حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ يَحْيَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ دَاوُدَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُحْنُونٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ وَهْبٍ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنِي هِشَامُ بْنُ سَعْدٍ ° ، عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ ° قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إِنَّ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ، قَالَ : يَا رَبِّ ، أَبُونَا آدَمُ أَخْرَجَنَا وَنَفْسَهُ مِنَ الْجَنَّةِ ، فَأَرَاهُ اللَّهُ آدَمَ ، فَقَالَ لَهُ : أَنْتَ آدَمُ ؟ قَالَ آدَمُ : نَعَمْ . قَالَ : أَنْتَ الَّذِي نَفَخَ اللَّهُ فِيكَ مِنْ رُوحِهِ ، وَعَلَّمَكَ الأَسْمَاءَ كُلَّهَا ، وَأَمَرَ مَلائِكَتَهُ فَسَجَدُوا لَكَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : فَمَا حَمَلَكَ عَلَى أَنْ أَخْرَجْتَنَا وَنَفْسَكَ مِنَ الْجَنَّةِ ؟ قَالَ لَهُ آدَمُ : وَمَنْ أَنْتَ ؟ قَالَ : أَنَا مُوسَى . قَالَ : أَنْتَ نَبِيُّ بَنِي إِسْرَائِيلَ الَّذِي كَلَّمَكَ اللَّهُ مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ ، لَمْ يَجْعَلْ بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ رَسُولا مِنْ خَلْقِهِ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَمَا وَجَدْتَ فِي كِتَابِ اللَّهِ الَّذِي أُنْزِلَ عَلَيْكَ ، أَنَّ ذَلِكَ كَانَ فِي كِتَابِ اللَّهِ قَبْلَ أَنْ أُخْلَقَ ؟ قَالَ : نَعَمْ . قَالَ : أَفَتَلُومُنِي فِي شَيْءٍ سَبَقَ مِنَ اللَّهِ فِيهِ الْقَضَاءُ قَبْل ؟ قَالَ عِنْدَ ذَلِكَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : فَحَجَّ آدَمُ مُوسَى "
في هَذَا الحديث من الفقه : إثبات الحجاج والمناظرة ، وإباحة ذَلِكَ إذا كَانَ طلبا للحق وظهوره ، وقد أفردنا لهذا المعنى بابا كاملا ، أوضحناه فِيهِ بالحجج والبرهان والبسط والبيان فِي كتابنا كتاب العلم ، فأغنى ذَلِكَ عَنْ إعادته هاهنا ، وفيه إباحة التقرير والتعريض فِي معنى التوبيخ فِي درج الحجاج حَتَّى تقر الحجة مقرها ، وفيه دليل على أن من علم وطالع العلوم ، فالحجة لَهُ ألزم ، وتوبيخه على الغفلة أعظم ، وفيه إباحة مناظرة الصغير للكبير والأصغر للأسن ، إذا كَانَ ذَلِكَ طلبا للازدياد من العلم ، وتقريرا للحق وابتغاء لَهُ ، وفيه الأصل الجسيم الَّذِي أجمع عَلَيْهِ أهل الحق ، وهو أن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ قد فرغ من أعمال العباد ، فكل يجري فيما قدر لَهُ ، وسبق فِي علم اللَّه تبارك اسمه ، وأما قوله : أفتلومني على أمر قد قدر علي ؟ فهذا عندي مخصوص بِهِ آدَم ، لأن ذَلِكَ إنما كَانَ مِنْهُ ، ومن مُوسَى عليهما السَّلام بعد أن تيب على آدَم ، وبعد أن تلقى من ربه كلمات تاب بها عَلَيْهِ ، فحسن مِنْهُ أن يَقُول ذَلِكَ لموسى ، لأنه قد كَانَ تيب عَلَيْهِ من ذَلِكَ الذنب ، وَهَذَا غير جائز أن يقوله اليوم أحد إذا أتى ما نهاه اللَّه عنه ، ويحتج بمثل هَذَا ، فيقول : أتلومني على أن قتلت ، أو زنيت ، أو سرقت ، وذلك قد سبق فِي علم اللَّه وقدره علي قبل أن أخلق ، هَذَا ما لا يسوغ لأحد أن يقوله ، وقد اجتمعت الأمة أن من أتى ما يستحق الذم عَلَيْهِ فلا بأس بذمه ، ولا حرج فِي لومه ، ومن أتى ما يحمد لَهُ فلا بأس بمدحه عَلَيْهِ وحمده ، وقد حكى مَالِك ، عَنْ يَحْيَى بْن سَعِيد ، معنى ما ذكرنا : أن ذَلِكَ إنما كَانَ من آدَم عَلَيْهِ السَّلامُ بعد أن تيب عَلَيْهِ ، ذكره ابْن وَهْب ، عَنْ مَالِك ، وَهَذَا صحيح ، لأن روحه لم يجتمع بروح مُوسَى ولم يلتقيا ، والله أعلم ، إلا بعد الوفاة ، وبعد رفع أرواحهما فِي عليين ، فكان التقاؤهما كنحو التقاء نبينا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بمن لقيه فِي المعراج من الأنبياء ، على ما جاء فِي الأثر الصحيح ، وإن كَانَ ذَلِكَ عندي لا يحتمل تكييفا ، وإنما فِيهِ التسليم ، لأنا لم نؤت من جنس هَذَا العلم إلا قليلا .