أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الْمَلِكِ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو سَعِيدٍ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ زِيَادٍ الأَعْرَابِيُّ ° ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدٍ الزَّعْفَرَانِيُّ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عَبَّادٍ ° ، عَنْ شُعْبَةَ ° ، حَدَّثَنِي عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي السَّفَرِ ° ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ الحارث ° ، عَنْ عَائِشَةَ ° ، قَالَتْ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصْبِحُ جُنُبًا ، ثُمَّ يَغْتَسِلُ ، ثُمَّ يَخْرُجُ إِلَى الصَّلاةِ ويُصَلِّي ، وَأَسْمَعُ قِرَاءَتَهُ ، ثُمَّ يَصُومُ " ، قَالَ أَبُو عُمَرَ : رُوِيَ هَذَا الْحَدِيثُ عَنْ عَائِشَةَ مِنْ وُجُوهٍ كَثِيرَةٍ ، وَطُرُقٍ مُتَوَاتِرَةٍ ، وَكَذَلِكَ رُوِيَ أَيْضًا عَنْ أُمِّ سَلَمَةَ
وأما اختلاف العلماء فِي هذا الباب ، فالذي عَلَيْهِ جماعة فقهاء الأمصار بالعراق ، والحجاز القول بحديث عائشة ، وأم سلمة ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " أَنَّهُ كَانَ يصبح جنبا ، ويصوم ذلك اليوم " منهم : مَالِكٌ ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهم ، وأحمد ، وأبو ثَوْر ، وإسحاق ، وعامة أهل الفتوى من أهل الرأي ، والحديث . روي عَنْ إِبْرَاهِيم النخعي ، وعروة بْن الزبير ، وطاوس : أن الجنب فِي رمضان إذا علم بجنابته فلم يغتسل حتى يصبح ، فهو مفطر ، وإن لم يعلم حتى يصبح ، فهو صائم . وروي مثل ذلك عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ أيضا ، والمشهور عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ، أَنَّهُ قَالَ : " لا صوم لَهُ علم أو لم يعلم " ، إلا أَنَّهُ قد روينا عنه من طرق صحاح ، أَنَّهُ رجع عَنْ ذلك ، فالله أعلم . وروي عَنِ الحسن البصري ، وسالم بْن عَبْد اللَّه بْن عُمَر ، أنهما قَالا : " يتم صيام يومه ذلك ، ويقضيه إذا أصبح فيه جنبا " . وَقَالَ إِبْرَاهِيم النخعي فِي رواية غير الرواية الأولى عنه : إن ذلك يجزيه فِي التطوع ، ويقضي فِي الفرض ، وكان الحسن بْن حي يستحب إن أصبح جنبا فِي رمضان أن يقضي ذلك اليوم ، وكان يَقُولُ : يصوم الرجل تطوعا ، وإن أصبح جنبا ، ولا قضاء عَلَيْهِ ، وكان يرى عَلَى الحائض إذا أدركها الصبح ولم تغتسل ، أن تقضي ذلك اليوم . وذهب عَبْد الملك بْن عَبْد العزيز بْن الماجشون فِي الحائض نحو هذا المذهب ، وذلك أَنَّهُ قَالَ : إذا طهرت الحائض قبل الفجر ، فأخرت غسلها حتى طلع الفجر ، فيومها يوم فطر ؛ لأنها فِي بعضه غير طاهر ، وليست كالذي يصبح جنبا فيصوم ؛ لأن الاحتلام لا ينقض الصوم ، والحيض ينقضه . قَالَ أَبُو عُمَر : قد ثبت عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصائم يصبح جنبا ما فيه شفاء وغنى ، واكتفاء عَنْ قول كل قائل من حديث عائشة وغيرها ، ودل كتاب اللَّه عَزَّ وَجَلَّ عَلَى مثل ما ثبت عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي ذلك قَالَ اللَّه عَزَّ وَجَلَّ : فَالآنَ بَاشِرُوهُنَّ وَابْتَغُوا مَا كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ سورة البقرة آية 187 ، وإذا أبيح الجماع ، والأكل والشرب حتى يتبين الفجر ، فمعلوم أن الغسل لا يكون حينئذ إلا بعد الفجر ، وقد نزع بهذا جماعة من العلماء منهم : ربيعة ، والشافعي ، وغيرهما . ومن الحجة أيضا فيما ذهبت إليه الجماعة فِي هذا الباب إجماعهم عَلَى أن الاحتلام بالنهار لا يفسد الصيام ، فترك الاغتسال من جنابة تكون ليلا أحرى أن لا يفسد الصوم ، والله أعلم . وممن ذهب إلى ما قلنا من العلماء : عَلِيّ بْن أَبِي طالب ، وَعَبْد اللَّه بْن مَسْعُود ، وزيد بْن ثابت ، وأبو الدرداء ، وأبو ذر ، وَعَبْد اللَّه بْن عُمَر ، وَعَبْد اللَّه بْن عباس ، وعائشة ، وأم سلمة ، وبه قَالَ مالك فِي علماء المدينة ، والشافعي فِي سائر علماء المكيين ، والحجازيين ، والثوري ، وأبو حنيفة ، وابن علية فِي جماعة فقهاء العراقيين ، والأوزاعي ، والليث فِي فقهاء أهل الشام والمغرب ، وبه قَالَ أَحْمَد بْن حَنْبَل ، وإسحاق بْن راهويه ، وأبو ثَوْر ، وأبو عُبَيْد ، وداود بْن عَلِيّ ، والطبري ، وجماعة أهل الحديث ، وأما اختلاف الفقهاء فِي الحائض تطهر قبل الفجر ، فلا تغتسل حتى يطلع الفجر ، فإن مالكا ، والشافعي ، والثوري ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثَوْر يقولون : هي بمنزلة الجنب ، وتغتسل وتصوم ، ويجزيها صوم ذلك اليوم . وَقَالَ عُبَيْد اللَّه بْن الحسن العنبري ، والحسن بْن حي ، والأوزاعي : تصومه وتقضيه . وَقَالَ أَبُو حنيفة ، وأصحابه : إن كانت أيامها أقل من عشرة صامته وقضته ، وإن كانت أيامها عشرا ، فإنها تصوم ولا تقضي . قَالَ أَبُو عُمَر : قد اتفق هؤلاء كلهم عَلَى أنها تصومه ، واختلفوا فِي قضائه ، ولا حجة مع من أوجب القضاء فيه ، وإيجاب فرض ، والفرائض لا تثبت من جهة الرأي ، وإنما تثبت من جهة التوقيف بالأصول الصحاح ، ولا أدري إن كَانَ عَبْد الملك بْن الماجشون يرى صومه أم لا ؛ لأنه يَقُولُ : إن يومها ذلك يوم فطر ، فإن كَانَ لا يرى صومه فهو شاذ ، والشذوذ لا نعرج عَلَيْهِ ، ولا معنى لما اعتل به من أن الحيض ينقض الصوم والاحتلام لا ينقضه ؛ لأن من طهرت من حيضتها ليست بحائض ، والغسل بالماء عبادة ، ومعلوم أن الغسل معنى ، والطهر غيره فتدبر ، والصحيح فِي هذا الباب ما ذهب إليه مَالِكٌ ، والشافعي ، والثوري ، ومن تابعهم ، وبالله التوفيق .