← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4634 مقبول 24 : 253 ☰ حديث ثامن عشر من البلاغات
A− A+

وحدثنا عبد الوارث ° ، قال : حدثنا بكر بن حماد ° ، قال : حدثنا مسدد ° ، قال : حدثنا أبو عوانة ° ، عن أبي بشر ° ، عن يوسف بن ماهك ° ، عن عبد الله بن عمرو ° ، قال : " تخلف رسول الله في سفرة سافرناها ، فأدركنا وقد أرهقتنا الصلاة صلاة العصر ، ونحن نتوضأ ، فجعلنا نمسح على أرجلنا ، فنادى بأعلى صوته ، ويل للأعقاب من النار مرتين أو ثلاثا "

قال أبو عمر : في هذا الحديث من الفقه إيجاب غسل الرجلين ، وفي ذلك تفسير لقول الله عز وجل : ( وأرجلكم إلى الكعبين ) ، وبيان أنه أراد الغسل لا المسح ، وإن كانت قد قرئت : ( وأرجلكم ) بالجر ، فذلك معطوف على اللفظ دون المعنى ، والمعنى فيه الغسل على التقديم والتأخير ، فكأنه قال عز وجل : إذا قمتم إلى الصلاة فاغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين ، وامسحوا برؤوسكم . والقراءتان بالنصب والجر صحيحتان مستفيضتان ، والمسح ضد الغسل ومخالف له ، وغير جائز أن تبطل إحدى القراءتين بالأخرى ما وجد إلى تخريج الجمع بينهما سبيل ، وقد وجدنا العرب تخفض بالجوار كما قال امرؤ القيس : كبير أناس في بجاد مزمل فخفض بالجوار ، وإنما المزمل الرجل ، وإعرابه هاهنا الرفع . وكما قال زهير : لعب الزمان بها وغيرها بعدي سوافي المور والقطر قال أبو حاتم : كان الوجه القطر بالرفع ، ولكن جره على جوار المور كما قالت العرب : هذا جحر ضب خرب ، فجرته ، وإنما هو رفع وخفضه بالمجاورة ، ومن هذا قراءة أبي عمرو : ( يرسل عليكما شواظ من نار ونحاس ) بالجر ، لأن النحاس : الدخان ، فعلى ما ذكرنا تكون معنى القراءة بالجر النصب ، ويكون الخفض على اللفظ للمجاورة ، والمعنى : الغسل ، وقد يراد بلفظ المسح الغسل عند العرب من قولهم : تمسحت للصلاة والمراد الغسل ، ويشير إلى هذا التأويل كله ، قول النبي صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار " وعلى هذا القول والتأويل : جمهور علماء المسلمين وجماعة فقهاء الأمصار بالحجاز ، والعراق ، والشام ، من أهل الحديث والرأي ، وإنما روي مسح الرجلين عن بعض الصحابة وبعض التابعين ، وتعلق به الطبري ، وذلك غير صحيح في نظر ولا أثر . والدليل على وجوب غسل الرجلين قوله صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار " . فخوفنا بذكر النار من مخالفة مراد الله عز وجل ، ومعلوم أنه لا يعذب بالنار إلا على ترك الواجب ، ألا ترى إلى ما في حديث عبد الله بن عمر : فرأى أعقابنا تلوح ، فقال : ويل للأعقاب من النار . وأوضح من هذا ما في حديث عبد الله بن الحارث : ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار . ومعلوم أن المسح ليس شأنه الاستيعاب ، ولا خلاف بين القائلين بالمسح على الرجلين أن ذلك على ظهورهما لا على بطونهما ، فتبين بهذا الحديث بطلان قول من قال بمسح القدمين ، إذ لا مدخل لمسح بطونهما عندهم ، وأن ذلك إنما يدرك بالغسل لا بالمسح ، ودليل آخر من الإجماع ، وذلك أنهم أجمعوا على أن من غسل قدميه أدى الواجب الذي عليه . واختلفوا فيمن مسح قدميه ، فاليقين : ما أجمعوا عليه دون ما اختلفوا فيه ، وقد اتفقوا أن الفرائض إنما يصلح أداؤها باليقين ، وإذا جاز عند من قال بالمسح على القدمين أن يكون من غسل قدميه قد أدى الفرض عنده ، فالقول في هذا الحال بالإتفاق هو اليقين مع قوله صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار " . وقد قيل إن من قرأ : ( وأرجلكم ) بالخفض أراد به المسح على الخفين مع ما روي في ذلك من الآثار والله أعلم . وذكر أشهب عن مالك أنه سئل عن قول الله عز وجل : ( أرجلكم إلى الكعبين ) في آية الوضوء : أبالنصب أم بالخفض ؟ فقال : هو الغسل ولا يجزي المسح . قال أبو عمر : من قرأ بالنصب فصل بين المسح والغسل بالإعراب ، فكأنه قال : اغسلوا وجوهكم وأيديكم إلى المرافق وأرجلكم إلى الكعبين ، وكأن ذلك أشبه بفعل النبي صلى الله عليه وسلم وبأمره ، فأما فعله ، فما نقل الجمهور كافة عن كافة عنه صلى الله عليه وسلم " أنه كان يغسل رجليه في وضوئه مرة واثنتين وثلاثا حتى ينقيهما " . وأما أمره ، فقوله صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب من النار " ، وقد جاء عنه صلى الله عليه وسلم : " ويل للأعقاب وبطون الأقدام من النار ، وويل للعراقيب من النار " . ولو لم يكن الغسل واجبا ما خوف من لم يغسل عقبيه وعرقوبيه بالنار ، لأن المسح ليس من شأنه الاستيعاب ، ولا يبلغ به العراقيب ولا الأعقاب . قال أبو عمر : العرقوب هو مجمع مفصل الساق والقدم ، والكعب هو الناتىء في أصل الساق ، يدلك على ذلك حديث النعمان بن بشير ، قال : أقبل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم بوجهه ، فقال : " أقيموا صفوفكم " ، قال : فرأيت الرجل يلزق كعبه بكعب صاحبه . والعقب هو مؤخر الرجل تحت العرقوب . وقد ذكرنا اختلاف العلماء في الكعبين وأوضحنا المذاهب عن العرب وأهل العلم في العرقوب والكعب في باب عمرو بن يحيى ، والحمد لله . وقال ابن وهب ، عن مالك : ليس على أحد تخليل أصابع رجليه في الوضوء ولا في الغسل ، ولا خير في الجفاء والغلو . قال ابن وهب : تخليل أصابع رجليه في الوضوء مرغب فيه ، ولا بد من ذلك في أصابع اليدين ، وأما أصابع رجليه فإن لم يخللها فلا بد من إيصال الماء إليها . وقال ابن القاسم ، عن مالك : من لم يخلل أصابع رجليه ، فلا شيء عليه . وقال محمد بن خالد ، عن ابن القاسم ، عن مالك : فيمن توضأ على نهر فحرك رجليه ، أنه لا يجزيه حتى يغسلهما بيديه . قال ابن القاسم : وإن قدر على غسل إحداهما بالأخرى أجزاه . قال أبو عمر : يلزم من قال إن الغسل لا يكون إلا بمرور اليدين أن يقول : إنه لا يجزيه أن غسل إحداهما بالأخرى ، ويلزمه أن يقول تخليل أصابع اليدين والرجلين ، لأن الأمر بغسلهما واحد . وقد روي عن النبي أنه كان إذا توضأ يدلك أصابع رجليه بخنصره وهذا عندنا على الكمال . وقد مضى في صفة الغسل من الجنابة في باب هشام بن عروة من هذا الكتاب ما يستدل به على معنى هذا الباب ، ومضى في باب عمرو بن يحيى من هذا الكتاب أيضا القول في غسل المرفقين مع اليدين والكعبين مع الرجلين ، فلا معنى لإعادة ذلك هاهنا . وقد كان مالك رحمه الله في آخر عمره يدلك أصابع رجليه بأصابع يديه لحديث حدثه ابن وهب . ذكر أحمد بن وهب ، قال : حدثني عمي عبد الله بن وهب ، قال : سئل مالك عن تخليل أصابع الرجلين في الوضوء ، فقال : أليس ذلك على الناس ؟ فأمهلته حتى خف الناس عنه ، ثم قلت له : يا أبا عبد الله ، سمعتك تفتي في مسألة عندنا فيها سنة ، قال : وما هي ؟ قلت : حدثنا ابن لهيعة ، والليث بن سعد ، عن يزيد بن عمرو المعافري ، عن أبي عبد الرحمن الحبلي ، عن المستورد بن شداد القرشي ، قال : " رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يتوضأ فيخلل بختصره ما بين أصابع رجليه " . قال : فقال لي مالك : إن هذا لحسن ، وما سمعت به قط إلا الساعة . قال ابن وهب : ثم سمعته بعد ذلك يسأل عن تخليل الأصابع في الوضوء فيأمر به . وروى غيره عن ابن وهب : فرأيته يعمل به ولم يقل بأمره

السند · الإسناد بالترتيب
عبد الوارث←بكر بن حماد←مسدد←أبو عوانة←أبي بشر←يوسف بن ماهك←عبد الله بن عمرو←أحمد بن وهب←عبد الله بن وهب←مالك←ابن لهيعة←والليث بن سعد←يزيد بن عمرو المعافري←أبي عبد الرحمن الحبلي←المستورد بن شداد القرشي
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الوارث بن سفيان وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد