حَدَّثَنَا عَبْدُ الْوَارِثِ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا قَاسِمُ بْنُ أَصْبَغَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا بَكْرُ بْنُ حَمَّادٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا مُسَدَّدٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا يَحْيَى يَعْنِي الْقَطَّانَ ° ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ ° ، عَنْ خُبَيْبٍ ° ، عَنْ حَفْصِ بْنِ عَاصِمٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَا بَيْنَ بَيْتِي وَمِنْبَرِي رَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ ، وَمِنْبَرِي عَلَى حَوْضِي "
قَالَ أبو عمر : في تأويل قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ما بين بيتي ومنبري " وروى " ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة " . فقَالَ قوم معناه : أن البقعة ترفع يوم القيامة فتجعل روضة في الجنة ، وقَالَ آخرون : هذا على المجاز . قَالَ أبو عمر : كأنهم يعنون أنه لما كان جلوسه وجلوس الناس إليه يتعلمون القرآن والأيمان والدين هناك شبه ذلك الموضع بالروضة لكرم ما يجتني فيها وأضافها إلى الجنة ، لأنها تقود إلى الجنة كما قَالَ صلى الله عليه وسلم : " الجنة تحت ظلال السيوف " . يعني : أنه عمل يوصل به إلى الجنة ، وكما يقَالَ : الأم باب من أبواب الجنة ، يريدون : أن برها يوصل المسلم إلى الجنة مع أداء فرائضه ، وهذا جائز سائغ مستعمل في لسان العرب والله أعلم بما أراد من ذلك وقد استدل أصحابنا على أن المدينة أفضل من مكة بهذا الحديث ، وركبوا عليه قوله صلى الله عليه وسلم : " موضع سوط في الجنة خير من الدنيا وما فيها " . وهذا لا دليل فيه على شيء مما ذهبوا إليه لأن قوله هذا إنما أراد به ذم الدنيا والزهد فيها والترغيب في الآخرة فأخبر أن اليسير من الجنة خير من الدنيا كلها ، وأراد بذكر السوط والله أعلم : التقليل ، لا أنه أراد موضع السوط بعينه ، بل موضع نصف سوط وربع سوط من الجنة الباقية خير من الدنيا الفانية وهذا مثل قول الله عز وجل : مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ سورة آل عمران آية 75 ، لم يرد القنطار بعينه وإنما أراد الكثير : وَمِنْهُمْ مَنْ إِنْ تَأْمَنْهُ بِدِينَارٍ سورة آل عمران آية 75 ، لم يرد به الدينار بعينه وإنما أراد القليل ، أي أن منهم من يؤتمن على بيت مال فلا يخون ، ومنهم من يؤتمن على فلس أو نحوه فيخون ، على أن قوله صلى الله عليه وسلم : " روضة من رياض الجنة " . محتمل ما قَالَ العلماء فيه مما قد ذكرناه ، فلا حجة لهم في شيء مما ذهبوا إليه ، والمواضع كلها والبقاع أرض الله ، فلا يجوز أن يفضل منها شيء على شيء إلا بخبر يجب التسليم له ، وإني لأعجب ممن يترك قول رسول الله صلى الله عليه وسلم ، إذ وقف بمكة على الحزورة وقيل على الحجون وقَالَ : " والله إني أعلم أنك خير أرض الله وأحبها إلى الله ، ولولا أن أهلك أخرجوني منك ما خرجت " . وهذا حديث صحيح ، رواه أبو سلمة بن عبد الرحمن ، عن أبي هريرة ، وعن عبد الله بن عدي بن الحمراء جميعا ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، فكيف يترك مثل هذا النص الثابت ويمال إلى تأويل لا يجامع متأوله عليه