حَدَّثَنَاهُ عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ زُهَيْرٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ زَيْدٍ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمُسَيِّبِ ° ، قَالَ : آمَتْ حَفْصَةُ ابْنَةُ عُمَرَ مِنْ زَوْجِهَا ، وَآمَ عُثْمَانُ مِنْ رُقَيَّةَ بِنْتِ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَمَرَّ عُمَرُ بِعُثْمَانَ ، فَقَالَ : هَلْ لَكَ فِي حَفْصَةَ فَلَمْ يُحِرْ إِلَيْهِ شَيَئًا ، فَأَتَى عُمَرُ ° النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : أَلَمْ تَرَ إِلَى عُثْمَانَ ، عَرَضْتُ عَلَيْهِ حَفْصَةَ فَأَعْرَضَ عَنِّي ، وَلَمْ يُحِرْ إِلَيَّ شَيْئًا ؟ فَقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم : " فَخَيْرٌ مِنْ ذَلِكَ أَتَزَوَّجُ أَنَا حَفْصَةَ ، وَأُزَوِّجُ عُثْمَانَ أُمَّ كُلْثُومٍ ، فَتَزَوَّجَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم حَفْصَةَ ، وَزَوَّجَ عُثْمَانَ أُمَّ كُلْثُومٍ " . أَلا تَرَى أَنَّ فِي هَذَا الْحَدِيثِ آمَتْ حَفْصَةُ وَآمَ عُثْمَانُ ، قَالُوا : فَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ مَنْ لا زَوْجَ لَهُ فَهُوَ أَيِّمٌ ، ثَيِّبًا كَانَ أَوْ بِكْرًا ، رَجُلا كَانَ أَوِ امْرَأَةً
قال أبو عمر : ذهب إلى هذا القول طائفة ممن قال : لا نكاح إلا بولي ، وكل من قال : النكاح جائز بغير ولي ، وسنبين اختلاف العلماء في النكاح بغير ولي بعد هذا إن شاء الله . ومعنى قوله صلى الله عليه وسلم : " الأيم أحق بنفسها من وليها " عند هذه الطائفة القائلة : لا نكاح إلا بولي أنه من عدا الأب من الأولياء ، وأن الأب لم يرد بذلك ، وممن قال بهذا : مالك وأصحابه ، وجماعة . قال إسماعيل بن إسحاق : إنكاح غير الأب لا يجوز إلا بأمر المرأة ، قَالَ : وأما الأب ، فيجوز إنكاح ابنته البكر بغير أمرها ، لأنه غير متهم في ولده ، كما لا يتهم في نفسه وماله ، لأن ولده هبة له كسائر ماله . قال الله عز وجل : هَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ ذُرِّيَّةً طَيِّبَةً سورة آل عمران آية 38 ، قَالَ : وَوَهَبْنَا لَهُ إِسْحَاقَ سورة الأنعام آية 84 ، وليس غير الأب من الأولياء كذلك ، فلا يجوز لغير الأب أن يزوج وليته إلا بأمرها ، قال صلى الله عليه وسلم : " الأيم أحق بنفسها من وليها " . قال إسماعيل : والأيم : التي لا زوج لها ، بالغا كانت أو غير بالغ ، بكرا كانت أو ثيبا ، قَالَ : ولم يدخل الأب في جملة الأولياء ، لأن أمره في ولده أجل من أن يدخل مع الأولياء الذين لا يشبهونه ، وليست لهم أحكامه ، ولو دخل في جملة الأولياء ، لما جاز له أن ينكح ابنته الصغيرة ، ثم لا يكون لها خيار عند بلوغ ولا غيره ، قَالَ : وقد توهم قوم أن الأيم في هذا الحديث : الثيب ، وهو غلط شديد ، وإنما توهموا ذلك حين خصت البكر بأن إذنها صماتها ، فظنوا أن الأيم هي الثيب ، ولو كان الأمر كما توهموا ، لكانت الثيب أحق بنفسها من وليها ، وكانت البكر ليست بأحق بنفسها ، وكان الاستئمار لها إنما هو على الترغيب في ذلك لا على الإيجاب ، إذا كانت ليست بأحق بنفسها من وليها ، وهذا الحديث إنما جاء في الأيامى جملة ، وكأنه ، والله أعلم ، إعلام للناس إذا أمروا بإنكاح الأيامى في القرآن مع ما أمروا به من إنكاح العبيد والإماء ، أنهن لسن بمنزلة العبيد والإماء ، وأنهن إنما ينكحهن الأولياء بأمرهن ، وأنهن أحق بأنفسهن ، ولولا ذلك ، لكان للأولياء أن ينكحوهن بغير أمرهن ، كما ينكح السيد أمته وعبده بغير أمرهما ، إذ كان ظاهر القرآن في اللفظ قد أجرين فيه مجرى واحدا ، قال الله تبارك وتعالى : وَأَنْكِحُوا الأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ سورة النور آية 32 ، فأمروا بإنكاح من لا زوج له وهن الأيامى ، ولم يؤمروا بإنكاح الثيب دون البكر . وذكر حديث سعيد بن المسيب ، قَالَ : آمت حفصة من زوجها ، وآم عثمان من رقية ، الحديث . وذكر حديث ابن أخي الزهري ، عن عمه ، عن سالم ، عن أبيه ، عن عمر ، قَالَ : آمت حفصة من خنيس بن حذافة السهمي ، الحديث ، ثم قال : حَدَّثَنَا الحوضي ، وسليمان بن حرب ، قالا : حَدَّثَنَا شعبة ، عن أبي إسحاق ، عن هانئ بن هانئ ، قَالَ : رأيت امرأة جاءت إلى علي رضوان الله عليه ، ذات شارة ، فقالت : هل لك في امرأة لا أيم ولا ذات بعل ، وذكر الحديث ، قَالَ : وإنما يقال : آمت منه زوجته ، أي صارت غير ذات زوج ، وليس أنها صارت ثيبا بموته أو بفراقه ، وإنما تصير أيما بموته أو بفراقه إذا صارت غير ذات زوج ، قَالَ : ويقال للرجل أيضا أيم إذا لم تكن له زوجة ، وأنشد قول الشاعر : فإن تنكحي أنكح وإن تتأيمي وإن كنت أفتى منكم أتأيم وأنشد أيضا بيتي الأسدي يوم القادسية ، وقد تقدم ذكرنا لهما ، ثم قال : ويقال في بعض الحديث ، وأحسبه مرفوعا ، أعوذ بالله من بوار الأيم ، قَالَ : وهذا في اللغة أشهر من أن يحتاج فيه إلى إكثار ، ثم قال : وإنما كان في الحديث معنيان ، أحدهما أن الأيامى كلهن أحق بأنفسهن من أوليائهن ، وهم من عدا الأب من الأولياء ، والمعنى الآخر : تعليم الناس كيف تستأذن البكر ، وأن إذنها صماتها ، لأنها تستحيي أن تجيب بلسانها ، قال إسماعيل : فهذا معنى الحديث عند مالك أن الأيم أحق بنفسها من وليها ، إنما هو لسائر الأولياء دون الأب ، وأن الأب أقوى أمرا من أن يدخل في هذه الجملة ، ولو كان داخلا فيها ، لما جاز له أن يزوج ابنته الصغيرة ، لأنها داخلة في جملة الأيامى ، ولو كانت أحق بنفسها ، لم يجز له أن يزوجها حتى تبلغ وتستأمر ، إذا كان التزويج أمرًا يلزمها في نفسها لا حيلة لها فيه ، كما أن غير الأب من الأولياء لا يجوز له أن يزوج صغيرة ، والأب له أن يزوج الصغيرة بإجماع من المسلمين ثم يلزمها ذلك ، ولا يكون لها في نفسها خيار ، إذا بلغت ، هذا كله كلام إسماعيل بن إسحاق . قال أبو عمر : فحصل أن الولي المذكور في هذا الحديث ، هو الأب عند الشافعي ، وعند مالك في غير الأب من سائر الأولياء ، وهو عند الكوفيين : الأب وغير الأب من سائر الأولياء كلهم في النكاح ، وسيأتي مذهبهم في ذلك ملخصا في هذا الباب بعد ، إن شاء الله . قال أبو عمر : في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : " الأيم أحق بنفسها من وليها ، دليل على أن للولي حقا في إنكاح وليته " على ما مضى في هذا الباب من القول على الفرق بين الثيب والبكر ، وعلى الجمع بينهما في المعنى المراد بالولي المذكور في الحديث على حسبما وصفنا ، وقد اختلف العلماء في هذا المعنى ، فقال منهم قائلون : لا نكاح إلا بولي ، ولا يجوز للمرأة أن تباشر عقد نكاحها بنفسها دون وليها ، ولا أن تعقد نكاح غيرها ، وممن قال هذا : مالك ، والشافعي ، وسفيان ، والثوري ، وابن أبي ليلى ، وابن شبرمة ، وابن المبارك ، وعبيد الله بن الحسن ، وأحمد ، وإسحاق ، وأبو ثور ، وأبو عبيد ، والطبري . وروي ذلك عن عمر ، وعلي ، وابن مسعود ، وابن عباس ، وأبي هريرة ، وهو قول سعيد بن المسيب ، والحسن ، وعمر بن عبد العزيز ، وجابر بن زيد أبي الشعثاء ، وخالف هؤلاء أهل الرأي من الكوفيين ، وطائفة من التابعين ، وسنذكر قولهم هاهنا ، إن شاء الله ، بعونه وفضله ، وكلهم يقول : لا ينبغي أن ينعقد نكاح بغير ولي . قال أبو عمر : حجة من قال : لا نكاح إلا بولي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ثبت عنه أنه قال : " لا نكاح إلا بولي " وقال الله عز وجل : وَإِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ فَبَلَغْنَ أَجَلَهُنَّ فَلا تَعْضُلُوهُنَّ أَنْ يَنْكِحْنَ أَزْوَاجَهُنَّ سورة البقرة آية 232 ، وهذه الآية نزلت في معقل بن يسار إذ عضل أخته عن مراجعة زوجها ، ولولا أن له حقا في الإنكاح ما نهي عن العضل . وأما افتتاح هذه الآية بذكر الأزواج ثم الميل إلى الأولياء ، فذلك معروف في لسان العرب ، كما قال : واستشهدوا شهيدين من رجالكم ، فخاطب المتبايعين ، ثم قال : ممن ترضون من الشهداء ، فخاطب الحكام وهذا كثير ، والرواية الثابتة في معقل بن يسار تبين ما قلنا ، وسنذكرها ، إن شاء الله . وروينا عن أبي هريرة ، أنه قال : البغايا اللائي ينكحن أنفسهن بغير ولي ، وعن عائشة ، أنها كانت إذا أنكحت رجلا من قرابتها امرأة منهم ولم يبق إلا العقد ، قالت : اعقدوا ، فإن النساء لا يعقدن وأمرت رجلا فأنكح .