← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4674 مقبول 24 : 293 ☰ حديث سادس وعشرون من البلاغات
A− A+

حدثنا عبد الوارث بن سفيان ° ، قال : حدثنا قاسم بن أصبغ ° ، قال : حدثنا بكر بن حماد ° ، قال : حدثنا مسدد ° ، قال : حدثنا حماد ° ، عن أبان بن تغلب ° ، عن القاسم بن عبد الرحمن ° ، أن الأشعث اشترى من عبد الله رقيقا من رقيق الإمارة ، فأتاه فقاضاه ، فاختلفا في الثمن ، فقال له عبد الله ° : أترضى أن أقضي بيني وبينك بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : " إذا اختلف البيعان فالقول ما قال البائع أو يترادان " . ورواه حجاج ، عن ابن جريج ، قال : أخبرني /إسماعيل بن أمية ، عن عبد الملك بن عبيدة ، قال : حضرنا أبا عبيدة بن عبد الله بن مسعود ، فذكر عن أبيه ، عن النبي صلى الله عليه وسلم ، معناه

قال أبو عمر : هذا الحديث وإن كان في إسناده مقال من جهة الانقطاع مرة ، وضعف بعض نقلته أخرى فإن شهرته عند العلماء بالحجاز والعراق يكفي ويغني . وأما اختلاف الفقهاء في هذا الباب ، فقال ابن أبي ليلى ، والثوري ، وأبو حنيفة ، والشافعي ، وأصحابهم ، وأحمد ، وإسحاق : إذا اختلف المتبايعان في الثمن والسلعة قائمة ، تحالفا وترادا البيع ، وبدئ البائع باليمين ، ثم قيل للمشتري : إما أن تأخذ بما حلف عليه البائع ، وإما أن تحلف على دعواك وتبرأ ، فإن حلفا جميعا رد البيع ، وإن نكلا جميعا رد البيع ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ، كان البيع لمن حلف ، وسواء عند هؤلاء كلهم كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري بعد أن تكون قائمة ، وكذلك روى ابن القاسم عن مالك : إن السلعة إذا كانت قائمة بيد البائع أو بيد المشتري ، تحالفا وترادا على حسبما ذكرنا عن هؤلاء سواء . وروى ابن وهب ، عن مالك : أن السلعة إذا بان بها المشتري إلى نفسه لم يتحالفا ، وكان القول قول المشتري مع يمينه ، وإنما يتحالفان إذا كانت السلعة قائمة بيد البائع ، هذه رواية ابن وهب ، عن مالك . وقال سحنون : رواية ابن وهب ، عن مالك : هو قول مالك الأول ، وعليه اجتمع الرواة ، وقول مالك الذي رواه ابن القاسم وأخذ به هو آخر قول مالك : واختلفوا والمسألة بحالها ، إذا فاتت السلعة بيد المشتري وهلكت ولم تكن قائمة . فقال مالك ، وأصحابه كلهم : حاشا أشهب القول قول المشتري مع يمينه ولا يتحالفان ، وهو قول أبي حنيفة ، وأبي يوسف ، والثوري ، والحسن بن حي ، والليث بن سعد . وقال الشافعي ، ومحمد بن الحسن ، وهو قول أشهب صاحب مالك إنهما يتحالفان ويتفاسخان ، ويرد المشتري القيمة ، وهو قول عبيد الله بن الحسن العنبري ، قاضي البصرة . وقال زفر : إن اتفقا في هذه المسألة : أن الثمن كان من جنس واحد ، كان القول قول المشتري ، وإن اختلفا في جنسه ، تحالفا وترادا قيمة البيع ، وقول الشافعي : سواء كانت السلعة قائمة بيد البائع أو بيد المشتري أو هلكت عند البائع وعند المشتري هما أبدا ، إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويترادان السلعة إن كانت قائمة ، أو قيمتها إن كانت فائتة . وقال أبو ثور في اختلاف المتبايعين في الثمن : القول أبدا قول المشتري ، وسواء كانت السلعة قائمة بيد البائع ، أو بيد المشتري ، أو فاتت عند البائع أو عند المشتري ، القول أبدا في ذلك كله قول المشتري مع يمينه ، وضعف أبو ثور الحديث في هذا الباب ، ولم يوجب به حكما ، ولكل واحد منهم حجج من جهة النظر تكاد تتوازى ، وأما أبو ثور ، فلم يقل بشيء من معنى حديث هذا الباب ، وشذ في ذلك إلى قياس يعارضه قياس مثله لخصمه ، والله المستعان . فمن حجة أبي ثور : أن البائع مقر بزوال ملكه عن السلعة مصدق للمشتري في زوالها عن ملكه ، وهو مدع عليه من الثمن ما لا يقر له به المشتري ، ولا بينة معه ، فصار القول قول المشتري مع يمينه على كل حال . وروى ابن سماعة عن أبي يوسف ، قال : قال أبو حنيفة : القياس في المتبايعين إذا اختلفا : فادعى البائع ألفا وخمسمائة ، وادعى المشتري ألفا ، أن يكون المقول قول المشتري ، ولا يتحالفان ولا يترادان ، لأنهما قد أجمعا على ملك المشتري السلعة المبيعة : واختلفا في ملك البائع على المشتري من الثمن ما لا يقربه المشتري ، فهما كرجلين ادعى أحدهما على الآخر ألف درهم وخمسمائة درهم ، وأقر هو بألف درهم ، فالقول قوله : إلا أنا تركنا القياس للأثر في حال قيام السلعة ، فإذا فاتت السلعة عاد القياس . قال أبو عمر : هذا القياس الذي ذكره أبو حنيفة ، امتثله كل من ذهب في هذا الباب مذهبه من أصحابه ومن المالكيين وغيرهم ، قال أبو محمد بن أبي زيد : ظاهر قوله في الحديث : أو يترادان الإشارة إلى رد الأعيان ، فإذا ذهبت الأعيان ، خرج من ظاهر الحديث ، لأن ما فات بيد المبتاع لا سبيل إلى رده ، وصار المبتاع مقرا بثمن يدعى عليه أكثر منه ، فدخل في باب الحديث الآخر : البينة على المدعي ، واليمين على المدعى عليه . قال أبو عمر : من حجة الشافعي ، وأشهب ، وعبيد الله بن الحسن ، ومن ذهب مذهبهم في هذا الباب ، وجعل المتبايعين إذا اختلفا في الثمن يتحالفان ويترادان أبدا : أنه يقول إن البائع لم يقر بخروج السلعة عن ملكه إلا بصفة ما لا يصدقه عليها المبتاع ، وكذلك المشتري لم يقر بانتقال الملك إليه إلا بصفة ما لا يصدقه عليها البائع ، والأصل أن السلعة للبائع فلا تخرج من ملكه إلا بيقين من إقرار أو بينة ، وإقراره منوط بصفة لا سبيل إلى دفعها لعدم بينة المشتري بدعواه ، فحصل كل واحد منهما مدع ومدعى عليه ، ووردت السنة بأن يبدأ البائع باليمين ، وذلك والله علم لأن الأصل أن السلعة له ، فلا يعطاها أحد بدعواه ، فإذا حلف ، خير المبتاع في أخذها بما حلف البائع عليه إن شاء ، وإلا حلف أنه ما ابتاع إلا بما ذكر ، ثم يفسخ البيع بينهما ، وبهذا المعنى وردت السنة مجملة ، لم تخص كون السلعة بيد واحد دون آخر ، ومعلوم أن التراد إذا وجب بالتحالف والسلعة حاضة وجب بعد هلاكها ، لأن القيمة تقوم مقامها ، كما تقوم في كل ما فات مقامه ، ومن ادعى في شيء من ذلك خصوصا ، فقد ادعى ما لا يقوم من ظاهر الحديث ولا معناه . قالوا : وليس اختلاف المتبايعين من باب البينة على المدعى واليمين على من أنكر في شيء ، لأن ذلك حكم ورد به الشرع في مدع لا يدعي عليه ، وفي مدعى عليه لا يدعي ، وورد الشرع في المدعي والمدعى عليه ، والمدعى عليه المدعي بغير ذلك ، وكل أصل في نفسه يجب امتثاله ، ولكل واحد منهم حجج يطول ذكرها ومدارها على ما ذكرنا . وقال ابن القاسم : إذا اختلف المتبايعان في قلة الثمن وكثرته ، والسلعة بيد المبتاع لم تفت ولم تتغير في بدن أو سوق ، أو لم يكن قبضها ، أحلف البائع أو لا على ما ذكر : أنه ما باعها إلا بكذا ، فإن حلف ، خير المبتاع في أخذها بذلك ، أو يحلف ما ابتاع إلا بكذا ثم يراد إلا أن يرضى قبل الفسخ أخذها بما قال البائع ، قال سحنون : بل بتمام التحالف ينفسخ البيع ، ورواه سحنون ، عن شريح ، قال شريح : إذا اختلف المتبايعان ولا بينة بينهما أنهما إن حلفا ترادا ، وإن نكلا ترادا ، وإن حلف أحدهما ونكل الآخر ترك البيع ، يريد على قول الحالف . وروى ابن المواز عن ابن القاسم مثل قول شريح . وقال ابن حبيب : إذا استحلفا فسخ ، وإن نكلا ، كان القول قول البائع ، وذكره عن مالك ، وقال ابن القاسم : إن قبضها المبتاع ثم فاتت بيده بنماء أو نقصان ، أو تغير سوق ، أو بيع ، أو كتابة ، أو عتق ، أو هبة ، أو هلاك ، أو تقطيع في الثياب ، فالقول قول المبتاع مع يمينه : وكذلك لو كانت دارا فبناها ، أو طال الزمان ، أو تغيرت المساكن . وأما الشافعي : فليس يجعل شيئا من هذا كله فوتا في معنى من المعاني ، وفي هذه المسألة عنده يتحالفان إذا فاتت السلعة وتقوم القيمة مقامها وهو قول أشهب . ومن أصل مذهب مالك وأصحابه في هذه المسألة : أن من جاء منهما بما لا يشبه ، كان القول قول الآخر ، وإنما يحلف من ادعى ما يشبه ، ولو اختلف المتبايعان في الأجل : فقال البائع : حال ، وقال المشتري : إلى شهر ، فإن لم يتقابضا ، تحالفا وترادا ، وإن قبض المشتري السلعة ، فالقول قوله مع يمينه ، على رواية ابن وهب . وروى ابن القاسم أنهما يتحالفان ، إن كانت السلعة قائمة عند البائع أو عند المشتري ، وإن فاتت فالقول قول المشتري مع يمينه ، إلا أن يكون للناس عرف وعادة في تلك السلعة في شرائها بالنقد والأجل ، فلا يكون لواحد منهما قوله ، ويحملان على عرف الناس في تلك السلعة ، ويكون القول قول من ادعى العرف ، هذا كله مذهب مالك والليث بن سعد . وقال الشافعي ، وعبيد الله بن الحسن : الاختلاف في الأجل كالاختلاف في الثمن ، والقول في ذلك واحد . وقال أبو حنيفة : إذا قال البائع هو حال ، وقال المشتري : إلى شهر ، فالقول قول البائع مع يمينه ، وكذلك إذا قال البائع : إلى شهر ، وقال المشتري : إلى شهرين وهو قول الثوري . قال أبو عمر : في هذه المسألة قول آخر غير ما ذكرنا عن هؤلاء ذكره المروزي ، قال : قال بعض أصحابنا : إن كان المشتري هو المستهلك للسلعة ، تحالفا ورد القيمة ، وإن كانت السلعة هلكت من غير فعل المشتري تحالفا ، فإن حلفا لم يكن على المشتري رد قيمة ولا غيرها ، لأنه لم يكن متعديا على السلعة ولا جانيا ، ولا يضمن إلا جان أو متعد ، قال المروزي : وهذا القياس .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناد حسن
شجرة الإسناد