أُخْرَى ، وَقَالَ الْحَسَن بْن حي : إِن قَالَ : والله لا أعلم فلانا ، والله والله لا أكلم فلانا ، فيمين واحدة ، وإن قَالَ : والله لا أكلم فلانا ، ثُمَّ قَالَ : والله لا أكلم فلانا ، فيمينان ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حنبل : من حلف عَلَى شَيْء واحد بأيمان كثيرة فِي مجلس ، أَوْ مجالس ، فحنث فإنما عَلَيْهِ كفارة واحدة ، أجمعوا أَنَّهُ إِذَا قال : أقسم بالله أَنَّهَا يمين ، واختلفوا فيمن قَالَ : أقسم ، أَوْ أشهد ، أَوْ أعزم ، أَوْ أحلف ، وَلَمْ يقل : بالله ، ولكنه أراد بالله ، فَقَالَ مَالِك : كُل هذه الألفاظ يمين إِذَا أراد بالله ، وإن لَمْ يرد بالله ، فليس شَيْء منها بيمين ، وروي عَنْ مَالِك أَنَّهُ ضعف أعزم بالله ، وكأنه لَمْ يره يمينا ، إلا أَن يَكُون أراد اليمين ، لأنه قَدْ يَكُون عَلَى وجه الاستعانة ، كَأَنَّهُ يَقُول : أستعين بالله ، أَوْ بحول اللَّه ، وَهَذَا لَيْسَ بيمين عِنْدَ أحد ، وَقَالَ الشَّافِعِي : أقسم بالله ، أَوْ أقسمت بالله ، أَوْ أشهد بالله ، أَوْ أعزم بالله يمين إِذَا أراد بِهَا اليمين ، وليست بيمين إِن لَمْ يرد بِهَا يمينا ، وليس أقسم ، وأشهد ، وأحلف يمينا إِذَا لَمْ يقل : بالله ، هذه رواية المزني عَنْهُ ، وَرَوَى عَنْهُ الرَّبِيع نَحْو قَوْل مَالِك أَنَّهُ إِذَا قَالَ : أقسم ، أَوْ أشهد ، أَوْ أعزم ، فَهُوَ يمين ، وإن لَمْ يقل : بالله ، إِذَا أراد بالله وأراد بِهِ اليمين ، قَالَ الرَّبِيع : وَقَالَ الشَّافِعِي : وإن قَالَ : أحلف بالله ، فليس بيمين إلا أَن ينوي اليمين ، لأنه يحتمل أَن يريد سأحلف بالله ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : أقسم ، وأشهد ، وأعزم ، وأحلف ، كلها أيمان ، وإن لَمْ يقل بالله ، وَهُوَ قَوْل الثَّوْرِي ، والأَوْزَاعِي ، وقول الْحَسَن ، والنخعي ، واختلفوا فيمن حلف بحق اللَّه ، أَوْ بعهد اللَّه ، أَوْ ميثاقه ، أَوْ نَحْو ذَلِكَ ، فَقَالَ مَالِك : من حلف بحق اللَّه فَهِيَ يمين ، قَالَ : وَكَذَلِكَ عهد اللَّه ، وميثاقه ، وكفالته ، وعزته ، وقدرته صفات اللَّه وأسمائه هِيَ أيمان كلها فِيهَا الكفارة ، وَكَذَلِكَ لعمر اللَّه ، وأيم اللَّه ، وَقَالَ الشَّافِعِي : فِي وحق اللَّه ، وجلال اللَّه ، وعظمته ، وقدرته ، يمين إِن نوى بِهَا اليمين ، وإن لَمْ يرد اليمين فليست بيمين ، لأنه يحتمل وحق اللَّه واجب ، وقدرة اللَّه ماضية ، وَقَالَ فِي أمانة اللَّه ليست بيمين ، وَفِي لعمر اللَّه وأيم اللَّه ، إِن لَمْ يرد بِهَا اليمين فليست بيمين ، وَقَالَ الأَوْزَاعِي : من قَالَ : لعمر اللَّه ، وأيم اللَّه ، لأفعلن كَذَا ثُمَّ حنث ، فَعَلَيْهِ كفارة يمين ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة : إِن قَالَ : وحق اللَّه فَهِيَ يمين فِيهَا كفارة ، وَقَالَ مُحَمَّد بْن الْحَسَن : ليست بيمين ، ولا فِيهَا كفارة ، وَقَالَ الرازي : قَوْل أَبِي حَنِيفَة فِي هَذَا مثل قَوْل مُحَمَّد ليست بيمين ، وَكَذَلِكَ عهد اللَّه ، وميثاقه ، وأمانته ، ليست بيمين ، وَقَالَ أَبُو حَنِيفَة فِي قَوْله : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ سورة الأحزاب آية 72 ، هِيَ : الإيمان والشرائع ، وَقَالَ بَعْض أَصْحَابه : هِيَ يمين ، وَقَالَ الطحاوي : ليست بيمين ، وَقَالَ الشَّافِعِي : من حلف بالقرآن فحنث ، فَعَلَيْهِ الكفارة ، وَقَالَ أَحْمَد بْن حنبل : من حلف بالقرآن ، أَوْ بحق الْقُرْآن فحنث ، لزمته بكل آية كفارة ، وأجمعوا أَن الاستثناء فِي اليمين بالله عَزَّ وَجَلَّ جائز ، واختلفوا فِي الاستثناء فِي اليمين بغير اللَّه من الطلاق ، والعتق وغير ذَلِكَ ، وَمَا أجمعوا عَلَيْهِ فَهُوَ الحق ، وإنما ورد التوقيف فِي الاستثناء فِي اليمين بالله لا فِي غَيْر ذَلِكَ .