وَرَوَى مَالِكٌ ، عَنْ نَافِعٍ ، قَالَ : " كَانَ ابْنُ عُمَرَ ° إِذَا وَخَزَ فِي سَنَامِ بُدْنَتِهِ يُشْعِرُهَا ، قَالَ : بِسْمِ اللَّهِ ، وَاللَّهُ أَكْبَرُ "
ذكر عَبْد الرزاق ، عَنِ الثوري ، عَنْ منصور ، عَنْ مجاهد ، قَالَ : تشعر البدن من حيث تيسر ، وَقَالَ أَبُو حنيفة : أكره الإشعار ؛ لأنه تعذيب للبدن فِي غير نفع لها ، ولا لصاحبها " لنهي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من اتخاذ شيء فيه الروح غرضا " ، " ولنهيه عَنِ المثلة " ، وَقَالَ الشافعي ، وأبو ثَوْر ، وأحمد ، وإسحاق ، وسائر أهل العلم : تشعر البدن فِي الشق الأيمن ، وحجتهم أن رسول الله صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قلد بدنة ، وأشعرها من الشق الأيمن ، وسلت الدم عنها . رواه ابن عباس ، وغيره ، عن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . وأما من جهة النظر ، فإن الأصول كلها تشهد أن المحرم لا يحل إلا بعمل يعمله ، أقله الطواف بالبيت ، والسعي بين الصفا والمروة ، وهذا أمر متفق عَلَيْهِ ، وفي حديث عَبْد الرَّحْمَن بْن عَطَاء ، وقول ابن عباس ، وابن عُمَر ما يوجب أن يحل دون عمل يعمله إذا نحر هديه ، وهذا خلاف الإحرام المتفق عَلَيْهِ ، وليس حديث جَابِر مما يعارض بمثله حديث عائشة عند أهل العلم بالحديث ، وقد كَانَ ابن الزبير يحلف إن فعل ما روي ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ، وابن عُمَر فِي هذا الباب بدعة ، ولا يجوز فِي العقول أن يحلف عَلَى أن ذلك بدعة ، إلا وهو قد علم أن السنة خلاف ذلك . روى مَالِكٌ ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ، عَنْ مُحَمَّد بْن إِبْرَاهِيم بْن الحارث التيمي ، عَنْ ربيعة بْن عَبْد اللَّه بْن الهدير ، أَنَّهُ رأى رَجُلا متجردا بالعراق ، قَالَ : فسألت الناس عنه ، فقالوا : أمر بهديه أن يقلد ، فلذلك تجرد . قَالَ ربيعة : فلقيت عَبْد اللَّه بْن الزبير ، فَقَالَ : بدعة ورب الكعبة . وفي حديث عائشة أيضا من الفقه ما يرد الحديث الذي رَوَاهُ شُعَبْةُ ، عَنْ مَالِكِ بْنِ أَنَسٍ ، عَنْ عُمَر بْن مُسْلِمِ بْنِ أُكَيْمَةَ ، عَنْ سَعِيد بْن الْمُسَيِّبِ ° ، عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ ° ، أَنَّ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " إِذَا دَخَلَ الْعَشْرُ ، فَأَرَادَ أَحَدُكُمْ أَنْ يُضَحِّيَ ، فَلا يَأْخُذْ مِنْ شَعْرِهِ ، وَلا مِنْ أَظْفَارِهِ شَيْئًا " ففي هذا الحديث إنَّهُ لا يجوز لمن أراد أن يضحي أن يحلق شعرا ، ولا يقص ظفرا . وفي حديث عائشة أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لم يجتنب شيئا مما يجتنبه المحرم حين قلد هديه ، وبعث به ، وهو يرد حديث أم سلمة ويدفعه ، ومما يدل عَلَى ضعفه ووهنه ، أن مالك روي ، عَنْ عمارة بْن عَبْد اللَّه ، عَنْ سَعِيد بْن المسيب ، قَالَ : لا بأس بالاطلاء بالنورة فِي عشر ذي الحجة ، فترك سَعِيد لاستعمال هذا الحديث ، وهو راويته دليل عَلَى أَنَّهُ عنده غير ثابت ، أو منسوخ ، وقد أجمع العلماء عَلَى أن الجماع مباح فِي أيام العشر لمن أراد أن يضحي ، فما دونه أحرى أن يكون مباحا . ومذهب مالك أَنَّهُ لا بأس بحلق الرأس ، وتقليم الأظفار ، وقص الشارب فِي عشر ذي الحجة ، وهو مذهب سائر الفقهاء بالمدينة ، والكوفة . وَقَالَ الليث بْن سعد ، وقد ذكر لَهُ حديث سَعِيد بْن المسيب ، عَنْ أم سلمة ، أن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " من أهل عَلَيْهِ منكم هلال ذي الحجة ، وأراد أن يضحي ، فلا يأخذ من شعره وأظفاره حتى يضحي " ، فَقَالَ الليث : قد روي هذا ، والناس عَلَى غير هذا ، وَقَالَ الأوزاعي : إذا اشترى أضحيته بعد ما دخل العشر ، فإنه يكف عَنْ قص شاربه وأظفاره ، وإن اشتراها قبل أن يدخل العشر ، فلا بأس . واختلف قول الشافعي فِي ذلك ، فمرة قَالَ : من أراد أن يضحي لم يمس فِي العشر من شعره شيئا ، ولا من أظفاره ، وَقَالَ فِي موضع آخر : أحب لمن أراد أن يضحي أن لا يمس فِي العشر من شعره ، ولا من أظفاره شيئا حتى يضحي لحديث أم سلمة ، فإن أخذ من شعره وأظفاره ، فلا بأس ؛ لأن عائشة قَالَتْ : " كنت أفتل قلائد هدي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " الحديث . وذكر الأثرم ، أن أَحْمَد بْن حَنْبَل كَانَ يأخذ بحديث أم سلمة هذا ، فقيل لَهُ : فإن أراد غيره أن يضحي ، وهو لا يريد أن يضحي ؟ فَقَالَ : إذا لم يرد أن يضحي لم يمسك عَنْ شيء ، إنما قَالَ : إذا أراد أحدكم أن يضحي ، وَقَالَ : ذكرت لعبد الرَّحْمَن بْن مهدي حديث عائشة : " كَانَ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إذا بعث بالهدي " ، وحديث أم سلمة : " إذا دخل العشر " ، فبقي عَبْد الرَّحْمَن ، ولم يأت بجواب ، فذكرته ليحيى بْن سَعِيد ، فَقَالَ يَحْيَى : ذاك لَهُ وجه ، وهذا لَهُ وجه حديث عائشة : " إذا بعث بالهدي وأقام " ، وحديث أم سلمة : " إذا أراد أن يضحي بالمصر " ، قَالَ أَحْمَد : وهكذا أقول : قيل لَهُ : فيمسك عَنْ شعره وأظفاره ، قَالَ : نعم ، كل من أراد أن يضحي ، فقيل لَهُ : هذا عَلَى الذي بمكة ، فَقَالَ : لا ، بل عَلَى المقيم ، وَقَالَ : هذا الحديث رواه شعبة ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ عَمْرو بْن مسلم ، عَنْ سَعِيد بْن المسيب ، عَنْ أم سلمة ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . ورواه ابن عيينة ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن حميد ، عَنْ سَعِيد بْن المسيب ، عَنْ أم سلمة ، رفعه إلى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . قَالَ : وقد رواه يَحْيَى بْن سَعِيد القطان ، عَنْ عَبْد الرَّحْمَن بْن حميد هكذا ، ولكنه وقفه عَلَى أم سلمة .