قَرَأْتُ علي خَلَفِ بْنِ الْقَاسِمِ ° ، أَنَّ الْحُسَيْنَ بْنَ إِبْرَاهِيمَ الْحَدَّادَ ° ، حَدَّثَهُمْ ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ ° ، حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ التَّرْجُمَانِيُّ ° ، حدثنا عَبْدُ الْعَزِيزِ الدَّرَاوَرْدِيُّ ° ، عَنْ قُدَامَةَ بْنِ مُوسَى ° ، عَنْ مُحَمَّدِ بْنِ الْحُصَيْنِ ° ، عَنْ أَبِي عَلْقَمَةَ ° مَوْلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنْ سَيَّارٍ ° مَوْلَى ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : رَآنِي ابْنُ عُمَرَ ° أُصَلِّي بَعْدَ الْفَجْرِ فَحَصَبَنِي ، وَقَالَ : يَا سَيَّارُ كَمْ صَلَّيْتَ ؟ قُلْتُ : لا أَدْرِي ، قَالَ : لَا دَرَيْتَ إِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم خَرَجَ عَلَيْنَا وَنَحْنُ نُصَلِّي هَذِهِ الصَّلَاةَ فَتَغَيَّظَ عَلَيْنَا تَغَيُّظًا شَدِيدًا ، ثُمَّ قَالَ : " لِيُبَلِّغْ شَاهِدُكُمْ غَائِبَكُمْ أَنَّ لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ " . قال أبو عمر : في هذا الإسناد مجهولون لا تقوم بهم حجة
وَقَدْ ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنْ أَبِي بَكْرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ مُوسَى بْنِ عُقْبَةَ ، عَنْ نَافِعٍ ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم : " لَا صَلَاةَ بَعْدَ طُلُوعِ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ " وأظن أبا بكر هذا هو ابن أبي سبرة ، وهو أيضًا ضعيف لا يحتج به ، ولو صح هذا الخبر ، احتمل أن يكون لا صلاة نافلة بعد الفجر يفعلها المرء تطوعا ليس مما ندب رسول الله صلى الله عليه وسلم إليه وعينه ، لأنه صلى الله عليه وسلم قد أمر من دخل المسجد أن يركع ركعتين ، كما أمر بركعتي الفجر ولكن سنته بعضها أوكد من بعض ، على قدر مواظبته عليها أو ندبه إليها ، وتلقي أصحابه لها بما فهموه عنه فيها ، وغير نكير أن يكون تقدير قوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر ، إلا أن يدخل أحدكم المسجد فيركع ركعتين . وإذا كان هذا جائزا لو جاء في حديث واحد ، فكذلك هو وإن جاء في حديثين من جهة النظر في استعمال السنن ، وترتيب بعضها على بعض ، على أن قوله صلى الله عليه وسلم : إذا دخل أحدكم المسجد فليركع ركعتين أثبت من جهة الإسناد ، ووجه آخر من جهة النظر أن تحية المسجد بركعتين فعل خير ، فلا يجب أن يمتنع منه ، إلا أن يصح أن السنة نهت عنه من وجه لا معارض له ، وقد عارض بعض أهل الظاهر حديث : لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر بقوله صلى الله عليه وسلم : لا صلاة بعد العصر حتى تغرب الشمس ، ولا بعد الصبح حتى تطلع الشمس . قال : فدخل ما عدا هذين الوقتين من سائر أوقات النهار في الإباحة لمن شاء أن يصلي ، فصار هذا الحديث مع تواتر مجيئه معارضا لقوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر " . فإذا تعارض الخبران سقطا ، ووجب الرجوع إلى أصول الباب ، ووجدنا الصلاة من أرفع أفعال الخير ، فوجب أن لا يمتنع من فعلها إلا بدليل لا معارض له بظاهر قول الله عز وجل : وَافْعَلُوا الْخَيْرَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ سورة الحج آية 77 ، وقد اختلف العلماء في صلاة التطوع بعد الفجر ، فقال مالك : من غلبته عينه ففاته بعض حزبه أو ركوع كان يركعه بالليل ، فأرجو أن يكون خفيفا أن يصليه بعد طلوع الفجر ، وأما غير ذلك ، فلا يعجبني أن يصلي بعد أنفجار الصبح إلا ركعتين . وقال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري : لا يصلي أحد تطوعا بعد الفجر إلا ركعتي الفجر . قَالَ أَبُو عُمَرَ : حُجَّةُ هَؤُلَاءِ مَا رُوِيَ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ : " لَا صَلَاةَ بَعْدَ الْفَجْرِ إِلَّا رَكْعَتَيِ الْفَجْرِ " . وَحُجَّةُ مَالِكٍ مَا رُوِيَ عَنْ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ ، أَنَّهُ ، قَالَ : مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ ، فَلَا بَأْسَ أَنْ يَقْرَأَهُ بَعْدَ الْفَجْرِ قَبْلَ صَلَاةِ الصُّبْحِ . وهذا حديث لا تقوم به حجة ، لأنه مختلف فيه عن عمر ، أكثر رواته يقولون فيه عنه : من فاته ورده أو حزبه من الليل فقرأه ما بين صلاة الصبح وصلاة الظهر ، فكأنه لم يفته أو قد قرأه من الليل . كَذَلِكَ رَوَاهُ ابْنُ شِهَابٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ ، وَالسَّائِبُ بْنُ يَزِيدَ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِي ، عَنْ عُمَرَ ، وَمِنَ الرُّوَاةِ من يرفعه . ورواه مالك ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنِ الْأَعْرَجِ ، عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ عَبْدِ الْقَارِي ، عَنْ عُمَرَ ، مَوْقُوفًا : " مَنْ فَاتَهُ حِزْبُهُ مِنَ اللَّيْلِ فَقَرَأَهُ حِينَ تَزُولُ الشَّمْسُ إِلَى صَلَاةِ الظُّهْرِ ، فَكَأَنَّهُ أَدْرَكَهُ أَوْ لَمْ يَفُتْهُ " . وقد رخص قوم من أهل العلم في الصلاة جملة بعد الفجر ، تطوعا منهم : طاوس ، وغيره ، ولكن قوله صلى الله عليه وسلم : " لا صلاة بعد الفجر إلا ركعتي الفجر " . أولى أن يصار إليه ، لأنه ليس في هذا الباب ، عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء يعارضه ، وأمره عليه السلام الداخل في المسجد أن يركع ركعتين ليس بمعارض له ، ولكنه استثناء وتخصيص ، فتدبر . ذكر عبد الرزاق ، عن ابن عيينة ، عن ابن أبي نجيح ، عن طاوس ، قال : إذا طلع الفجر فصل ما شئت قال : وأخبرنا محمد بن راشد ، قال : أخبرني عبد الكريم أبو أمية ، قال : رأيت عطاء وطاوسا يصليان بعد الفجر ثمان ركعات فسألتهما فقالا : صلاة من الليل نمنا عنها . قال وأخبرنا ابن التيمي ، عن أبيه ، عن الحسن ، قال : صل بعد طلوع الفجر ما شئت ، قال : وأخبرنا ابن جريج ، قال : سألت عطاء أتكره الصلاة إذا انتشر الفجر على رؤوس الجبال إلا ركعتي الفجر . قال : نعم . قال : وأخبرني الثوري ، عن أبي رياح ، عن ابن المسيب أنه رأى رجلا يكثر الركوع والسجود بعد طلوع الفجر ، فنهاه ، فقال : يا أبا محمد أيعذبني الله على الصلاة ، قال : لا ، ولكن يعذبك على خلاف السنة . قال أبو عمر : هذا كله في التطوع في ذلك الوقت ، وأما من دخل المسجد فركع ركعتين ، فليس مخالفا للسنة ، بل هو مستعمل للسنة ، ومن ترك الركوع فغير حرج ، لأنه لم يترك واجبا ، ومن تحرج عن الركوع متأولا لما ذكرنا ، فغير معنت إن شاء الله ، وبه التوفيق . حدثنا محمد بن عبد الملك ، قال : حدثنا أحمد بن محمد بن زياد الأعرابي ، قال : حدثنا سعدان بن نصر ، قال : حدثنا سفيان بن عيينة ، عن سالم أبي النضر ، عن أبي سلمة ، أنه قال : " ما يمنع مولاك إذا دخل المسجد أن يركع ركعتين ، فإنهما من السنة " . وروى مالك ، عن أبي النضر مولى عمر بن عبيد الله ، عن أبي سلمة بن عبد الرحمن ، أنه قال له : ألم أر صاحبك إذا دخل المسجد يجلس قبل أن يركع ؟ قال أبو النضر : يعني بذلك عمر بن عبيد الله ويعيب ذلك عليه ، قال مالك : وذلك حسن وليس بواجب . قال أبو عمر : هو حسن مستحب عند الجميع وليس بواجب ، وإن كان لفظه الأمر ، والدليل على أن ذلك عند العلماء ليس بواجب ، كما قال . مالك : ما رواه أبو المصعب الزهري ، عن المغيرة بن عبد الرحمن ، عن عبد الله بن عمر ، عن أخيه عبيد الله بن عمر ، قال : رأيت القاسم بن محمد يدخل المسجد فيجلس فيه ولا يصلي . وروى عفان ، عن وهيب ، عن عبيد الله بن عمر ، قال : رأيت سالم بن عبد الله يمر في المسجد مقبلا ومدبرا لا يصلي فيه . وذكر ابن أبي شيبة ، عن الدراوردي ، عن زيد بن أسلم ، قال : " كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلون المسجد ثم يخرجون ولا يصلون " . قال زيد : ورأيت ابن عمر يفعله . وروى حماد بن زيد ، عن الجريري ، عن جابر بن زيد ، قال : إذا دخلت مسجدا فصل فيه ، فإن لم تصل فيه ، فاذكر الله فكأنك صليت فيه . قال أبو عمر : وسمعت غير واحد من شيوخي يذكر أن الغازي بن قيس لما رحل إلى المدينة ، سمع من مالك وقرأ على نافع القاري فبينما هو في أول دخوله المدينة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ دخل ابن أبي ذئب فجلس ولم يركع ، فقال له الغازي : قم يا هذا فاركع ركعتين ، فإن جلوسك دون أن تحيي المسجد بركعتين جهل ، أو نحو هذا من جفاء القول ، فقام ابن أبي ذئب فركع ركعتين ، وجلس فلما انقضت الصلاة ، أسند ظهره وتحلق الناس إليه ، فلما رأى ذلك الغازي بن قيس ، خجل واستحيا وندم ، وسأل عنه ، فقيل له : هذا ابن أبي ذئب أحد فقهاء المدينة وأشرافهم . فقام يعتذر إليه ، فقال له ابن أبي ذئب : يا أخي لا عليك ، أمرتنا بخير فأطعناك وبالله التوفيق .