وَأَخْبَرَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مَرْوَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ يَحْيَى الْقَلْزُمِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَلِيِّ بْنِ الْجَارُودِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ هَاشِمٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى بْنُ سَعِيدٍ ° ، عَنْ شُعْبَةَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْحَسَنِ ° ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَانَ فِي سَفَرٍ ، فَرَأَى رَجُلا عَلَيْهِ زِحَامٌ وَقَدْ ظُلِّلَ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : مَا هَذَا ؟ قَالُوا : صَائِمٌ ، قَالَ : لَيْس مِنَ الْبِرِّ ، أَوْ لَيْسَ الْبِرُّ أَنْ تَصُومُوا فِي السَّفَرِ "
هكذا قَالَ محمد بن عمرو بن الحسن ، ويحتمل قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس البر الصيام في السفر " ، أي : ليس هو أبر البر ، لأنه قد يكون الإفطار أبر منه ، إذا كان في حج أو جهاد ليقوى عليه ، وقد يكون الفطر في السفر المباح برا لأن الله أباحه ، ونظير هذا من كلامه صلى الله عليه وسلم قوله : " ليس المسكين الطواف الذي ترده التمرة والتمرتان واللقمة واللقمتان . قيل : فمن المسكين ؟ قَالَ : الذي لا يسأل ولا يجد ما يغنيه ولا يفطن له فيتصدق عليه " . ومعلوم أن الطواف مسكين ، وأنه من أهل الصدقة إذا لم يكن له شيء غير تطوافه . وقد قَالَ صلى الله عليه وسلم : " ردوا المسكين ولو بكراع محرق ، وردوا السائل لو بظلف محرق " . وقَالَت عائشة : أن المسكين ليقف على بابي الحديث . وقَالَ عز وجل : إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ سورة التوبة آية 60 ، وأجمعوا أن الطواف منهم ، فعلم أن قوله صلى الله عليه وسلم : " ليس المسكين بالطواف عليكم " . معناه : ليس السائل بأشد الناس مسكنة ، لأن المتعفف الذي لا يسئل الناس ولا يفطن له أشد مسكنة منه ، فكذلك قوله : " ليس البر الصيام في السفر " . معناه : ليس البر كله في الصيام في السفر ، لأن الفطر في السفر بر أيضا لمن شاء أن يأخذ برخصة الله تعالى ذكره ، وأما قوله : " ليس من البر " . فهو كقوله : " ليس البر " . ومن قد تكون زائدة ، كقولهم : ما جاءني من أحد ، أي : ما جاءني أحد والله أعلم . فأما من احتج بقول الله عز وجل : فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضًا أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ سورة البقرة آية 184 ، وزعم أن ذلك عزمة ، فلا دليل معه على ذلك ، لأن ظاهر الكلام وسياقه إنما يدل على الرخصة والتخيير ، والدليل على ذلك قوله عز وجل : يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ سورة البقرة آية 185 ، ودليل آخر : وهو إجماعهم أن المريض إذا تحامل على نفسه فصام وأتم يومه إن ذلك مجزئ عنه ، فدل على أن ذلك رخصة له . والمسافر في التلاوة ، وفي المعنى مثله . والكلام في هذا أوضح من أن يحتاج فيه إلى إكثار والله المستعان .