← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#2378 مقبول 15 : 116 ☰ حديث ثامن وأربعون لنافع عن ابن عمر
A− A+

مَا حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادٌ ° ، عَنْ أَيُّوبَ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° ، أَنَّهُ وَجَدَ الْقَُرَّ ، فَقَالَ : يَا نَافِعُ ، أَلْقِ عَلَيَّ ثَوْبًا ، قَالَ : فَأَلْقَيْتُ عَلَيْهِ بُرْنُسًا ، فَقَالَ : أَتُلْقِي عَلَيَّ هَذَا ، وَقَدْ نَهَى رَسَولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنْ يُلْبَسَهُ الْمُحْرِمُ ؟ ! "

ألا ترى أنه كره أن يلقى عليه البرنس ؟ وسائر أهل العلم إنما يكرهون الدخول فيه ، ولكنه رحمه الله استعمل العموم في اللباس ، لأن التغطية ، والامتهان قد يسمى لباسا ، ألم تسمع إلى قول أنس : فقمت إلى حصير لنا قد اسود من طول ما لبس ؟ قال أسد ، وأبو ثابت ، وسحنون ، وأبو زيد : قلت لابن القاسم : هل كان مالك يكره للمحرم أن يدخل منكبه في القباء من غير أن يدخل يديه في كميه ، ولا يرزه عليه ؟ قال : نعم ، قلت : فكان يكره له أن يطرح قميصه على ظهره يتردى به من غير أن يدخل فيه ؟ قال : لا قيل له : فلم كره أن يدخل منكبيه في القباء إذا لم يدخل فيه ولم يزره ؟ قال : لأن ذلك دخول في القباء ، ولباس له ، فلذلك كرهه . قال أبو عمر : كان أبو حنيفة ، وأصحابه ، وأبو ثور ، يقولون : لا باس أن يدخل منكبيه في القباء ، وهو قول إبراهيم النخعي ، وكره ذلك الثوري ، والليث بن سعد ، والشافعي ، وقال عطاء : لا بأس أن يتردى به . وجملة قول مالك وأصحابه : أن المحرم إذا أدخل كتفيه في قباء ، افتدى ، وإن لم يدخل كتفيه ، فلا شيء عليه ، وهو قول زفر ، وقول الشافعي . وقال أبو حنيفة : لا فدية عليه إلا أن يدخل فيه يديه . وقال مالك : إن عقد إزاره على عنقه ، افتدى . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة : لا شيء عليه ، قال أبو عمر : روي عن ابن عمر أنه كره الهميان ، والمنطقة للمحرم . وروي عن ابن عباس أنه أجاز ذلك للمحرم وكذلك روي عن عائشة أنها قالت : أوثق عليك نفقتك . وأجاز ذلك جماعة فقهاء الأمصار متقدموهم ومتأخروهم . وعن جماعة من التابعين بالحجاز والعراق مثل ذلك . وقال إسحاق بن راهويه : ليس له أن يعقد السيور ، ولكن يدخل بعضها في بعض . وقال مالك : أحب ما سمعت إلي في ذلك ، ما حدثني يحيى بن سعيد ، عن سعيد بن المسيب ، أنه كان ، يقول : في المنطقة يلبسها المحرم تحت ثيابه إنه لا بأس بذلك ، إذا جعل في طرفيها جميعا سيورا ، يعقد بعضها إلى بعض . وقال ابن علية : قد أجمعوا على أن المحرم ليس له أن يعقد الهميان ، والإزار على وسطه ، والمنطقة مثل ذلك . واختلفوا في المحرم يعصب رأسه وجسده عن ضرورة . فقال مالك : لا يفعل ذلك أحد إلا من ضرورة ، فإن فعل ذلك من غير ضرورة فعليه الفدية ، وسواء في ذلك عنده الرأس والجسد . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه : إن عصب رأسه يوما إلى الليل ، فعليه صدقة ، وإن عصب بعض جسده ، فلا شيء عليه . وقال الشافعي : من عصب رأسه فعليه الفدية ، وكذلك إذا شد السير على رأسه ، أو حمل خرجه على رأسه ، قال : ولا بأس أن يضع يده على رأسه . وقال مالك : لا بأس أن يحمل المحرم خرجه ، وجرابه على رأسه ، إذا كان فيه زاده ، واحتاج إلى ذلك ، كما أرخص له في حل منطقة نفسه ، قال : وأما لو تطوع بحمله ، أو آجر نفسه على ذلك ، لكان عليه الفدية . قال : والأطباق والغراير والأحرجة في ذلك سواء . وجملة قول مالك : إنه سواء في المحرم لبس ناسيا ، أو عامدا ، أو تطيب ، أو حلق ناسيا ، أو عامدا لضرورة أو غير ضرورة ، عليه في ذلك كله الكفارة ، وهو مخير فيها إن شاء ، صام ثلاثة أيام ، وإن شاء ، أطعم ستة مساكين مدين مدين ، لكل مسكين ، وإن شاء ذبح شاة . قال مالك : وإنما يكون الصيام ، والطعام مكان الهدي في فدية الأذى ، وجزاء الصيد لا غير ، قال : وأما دم المتعة ، أو الهدي الواجب على من عجز عن المشي أو وطيء أهله ، أو فاته الحج ، أو رجل ترك شيئا من الحج ، فجبره بالدم أي شيء كان المتروك من حجه ، فإن هذا كله ، إذا لم يجد الهدي فيه من وجب عليه ، صام فقط ، وليس في شيء من ذلك إطعام . قال ابن القاسم : والصوم في هذا كله كصوم المتمتع ثلاثة أيام في الحج ، وسبعة ، إذا رجع هذا كله ، إذا لم يجد الهدي . وقال الشافعي ، وأبو حنيفة ، وأصحابهما : كل من لبس عامدا ، أو تطيب عامدا ، فليس بمخير في الكفارة ، وإنما عليه الدم لا غير . قالوا : فإن كان ذلك من ضرورة ، فهو مخير على حسبما تقدم عن مالك ، إن شاء صام ، وإن شاء نسك بشاة ، وإن شاء ، أطعم ستة مساكين مدين ، مدين على حديث كعب بن عجرة ، وللشافعي فيمن لبس ، أو تطيب ناسيا قولان : أحدهما لا فدية عليه ، والآخر عليه الفدية . وقال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث بن سعد : الناسي ، والعامد في وجوب الفدية سواء . وقال داود : لا فدية عليه ، إن لبس من ضرورة ، وإنما عليه الفدية ، إن لبس عامدا ، وإن حلق رأسه لضرورة ، فعليه الفدية ، وإن حلق شعر جسده ، فلا فدية عليه لضرورة ، ولا لغير ضرورة ، قال أبو عمر : من لم ير على اللابس الناسي ، والجاهل شيئا ، استدل بحديث يعلى بن أمية في الأعرابي الذي أحرم وعليه جبة وصفرة خلوق ، فأمره رَسَول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بنزع الجبة ، وغسل الخلوق ، ولم يأمره بفدية . وقد ذكرنا هذا الخبر ، وأحكامه في باب حميد بن قيس من كتابنا هذا . ومن أوجب الفدية على الناسي ، وغيره فحجته أن الفدية إنما وردت فيمن فعلها من ضرورة ، وذلك محفوظ في قصة كعب بن عجرة ، فالضرورة ، وغير الضرورة ، والنسيان ، وغيره في ذلك سواء ، لأنه إذا وجبت على من فعل ذلك من ضرورة ، فأحرى أن تجب على من فعل ذلك ضرورة ، والناسي قياس على المضطر ، والعامد أحرى بذلك ، وأولى . واختلفوا فيمن لبس ، أو تطيب في مواطن ، فقال مالك : إن لبس القميص ، والسراويل ، والعمامة ، والقلنسوة ، وما أشبه ذلك من الثياب في فور واحد ، وكانت حاجته إلى ذلك كله في فور واحد ، فعليه كفارة واحدة ، وكذلك إن تطيب مرارا في موطن واحد ، وفور واحد ، فعليه فدية واحدة ، وإن كان ذلك في أحوال مختلفة ، فعليه لكل مرة فدية ، فدية ، وبه قال أبو حنيفة ، والثوري ، والليث ، وهو أحد قولي الشافعي ، وقال محمد بن الحسن ، والأوزاعي ، وهو أحد قولي الشافعي أيضا : ليس عليه إلا كفارة واحدة ما لم يكفر ، فإن كفر ، ثم صنع شيئا من ذلك ، فعليه كفارة أخرى ، وقد روي عن مالك أنه عليه في كل ما يلبس ، أو يتطيب فدية بعد فدية أبدا ، وأما الثوب المصبوغ بالورس ، والزعفران ، فلا خلاف بين العلماء أن لباس ذلك لا يجوز للمحرم على ما جاء في حديث ابن عمر . هذا فإن غسل ذلك الثوب حتى تذهب ريح الزعفران منه ، وخرج عنه ، فلا بأس به عند جميعهم أيضا . وكان مالك فيما ذكر ابن القاسم عنه يكره الثوب الغسيل من الزعفران ، والورس ، إذا بقي فيه من لونه شيء ، وقال : لا يلبسه المحرم ، وإن غسله ، إذا بقي فيه شيء من لونه ، إلا أن لا يجد غيره ، فإن لم يجد غيره ، صبغه بالمشق ، وأحرم فيه . وقد روى يحيى بن عبد الحميد ، عن أبي معاوية ، عن عبيد الله ، عن نافع ، عن ابن عمر ، عن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هذا الحديث ، فقال فيه : " ولا تلبسوا ثوبا مسه ورس ، أو زعفران ، إلا أن يكون غسيلا " وقال الطحاوي ، عن ابن أبي عمران : رأيت يحيى بن معين ، وهو يتعجب من الحماني كيف يحدث بهذا الحديث ؟ فقال له عبد الرحمن بن مهدي : هذا عندي ثم وثب من فوره ، فجاء بأصله ، فأخرج منه هذا الحديث ، عن أبي معاوية ، كما قال الحماني . والورس نبات يكون باليمن كشبه العصفر ، صبغه ما بين الصفرة والحمرة ورائحته طيبة . واختلفوا في العصفر ، فجملة مذهب مالك ، وأصحابه : أن العصفر ليس بطيب ، ويكرهون للحاج استعمال الثوب الذي ينتفض في جلده ، فإن فعل ، فقد أساء ، ولا فدية عليه عندهم ، وهو قول الشافعي . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : العصفر طيب ، وفيه الفدية على من استعمل شيئا منه في اللباس ، وغيره إذا استعمله ، وهو محرم ، فهذه جمل ما في هذا الحديث من الأحكام ، والحمد لله على عونه ، لا شريك له .

السند · الإسناد بالترتيب
عبد الله بن محمد←محمد بن بكر←أبو داود←موسى بن إسماعيل←حماد←أيوب←نافع←ابن عمر←يحيى بن عبد الحميد←أبي معاوية←عبيد الله←نافع←ابن عمر
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد