← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4151 23 : 114 ☰ حديث ثان ليحيى بن سعيد
A− A+

قَالَ : أَخْبَرَنِي عَمْرُو بْنُ دِينَارٍ ، عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي عَيَّاضٍ ، عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ ، أَنَّهُ قَالَ : " الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ "

قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ جُرَيْجٍ , قَالَ : قَالَ لِي عَطَاءٌ : سَمِعْتُ ابْنَ عَبَّاسٍ ° ، يَقُولُ : " الْمَاءُ مِنَ الْمَاءِ " . قَالَ : وَأَخْبَرَنَا ابْنُ عُيَيْنَةَ ، عَنْ عَمْرٍو ، عَنْ عَطَاءٍ ، عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ مِثْلَهُ قَالَ أبو عُمَر : عطاء لم يسمع من ابْن مسعود ، وقد قدمنا بإسناد صحيح عَنِ ابْن مسعود خلاف هَذَا ، وأما أصحاب داود فاختلفوا في هذه المسألة ، فطائفة منهم قَالَت بما عَلَيْهِ جمهور الفقهاء من إيجاب الغسل إذا التقى الختانان ، ومنهم من أبى ذلك وقَالَ : لا غسل إلا بالإنزال وهو المشهور عَنْ داود ، واحتج من ذهب مذهبه في ذلك بأن الحديث عَنْ رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بذكر : " الماء من الماء " أثبت من جهة النقل . رَوَاهُ أُبَيُّ بْنُ كَعْبٍ ، وَعُثْمَانُ بْنُ عَفَّانَ ، وأَبُو سَعِيدٍ الْخُدْرِيُّ ، وَغَيْرِهِمْ ، عَنِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم ، أَنَّهُ قَالَ : " فِي الإِكْسَالِ الْوُضُوءُ ، وَفِي الإِنْزَالِ الْغُسْلُ " . قَالُوا وعلى ذلك جماعة الأنصار وجمهورهم . ومن المهاجرين : علي ، وَابْن عباس ، وعُثْمَان ، وغيرهم ، وضعفوا حديث علي في إيجاب الغسل من التقاء الختانين ، لأنه يدور على جابر الجعفي ، والحارث الأعور ، وهما ضعيفان ، وقَالُوا : حديث عُثْمَان المسند أولى بالمصير إليه مما روى عنه في ذلك ، لأن الحديث عَلَيْهِ حجة ، وليس هو على الحديث حجة ، وإنما يسوغ ما ذهب إليه راوي الحديث إذا لم يدفعه ، فأما إذا دفعه فالحجة في المسند ، ولهم في هَذَا المعنى كلام طويل تركته ، قَالُوا : ورجوع أبي بْن كعب عَنْ ذلك لا يصح ، لأن خبر زيد بْن ثابت وأبي في ذلك يدور على عَبْد اللَّه بْن كعب ، ولم يصح له سماع من زيد بْن ثابت ، وإنما يروى عَنْ خارجة بْن زيد ، وهو أيضا غير مشهور بنقل العلم ، وخبر ابْن شِهَاب في ذلك لم يسمعه من سهل بْن سعد ، ولا يدري من بينهما على صحة ، قَالُوا : وأقل أحوال هذه المسألة أن تتكافأ فيها الحجج وتتعارض فيها الآثار ، فيرجع حينئذ إلى ظاهر كتاب اللَّه ، وليس في كتاب اللَّه إيجاب الغسل إلا على من كان جنبا ، ولا جنب إلا الذي ينزل الماء الدافق ، قَالُوا : ووجه آخر : أن الفرائض لا تجب إلا بيقين ، ولايقين في هذه المسألة ، إلا على قول من لم يوجب الغسل إلا بإنزال الماء ، وهو الاتفاق الذي يقطع عَلَيْهِ ويستيقن ، وباللَّه التوفيق . قَالَ أبو عُمَر : لا مدخل عند أولي الألباب من العلماء للنظر عند ثبوت الأثر ، وما ادعاه هؤلاء من ثبوت حديث الماء من الماء ، فقد مضى الجواب عَنْ ذلك ، وعلة حديث أبي بينة لرجوعه عَنِ الفتيا به ، ومعلوم أنه لا يجوز أن يدع الناسخ ويأخذ المنسوخ ، ولا حجة في حديث أبي أيوب ، لأنه إنما يرويه عَنْ أبي بن كعب وحديث أبي سَعِيد وغيره يحتمل أن يكون أكسل ، ولم يجاوز الختان الختان ، فهذا فيه الوضوء للملامسة والمباشرة ، ولا يصح عَنِ المهاجرين ما ذكر ، بل الصحيح عنهم غير ما وصف على ما تقدم عنهم في هَذَا الباب ، وحديث عُثْمَان المرفوع لا يصح ، لأنه لو صح عَنْ عُثْمَان ، وعنده ما خالف ، وقد كان يفتي بخلافه ، وكل خبر مروي في : الماء من الماء ، يحتمل التأويل على ما وصفنا في هَذَا الباب ، وخبر ابْن شِهَاب عَنْ سهل صحيح عندنا ، لرواية أبي حازم له ، وموضع ابْن شِهَاب موضعه ، وعَبْد اللَّه بْن كعب معروف ، روى عنه يحيى بْن سَعِيد ، ومحمد بْن إسحاق ، وغيرهما ، وقد مضى القول في هذه المعاني مبسوطا لمن تدبرها ، وأما ما رجحوه من الاحتياط في ترك إيجاب الفرض إلا بيقين ، فإنه يدخل عليهم : أن الصلاة لا تجب أن تؤدى إلا بطهارة ، مجتمع عليها وقد أجمعنا على أن المجامع إذا أكسل ولم ينزل فقد وجبت عَلَيْهِ طهارة ، وصار في حالة لا يدخل معها في الصلاة حتى يطهر ، وأجمعوا أن الغسل طهارة له إن فعله ، ولم يجمعوا على أن الوضوء طهارة له ، فالواجب على الاحتياط القول بالغسل إن شاء اللَّه ، والأحوط الصحيح ، في هَذَا ما جاء عَنْ عائشة مرفوعا وموقوفا ، وعلى حديثها المدار في هَذَا الباب ، وحديث أبي هريرة مثله ، ولا يصح فيه دعوى إجماع الصحابة ، وقد يقرب فيه دعوى إجماع من دونهم ، إلا من شذ ممن لا يعد خلافا عليهم ، ويلزمهم الرجوع إليهم ، والقول بأن لا غسل من التقاء الختانين : شذوذ ، وقول عند جمهور الفقهاء مهجور ، مرغوب عنه ومعيب ، والجماعة على الغسل ، وباللَّه التوفيق .

السند · الإسناد بالترتيب
عمرو بن دينار←عبيد الله بن أبي عياض←أبي سعيد الخدري←ابن جريج←عطاء←ابن عباس←ابن عيينة←عمرو←عطاء←ابن مسعود←وأبو سعيد الخدري