وَحَدَّثَنَاهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يَحْيَى بْنِ عُمَرَ بْنِ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَلِيُّ بْنُ حَرْبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيَانُ بْنُ عُيَيْنَةَ ° ، عَنْ حُمَيْدٍ الأَعْرَجِ ° ، عَنْ سُلَيْمَانَ بْنِ عَتِيقٍ ° ، عَنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ ° ، " أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَهَى عَنْ بَيْعِ السِّنِينَ وَأَمَرَ بِوَضْعِ الْجَوَائِحِ "
وممن قَالَ بوضع الجوائح هكذا مجملا أكثر أهل المدينة ، منهم : يحيى بن سعيد الأنصاري ، ومالك بن أنس وأصحابه ، وهو قول عمر بن عبد العزيز ، وبوضع الجوائح كان يقضي رضى الله عنه ، وبه قَالَ أحمد بن حنبل ، وسائر أصحاب الحديث وأهل الظاهر . إلا أن مالكا وأصحابه ، وجمهور أهل المدينة يراعون الجائحة ، ويعتبرون فيها أن تبلغ ثلث الثمرة فصاعدا ، فإن بلغت الثلث فصاعدا حكموا بها على البائع وجعلوا المصيبة منه ، وما كان دون الثلث ألغوه وكانت المصيبة عندهم فيه من المبتاع ، وجعلوا ما دون الثلث تبعا لا يلتفت إليه ، وهو عندهم في حكم التافه اليسير ، إذ لا تخلو ثمرة من أن يتعذر القليل من طيبها ، وأن يلحقها في اليسير منها فساد . فلما لم يراع الجميع ذلك التافه الحقير كان ما دون الثلث عندهم كذلك ، وذكر عبد الرزاق ، عن معمر ، قَالَ : كاد أهل المدينة أن لا يستقيموا في الجائحة ، يقولون : ما كان دون الثلث فهو على المشتري إلى الثلث ، فإذا كان فوق ذلك فهي جائحة ، قَالَ : وما رأيتهم يجعلون الجائحة إلا في الثمار ، وقَالَ : وذلك إني ذكرت لهم البز يحترق والرقيق يموتون . قَالَ معمر : وأخبرني من سمع الزهري ، قَالَ : قلت له : ما الجائحة ؟ قَالَ : النصف . وروى حسين بن عبد الله بن ضميرة ، عن أبيه ، عن جده ، عن علي ، قَالَ : والجائحة : الريح ، والمطر ، والجراد ، والحريق . والمراعاة عند مالك وأصحابه ثلث الثمرة لا ثلث الثمن ، ولو كان ما بقي من الثمرة وفاء لرأس ماله وأضعاف ذلك ، وإذا كانت الجائحة أقل من ثلث الثمرة فمصيبتها عندهم من المشتري ، ولو لم يكن في ثمن ما بقي إلا درهم واحد ، وأما أحمد بن حنبل وسائر من قَالَ بوضع الجوائح من العلماء ، فإنهم وضعوها عن المبتاع في القليل والكثير ، وقَالَوا : المصيبة في كل ما أصابت الجائحة من الثمار على البائع ، قليلا كان ذلك أو كثيرا ، ولا معنى عندهم لتحديد الثلث ، لأن الخبر الوارد بذلك ليس فيه ما يدل على خصوص شيء دون شيء ، وهو حديث جابر ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، من رواية أبي الزبير ، ورواية سليمان بن عتيق ، وقد ذكرناهما . قَالَ أبو عمر : كان بعض من لم ير وضع الجوائح يتأول حديث سليمان بن عتيق ، عن جابر ، أنه على الندب ، ويقول : هو كحديث عمرة في الذي تبين له النقصان فيما ابتاعه من ثمر الحائط حين قَالَ رسول الله صلى الله عليه وسلم : " تالي إلا يفعل خيرا " . يعني رب الحائط ، وكان يتأول في حديث أبي الزبير ، عن جابر ، أنه محمول على بيع ما لم يقبض ، وما لم يقبض فمصيبته عندهم من بائعه ، وكان بعضهم يتأول ذلك في وضع الخراج ، خراج الأرض يريد كراءها عمن أصاب ثمره أو زرعه آفة ، وقَالَ بعضهم : معناه معنى حديث أنس سواء . إلا أن أنسا ساقه على وجهه وفهمه بتمامه ، وهذه التأويلات كلها خلاف الظاهر ، والظاهر يوجب وضع الجوائح إن ثبت حديث سليمان بن عتيق ، وأما الأصول فتشهد لتأويل الشافعي وبالله التوفيق . وأما جملة قول مالك وأصحابه في الحوائج ، فذكر ابن القاسم وغيره ، عن مالك فيمن ابتاع ثمرة فأصابتها جائحة أنها من ضمان البائع إذا كانت الثلث فصاعدا ، وإذا كانت أقل من الثلث لم توضع عن المشتري ، وكانت المصيبة منه في النخل والعنب ونحوهما ، قَالَ : وأما الورد ، والياسمين ، والرمان ، والتفاح ، والخوخ ، والأترج ، والموز ، وكل ما يجنى بطنا بعد بطن من المقاثي وما أشبهها ، إذا أصابت شيئا من ذلك الجائحة فإنه ينظر إلى المقثاة كم نباتها من أول ما يشترى إلى آخر ما ينقطع ثمرتها في المتعارف ، وينظر إلى قيمتها في كل زمان على قدر نفاقه في الأسواق ، ثم يمتثل فيه أن يقسم الثمن على ذلك واختلف أصحاب مالك في الحائط ، يكون فيه أنواع من الثمار فيجاح منها نوع واحد ، فكان أشهب وأصبغ ، يقولان : لا ينظر فيه إلى الثمرة ولكن إلى القيمة ، فإن كانت القيمة الثلث فصاعدا وضع عنه ، قَالَ ابن القاسم : بل ينظر إلى الثمرة على ما قدمنا عنهم . وكان ابن القاسم أيضا يرى السرق جائحة ، وخالفه أصحابه والناس ، وقَالَ ابن عبد الحكم ، عن مالك من اشترى حوائط في صفقات مختلفة فأصيب منها ثلث حائط فإنها توضع عنه ، ولو اشتراها في صفقة واحدة فلا وضعية له ، إلا أن يكون ما أصابت الجائحة ثلث ثمر جميع الحوائط ، وقَالَ مالك : في البقول كلها ، والبصل والجرز والكراث والفجل ، وما أشبه ذلك ، إذا اشتراه رجل فأصابته جائحة ، فإنه يوضع عن المشتري كل شيء أصابته به الجائحة قل أو كثر ، قَالَ : وكل ما يبس فصار تمرا ، أو زبيبا ، وأمكن قطافه فلا جائحة فيه ، قَالَ : والجراد ، والنار ، والبرد ، والمطر ، والطير الغالب ، والعفن ، وماء السماء المترادف المفسد ، والسموم ، وانقطاع ماء العيون كلها من الجوائح إلا الماء فيما يسقى فإنه يوضع قليل ذلك وكثيره ، لأن الماء من سبب ما يباع . ولا جائحة في الثمر إذا يبس . قَالَ ابن عبد الحكم ، عن مالك لا جائحة في ثمر عند جذاذه ولا في زرع عند حصاده ، قَالَ : ومن اشترى زرعا قد استحصد فتلف ، فالمصيبة من المشتري وإن كان لم يحصده . حدثني أحمد بن سعيد بن بشر ، قَالَ : حدثنا محمد بن عبد الله بن أبي دليم ، قَالَ : حدثنا ابن وضاح ، قَالَ : سمعت سحنونا ، قَالَ في الذي يشتري الكرم وقد طاب فيؤخر قطافه إلى آخر السنة ليكون أكثر لثمنه فتصيبه جائحة أنه لا جائحة فيه ولا يوضع عن المشتري فيه شيء ، قَالَ : وكذلك الثمر إذا طاب كله وتركه للغلاء في ثمنه . قَالَ : وليس التين ، كذلك لأنه يطيب شيئا ، بعد شيء وما طاب شيئا بعد شيء وضع عنه قَالَ أبو عمر : أجاز مالك رحمه الله وأصحابه بيع المقاثي إذا بدا صلاح أولها وبيع الباذنجان والياسمين والموز ، وما أشبه ذلك ، استدلالا بإجازة رسول الله صلى الله عليه وسلم بيع الثمار حين يبدو صلاحها . ومعناه عند الجميع أن يطيب أولها أو يبدو صلاح بعضها وإذا جاز ذلك عند الجميع في الثمار كانت المقاثي وما أشبهها مما يخلق شيئا بعد شيء ، ويخرج بطنا بعد بطن كذلك قياسا ونظرا ، لأنه لما كان ما لم يبد صلاحه من الحائط ومن ثمر الشجر تبعا لما بدا صلاحه في البيع من ذلك ، كان كذلك بيع ما لم يخلق من المقاثي ، وما أشبهها تبعا لما خلق ، وطاب وقياسا أيضا على بيع منافع الدار وهي مخلوقة . ولأن الضرورة تؤدى إلى إجازته وقول المزني في ذلك كقول مالك وأصحابه سواء . وأما العراقيون والشافعي وأصحابه ، وأحمد بن حنبل ، وداود بن علي ، فإنهم لا يجيزون بيع المقاثي ، ولا بيع شيء مما يخرج بطنا بعد بطن بوجه من الوجوه ، والبيع عند جميعهم في ذلك مفسوخ إلا أن يقع البيع فيما ظهر ، وأحاط المبتاع برؤيته وطاب بعضه ، وحجتهم في ذلك : نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن بيع ما لم يخلق ونهيه عن بيع ما ليس عندك ولأنها أعيان مقصودة بالشراء ليست مرئية ولا مستقرة في ذمة ، فأشبهت بيع السنين المنهي عنه . وبالله التوفيق .