← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#4759 مقبول 24 : 389 ☰ حديث ثامن وأربعون من البلاغات
A− A+

وأخبرنا عبد الله بن محمد ° ، قال : حدثنا محمد بن بكر ° ، قال : حدثنا أبو داود ° ، قال : حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ° ، عن يحيى بن زكرياء ° ، عن محمد بن عمرو ° ، عن أبي سلمة ° ، عن أبي هريرة ° ، قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من باع بيعتين في بيعة فله أوكسهما أو الربا "

قال أبو عمر : معنى هذا الحديث عند أهل العلم أن يبتاع الرجل سلعتين مختلفتين إحداهما بعشرة ، والأخرى بخمسة عشر ، قد وجب البيع في إحدى السلعتين بأيهما شاء المشتري هو في ذلك بالخيار بما سمي من الثمن ورد الأخرى ، ولا يعين المأخوذة من المتروكة ، فهذا من بيعتين في بيعة عند مالك وأصحابه ، فإن كان البيع على أن المشتري بالخيار فيهما جميعا بين أن يأخذ أيتهما شاء وبين أن يردهما جميعا ، ولا بيع بينهما فذلك جائز ، وليس من باب بيعتين في بيعة ، ومن ذلك أن يبتاع الرجل من آخر سلعة بعشرة نقدا ، أو بخمسة عشر إلى أجل قد وجبت للمشتري بأحد الثمنين وافترقا على ذلك ، وهكذا فسره مالك وغيره ، وقال مالك : هذا لا ينبغي ، لأنه إن أخر العشرة كانت خمسة عشر إلى أجل ، وإن نقد العشرة كان كأنه اشترى بالخمسة عشر إلى أجل ، قال مالك : وكذلك إذا باع رجل سلعة بدينار نقدا أو بشاة موصوفة إلى أجل قد وجب البيع عليه بأحد الثمنين ، ذلك مكروه لا ينبغي ، لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم " نهى عن بيعتين في بيعة " ، وهذا من بيعتين في بيعة ، قال مالك : ومن ذلك أيضا أن يشتري منه العجوة خمسة عشر صاعا بدينار ، والصيحاني عشرة أصوع ، قد وجبت إحداهما ، فهذا من المخاطرة ، ويفسخ عند مالك هذا البيع أبدا ، فإن فات البيع ، ضمن المبتاع قيمته يوم قبضه لا يوم البيع بالغا ما بلغ ، إلا أن يكون مكيلا غير رطب ، فيرد مكيلته ، وإن قبض السلعتين وفاتتا ، ردا جميعا إلى القيمة يوم قبضهما المشتري بالغا ما بلغت ، وأما إذا كان ما قدمنا ذكره في السلعتين على وجه المساومة من غير إيجاب أو كان البيع على أن المشتري بالخيار فيهما جميعا بين أن يأخذ أيتهما شاء ، وبين أن يردهما جميعا ولا بيع بينهما فلا بأس بذلك ، لأن المشتري بالخيار في أي الثمنين شاء ، وبالخيار أيضا في الأخذ أو الترك . وقال الشافعي : هما وجهان ، أحدهما أن يقول : قد بعتك هذا العبد بألف دينار نقدا أو بألفين إلى سنة ، قد وجب لك البيع بأيهما شئت أنا أو شئت أنت ، فهذا بيع الثمن فيه مجهول . والثاني أن يقول : قد بعتك عبدي هذا بألف على أن تبيعني دارك بألف إذا وجب لك عبدي وجبت دارك لي ، لأن ما نقص كل واحد منهما مما باع ازداده فيما اشتراه ، فالبيع في هذا كله مفسوخ ، فإن فات ، ففيه القيمة حين قبض ، ومثل هذا عند الشافعي أن يبيعه سلعة بكذا على أن يبيعه بالثمن كذا كرجل قال لآخر : أبيعك ثوبي هذا بعشر دنانير على أن تبيعني بالعشرة دنانير دابة كذا ، أو سلعة كذا أو مثاقيل عدد كذا ، هذا كله من باب بيعتين في بيعة عند الشافعي وجماعة . قال : ومن هذا الباب نهيه عليه السلام عن بيع وسلف ، لأن من سنته أن تكون الأثمان معلومة ، والبيع معلوما ، وإذا انعقد البيع على السلف والمنفعة بالسلف مجهولة ، فصار الثمن غير معلوم . قال أبو عمر : كل يخرج للحديث معنى على أصله ، ومن أصل مالك مراعاة الذرائع ، ومن أصل الشافعي ترك مراعاتها ، وللكلام في ذلك موضع غير هذا ، والله الموفق للصواب . ولم يختلف قول مالك وأصحابه فيما علمت من مشهور مذهبهم فيمن باع سلعته بدراهم على أن يأخذ بالدراهم دنانير ، وكان ذلك في عقد الصفقة أن ذلك جائز ، وأن البيع إنما وقع بالدنانير لا بالدراهم ، وليس ذلك عندهم من باب بيعتين في بيعة ، وذلك عند الشافعي كما وصفنا . واتفق مالك ، والشافعي ، وأبو حنيفة ، على فساد البيع إذا كان من باب بيعتين في بيعة على حسبما ذكرنا من النقد بكذا ، والنسيئة بكذا ، أو إلى أجلين ، أو نقدين مختلفين ، أو صفتين من الطعام مختلفتين ، وما أشبه هذا كله . وقال الأوزاعي : لا بأس بذلك ولا يفارقه حتى يأتيه بأحد البيعتين ، وإن أخذ السلعة على ذلك ، فهي بأقل الثمنين إلى أبعد الأجلين . وقال ابن شبرمة : إذا فارقه على ذلك ففات البيع عليه أقل الثمنين نقدا . قال أبو عمر : عليه في قول مالك ، والشافعي ، وأبي حنيفة ، القيمة كسائر البيوع الفاسدة عندهم .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا عبد الله بن محمد القرطبي وهو صدوق حسن الحديث ، ومحمد بن عمرو الليثي وهو صدوق له أوهام
شجرة الإسناد