أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَسَدٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ عُثْمَانَ بْنِ السَّكَنِ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا الْبُخَارِيُّ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عَبْدَانُ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الْمُبَارَكِ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا عَوْفٌ ° ، عَنْ أَبِي رَجَاءٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا عِمْرَانُ بْنُ حُصَيْنٍ الْخُزَاعِيُّ ° ، أَنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رَأَى رَجُلا مُعْتَزِلا لَمْ يُصَلِّ فِي الْقَوْمِ ، فَقَالَ : يَا فُلانُ : مَا مَنَعَكَ أَنْ تُصَلِّيَ مَعَ الْقَوْمِ ، فَقَالَ : " يَا رَسُولَ اللَّهِ أَصَابَتْنِي جَنَابَةٌ وَلا مَاءَ ، فَقَالَ : عَلَيْكَ بِالصَّعِيدِ ، فَإِنَّهُ يَكْفِيكَ "
قال أبو عمر : فلما بين رسول الله صلى الله عليه وسلم مراد ربه من معنى آية الوضوء بأن الجنب داخل فيمن قصد بالتيمم عند عدم الماء بقوله : فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا سورة النساء آية 43 ، تعلق العلماء بهذا المعنى ، ولم يعرجوا على قول عمر ، وابن مسعود ، وليس أحد من خلق الله ، إلا يؤخذ من قوله ، ويترك إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيما يصح عنه . رَوَى أَبُو مُعَاوِيَةَ وَغَيْرُهُ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ أَبِي وَائِلٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ ، قَالَ " لا يَتَيَمَّمُ الْجُنُبُ وَإِنْ لَمْ يَجِدِ الْمَاءَ شَهْرًا " . وَرَوَى أَيُّوبُ ، عَنْ أَبِي قِلابَةَ ، عَنْ رَجُلٍ مِنْ بَنِي عَامِرٍ ، سَمِعَ أَبَا ذَرٍّ ، قَالَ : كُنْتُ أَعْزُبُ عَنِ الْمَاءِ ، وَمَعِي أَهْلِي ، فَتُصِيبُنِي الْجَنَابَةُ ، فَسَأَلْتُ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فَقَالَ : " إِنَّ الصَّعِيدَ الطَّيِّبَ طَهُورٌ ، وَإِنْ لَمْ تَجِدِ الْمَاءَ عَشْرَ سِنِينَ ، فَإِذَا وَجَدْتَ الْمَاءَ فَأَمِسَّهُ جِلْدَكَ أَوْ بَشْرَتَكَ " . هكذا رواه حماد بن زيد ، وعبد الوارث ، عن أيوب ، عن أبي قلابة ، عن رجل من بني عامر ، عن أبي ذر ، ورواه خالد الحذاء ، عن أبي قلابة ، عن عمر بن بحران ، عن أبي ذر بمعنى واحد ، واختلف الفقهاء في الذي يدخل عليه وقت الصلاة ويخشى خروجه ، وهو لا يجد الماء ، ولا يستطيع الوصول إليه ، ولا إلى صعيد يتيمم به ، فقال ابن القاسم في المحبوس : إذا لم يجد ماء ، ولم يقدر على الصعيد ، صلى كما هو ، وأعاد إذا قدر على الماء أو على الصعيد ، وقال أشهب في المنهدم عليهم والمحبوسين ، والمربوط ومن صلب في خشبة ، ولم يمت لا صلاة عليهم حتى يقدروا على الماء ، أو على الصعيد ، وإذا قدروا صلوا ، وقال ابن خواز بنداد : الصحيح من مذهب مالك ، إن كل من لم يقدر على الماء ولا على الصعيد ، حتى خرج الوقت ، أنه لا يصلي ولا عليه شيء ، قَالَ : رواه المدنيون ، عن مالك ، قَالَ : وهو الصحيح من المذهب . قال أبو عمر : ما أعرف كيف أقدم على أن جعل هذا هو الصحيح من المذهب مع خلافه جمهور السلف ، وعامة الفقهاء ، وجماعة المالكيين ، وأظنه ذهب إلى ظاهر حديث مالك هذا في قوله : وليسوا على ماء ، فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح وهم على غير ماء ، فأنزل الله آية التيمم ، ولم يذكر أنهم صلوا وهذا لا حجة فيه ، لأنه لم يذكر أنهم لم يصلوا ، وقد ذكر هشام بن عروة ، عن أبيه ، عن عائشة في هذا الحديث أنهم صلوا بغير وضوء ولم يذكر إعادة ، وقد ذهب إلى هذا طائفة من الفقهاء ، قال أبو ثور : وهو القياس ، وقال ابن القاسم : يصلون إن قدروا ، وكان عقلهم معهم ثم يعيدون إذا قدروا على الطهارة بالماء أو بالتيمم . وقد روى ابن دينار ، عن معن بن مالك ، فيمن كتفه الوالي وحبسه فمنعه من الصلاة حتى خرج وقتها ، أنه لا إعادة عليه ، وإلى هذه الرواية ، والله أعلم ، ذهب ابن خواز بنداد وكأنه قاسه على المغمى عليه وليس هذا وجه القياس ، لأن المغمى عليه مغلوب على عقله ، وهذا معه عقله ، وقال ابن القاسم ، وسائر العلماء : الصلاة عليه واجبة إذا كان عقله معه ، فإن زال المانع له توضأ ، أو تيمم وصلى . وذكر عبد الملك بن حبيب ، قَالَ : سألت مطرفا ، وابن الماجشون ، وأصبغ ابن الفرج ، عن الخائف تحضره الصلاة ، وهو على دابته في غير وضوء ، ولا يجد إلى النزول للوضوء والتيمم سبيلا ، فقال بعضهم : يصلي كما هو على دابته ، إيماء فإذا أمن توضأ ، إن وجد الماء أو تيمم ، إن لم يجد الماء ، وأعاد الصلاة في الوقت ، وغير الوقت ، وقال لي أصبغ بن الفرج : لا يصلي وإن خرج الوقت حتى يجد السبيل إلى الطهور بالوضوء ، أو التيمم ، قَالَ : ولا يجوز لأحد الصلاة بغير طهر ، قال عبد الملك بن حبيب : وهذا أحب إلي قال ، وكذلك الأسير المغلول لا يجد السبيل إلى الوضوء بالماء ، ولا التيمم والمريض المثبت الذي لا يجد من يناوله الماء ، ولا يستطيع التيمم هما مثل الذي وصفنا من الخائف . وكذلك قال أصبغ بن الفرج في هؤلاء الثلاثة ، قَالَ : وهو أحسن ذلك عندي وأقواه ، وعن الشافعي روايتان : إحداهما لا يصلي حتى يجد طهارة ، والأخرى يصلي كما هو ، ويعيد وهو المشهور عنه قال المزني : إذا كان محبوسا لا يقدر على تراب نظيف ، صلى وأعاد إذا قدر ، وقال أبو حنيفة في المحبوس في المصر : إذا لم يجد ماء ولا ترابا نظيفا ، لم يصل وإذا وجد ذلك صلى ، وقال : أبو يوسف ، ومحمد ، والثوري ، والشافعي ، والطبري : يصلي ويعيد ، وقال أبو حنيفة ، وأبو يوسف ، ومحمد ، والشافعي : إن وجد المحبوس في المصر ترابا نظيفا ، صلى في قولهم وأعاد ، وقال زفر : لا يتيمم ولا يصلي ، وإن وجد ترابا نظيفا على أصله في أنه لا يتيمم في الحضر ، وقال ابن القاسم : لو تيمم على التراب النظيف ، أو على وجه الأرض ، لم تكن عليه إعادة إذا وجد الماء . قال أبو عمر : هاهنا مسألة أخرى في تيمم الذي يخشى فوت الوقت ، وهو في الحضر ولا يقدر على الماء ، وهو قادر على الصعيد سنذكرها ، ونذكر اختلاف العلماء فيما بعد هذا إن شاء الله ، وقد ذكر أبو ثور أن من أهل العلم من قال : أنه يصلي كما هو ، ولا يعيد ، ومذهب أبي ثور في ذلك كمذهب الشافعي ومن تابعه ، وزعم أبو ثور أن القياس أن لا إعادة عليه لأنه كمن لم يجد ثوبا صلى عريانا ، ولا إعادة عليه ، قَالَ : وإنما الطهارة بالماء أو بالصعيد . كالثوب فمن لم يقدر عليها سقطت عنه ، والصلاة له لازمة على حسب قدرته ، وقد أداها في وقتها على قدر طاقته . وقد اختلفوا في وجوب إعادتها ، ولا حجة لمن أوجب الإعادة عليه ، وأما الذين قالوا : من لم يقدر على الماء ، ولا على الصعيد صلى كما هو ، وأعاد إذا قدر ، على الطهارة ، فإنهم احتاطوا للصلاة ، فذهبوا إلى حديث عائشة المذكور في هذا الباب من رواية هشام بن عروة ، وفيه أن أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم الذين بعثهم في طلب القلادة ، حضرتهم الصلاة ، فصلوا بغير وضوء إذ لم يجدوا الماء ، فلم يعنفهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا نهاهم ، وكانت طهارتهم الماء ، فلما عدموه صلوا كما كانوا في الوقت ، ثم نزلت آية التيمم ، فكذلك إذا لم يقدر عَنْ على الماء ، ولا على التيمم عند عدم الماء صلى في الوقت كما هو ، فإذا وجد الماء أو قدر على التيمم عند عدم الماء ، أعاد تلك الصلاة احتياطا ، لأنها صلاة بغير طهور ، وقالوا : لا يقبل الله صلاة بغير طهور لمن قدر على الطهور ، فأما من لم يقدر على الطهور ، فليس كذلك ، لأن الوقت فرض وهو قادر عليه ، فيصلي كما قدر في الوقت ، ثم يعيد فيكون قد أخذ بالاحتياط في الوقت والطهارة جميعا ، وذهب الذين قالوا : إنه لا يصلي حتى يجد الماء أو التيمم إلى ظاهر قول النبي صلى الله عليه وسلم : " لا يقبل الله صلاة بغير طهور " قالوا : ولما أوجبوا عليه الإعادة ، إذا قدر على الماء أو التيمم ، لم يكن لأمرهم إياه بالصلاة معنى . وفي حديث مالك هذا ، عن عبد الرحمن بن القاسم ، عن أبيه ، عن عائشة ، قولها فيه : " فنام رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أصبح على غير ماء دليل على أن من عدم الطهارة ، لم يصل حتى تمكنه وبالله التوفيق .