قَالَ : وحَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَبَانٌ ° ، قَالَ : حَدَّثَنَا أَنَسُ بْنُ سِيرِينَ ° ، قَالَ : أَقْبَلْتُ مَعَ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، مِنَ الشَّامِ حِتَّى أَتَيْنَا سَوَاءً بِطِينٍ ، وَحَضَرَتِ الصَّلاةُ وَالأَرْضُ كُلُّهَا غَدِيرٌ ، " فَصَلَّى عَلَى حِمَارٍ يُومِئُ إِيمَاءً "
قَالَ : وحَدَّثَنَا موسى بْن إسماعيل ، قَالَ : حَدَّثَنَا أبو عوانة ، عَنْ قتادة ، عَنْ جابر بْن زيد ، في الذي تحضره الصلاة وهو في ماء وطين ، قَالَ : يومئ إيماء . قَالَ وحَدَّثَنَا سَعِيد بْن عفير ، قَالَ : حَدَّثَنَا ابْن لهيعة ، عَنْ عمارة بْن غزية ، في الرجل تدركه الصلاة وهو في ماء وطين ، قَالَ : يصلي قائما متوجها إلى القبلة يومئ برأسه . قَالَ : وحَدَّثَنَا منجاب بْن الحارث ، قَالَ : أَخْبَرَنَا شريك ، عَنْ ليث ، عَنْ طاوس ، قَالَ : إذا كان ردع أو مطر فصل على الدابة ، قَالَ : وسمعت أبا عَبْد اللَّه أحمد بْن حنبل ، يسأل عَنِ الصلاة المكتوبة على الراحلة ، فَقَالَ : لا يصلى على الراحلة في الأمن إلا في موضعين ، إما في طين ، وإما تطوع ، قَالَ : وصلاة الخوف ، وذكر أبو عَبْد اللَّه حديث يعلى بْن أمية الذي ذكرناه في هَذَا الباب ، وسئل أبو عَبْد اللَّه أحمد بْن حنبل مرة أخرى عَنِ الصلاة على الراحلة ، فَقَالَ : أما في الطين فنعم ، يعني المكتوبة . قَالَ أبو عُمَر : من أتى من الصلاة على الراحلة أو على قدميه بالإيماء من أجل الطين والماء ، احتج بحديث هَذَا الباب ، عَنْ أبي سَعِيد الخدري ، قوله : " فأبصرت عيناي رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ انصرف وعلى جبهته وأنفه ، ويروي على جبينه وأنفه ، أثر الماء والطين " . قَالُوا : فلو جاز الإيماء في ذلك ما كان رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليضع أنفه وجبهته في الطين ، وهذا حديث صحيح ، وحديث يعلى بْن أمية ليس إسناده بشيء . قَالَ أبو عُمَر : أما إذا كان الطين والماء مما يمكن السجود عَلَيْهِ وليس فيه كبير تلويث وفساد للثياب ، وجاز تمكين الجبهة والأنف من الأرض ، فهذا موضع لا تجوز فيه الصلاة على الراحلة ولا على الأقدام بالإيماء ، لأن اللَّه عز وجل قد افترض الركوع والسجود على كل من قدر على ذلك كيفما قدر ، وأما إذا كان الطين والوحل والماء الكثير قد أحاط بالمسجون أو المسافر الذي لا يرجو الانفكاك منه ، ولا الخروج منه قبل خروج الوقت ، وكان ماء معينا غرقا وطينا قبيحا وحلا ، فجائز لمن كان في هذه الحال أن يصلي بالإيماء على ما جاء في ذلك عَنِ العلماء من الصحابة والتابعين ، فاللَّه أعلم بالعذر ، وليس باللَّه حاجة إلى تلويث وجهه وثيابه ، وليس في ذلك طاعة ، إنما الطاعة الخشية والعمل بما في الطاقة ، وفي هَذَا الحديث أيضا ما يدل على أن السجود على الأنف والجبهة جميعا ، وأجمع العلماء على أنه إن سجد على جبهته وأنفه ، فقد أدى فرض اللَّه في سجوده ، واختلفوا فيمن سجد على أنفه دون جبهته ، أو جبهته دون أنفه ، فَقَالَ مالك : يسجد على جبهته وأنفه ، فإن سجد على أنفه دون جبهته لم يجزه ، وإن سجد على جبهته دون أنفه كره ذلك ، وأجزأ عنه . وقَالَ الشافعي : لا يجزيه حتى يسجد على أنفه وجبهته ، وهو قول الحسن بْن حي . وَقَدْ رَوَى حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ، عَنْ عَاصِمٍ الأَحْوَلِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " مَنْ لَمْ يَضَعْ أَنْفَهُ بِالأَرْضِ فَلا صَلاةَ لَهُ " . وَقَالَ أَبُو حَنِيفَةَ : إِذَا سَجَدَ عَلَى جَبْهَتِهِ أَوْ ذَقَنِهِ أَوْ أَنْفَهُ أَجْزَأَهُ ، وَحُجَّتُهُ حَدِيثُ ابْنِ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أُمِرْتُ أَنْ أَسْجُدَ عَلَى سَبْعَةِ أَرَادِبَ " ذَكَرَ مِنْهَا الْوَجْهَ ، قَالَ : فَأَيُّ شَيْءٍ وَضَعَ مِنَ الْوَجْهِ أَجْزَأَهُ ، وَهَذَا لَيْسَ بِشَيْءٍ ، لأَنَّ هَذَا الْحَدِيثَ قَدْ ذَكَرَ فِيهِ جَمَاعَةً الأَنْفَ وَالْجَبْهَةَ . وأما قوله : وذلك صبيحة ليلة إحدى وعشرين ، فذلك يدل على أن تلك الليلة كانت ليلة القدر لا محالة ، واللَّه أعلم ، لأن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " إني رأيتها ثم أنسيتها ، ورأيتني أسجد من صبحتها في ماء وطين ، فكان كما رأى في نوم صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " ، ومعلوم أن ليلة القدر جائز أن تكون ليلة إحدى وعشرين ، وفي كل وتر من العشر الأواخر أيضا ، وقد قيل : في غير الوتر ، وفي غير العشر الأواخر أيضا إذا كان في شهر رمضان ، وقد قدمنا ذكر ذلك كله في باب حميد الطويل من هَذَا الكتاب . وقد ذهب جماعة من أهل العلم إلى أن ليلة القدر في كل رمضان ليلة إحدى وعشرين ، وذهب آخرون إلى أنها ليلة ثلاث وعشرين في كل رمضان ، وذهب آخرون إلى أنها ليلة سبع وعشرين في كل رمضان ، وذهب آخرون إلى أنها تنتقل في كل وتر من العشر الأواخر ، وهذا عندنا هو الصحيح إن شاء اللَّه . وقد ذكرنا القائلين بهذه الأقاويل ، وما روي في ذلك كله من الأثر في باب حميد الطويل ، والحمد لله . وذكرنا في باب أبي النضر من هَذَا الكتاب ما قيل في ليلة ثلاثة وعشرين ، ومن قطع بأنها ليلة ثلاث وعشرين أبدا ، وهي عندنا تنتقل ، وبهذا يصح استعمال الآثار المرفوعة وغيرها ، وباللَّه التوفيق . ذَكَرَ عَبْدُ الرَّزَّاقِ ، عَنِ الأَسْلَمِيِّ ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ عَلِيًّا كَانَ يَتَحَرَّى لَيْلَةَ الْقَدْرِ لَيْلَةَ تِسْعَ عَشْرَةَ ، وَإِحْدَى وَعِشْرِينَ ، وَثَلاثٍ وَعِشْرِينَ " . وَعَنِ الثَّوْرِيِّ ، عَنِ الأَعْمَشِ ، عَنْ إِبْرَاهِيمَ ، عَنِ الأَسْوَدِ ، قَالَ : قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ : " تَحَرَّوْا لَيْلَةَ الْقَدْرِ سَبْعَ عَشْرَةَ صَبَاحَةَ بِدْرٍ ، أَوْ إِحْدَى وَعِشْرِينَ ، أَوْ ثَلاثٍ وَعِشْرِِينَ " . وَعَنِ الأَسْلَمِيِّ ، عَنْ دَاوُدَ بْنِ الْحُصَيْنِ ، عَنْ عِكْرِمَةَ ، عَنِ ابْن عَبَّاسٍ ، قَالَ : " لَيْلَةُ الْقَدْرِ فِي كُلِّ رَمَضَانَ تَأْتِي " . ومن حديث أبي ذر ، أن رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " هي في كل رمضان " . وعن معمر ، عَنْ أيوب ، عَنْ أبي قلابة ، قَالَ : ليلة القدر تنتقل في العشر الأواخر في كل وتر . قَالَ أبو عُمَر : هَذَا أصح ، لأن ابْن عُمَر روى عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أنه قَالَ : " التمسوها في العشر الأواخر في كل وتر " . وهي التسع الأواخر ، وفي التسع الأواخر في كل وتر ، وقد روي ذلك من حديث عُمَر ، عَنِ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ .