← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#655 مقبول 4 : 178 ☰ حديث سادس عشر لزيد بن أسلم مسند صحيح
A− A+

حَدَّثَنَاهُ أَحْمَدُ بْنُ فَتْحٍ ° , قَالَ : حدثنا حَمْزَةُ بْنُ مُحَمَّدٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْحَاقُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا سَعِيدُ بْنُ أَبِي مَرْيَمَ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا أَبُو غَسَّانَ مُحَمَّدُ بْنُ مُطَرِّفٍ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا زَيْدُ بْنُ أَسْلَمَ ° , عَنْ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ وَعْلَةَ ° , أَنَّهُ قَالَ لِابْنِ عَبَّاسٍ ° : إِنَّا قَوْمٌ نَغْزُو أَرْضَ الْمَغْرِبِ , وَإِنَّمَا أَسْقِيَتُنَا جُلُودُ الْمَيْتَةِ . فَقَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ : سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " أَيُّمَا مِسْكٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ " . حملوه على العموم في كل جلد

قال أبو عمر : يحتمل أن يكون أراد بهذا القول عموم الجلود المعهود الانتفاع بها ، وأما جلد الخنزير , فلم يدخل في هذا المعنى , لأنه لم يدخل في السؤال لأنه غير معهود الانتفاع بجلده , إذ لا تعمل الزكاة فيه ، وإنما دخل في هذا العموم , والله أعلم ، من الجلود ما لو زكي لاستغني عن الدباغ . ويحتمل أن يكون جلد الخنزير غير داخل في عموم هذا الخبر , لأنه إنما حرم على عموم المسوك كالتي إذا زكيت استغنت عن الدباغ , وأما جلد الخنزير فالزكاة فيه , والميتة سواء , لأنه لا تعمل فيه الزكاة . وذكر ابن القاسم عن مالك أنه خفف ذلك في جلود السباع , وكره جلود الحمير المزكاة . ودليل آخر وهو ما قاله النضر بن شميل أن الإهاب : جلد البقر , والغنم , والابل , وما عداها فإنما يقال له : جلد لا أهاب . قَالَ ابن القاسم : أما جلد السبع , والكلب : إذا زكي , فلا بأس ببيعه , والشرب فيه , والصلاة به , قَالَ أبو عمر : الزكاة عند مالك , وابن القاسم عاملة في السباع لجلودها , وغير عاملة في الحمير , والبغال لجلودها . والنهي عند جمهور أهل العلم في أكل كل ذي ناب أقوى من النهي عن أكل لحوم الحمر , لأن قوما قالوا : أن النهي عن الحمر , إنما كان لقلة الظهر . وقال آخرون : إنما نهى منها عن الجلالة , ولم يعتل بمثل هذه العلل في السباع . وقال عبد الملك بن حبيب : لا يحل بيع جلود السباع , ولا الصلاة فيها وإن دبغت إذا لم تذك , قَالَ : ولو زكيت لجلودها لحل بيعها , والصلاة فيها . قال أبو عمر : جعل التزكية لجلودها أكمل طهارة من دباغها , وهذا على ما ذكرنا من أصولهم في أن الزكاة عاملة في السباع لجلودها , وأن طهارة الدباغ ليست عندهم طهارة كاملة , ولكنها مبيحة للانتفاع فيما ذكروه على ما تقدم ذكره في هذا الباب , وهذا هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه , وأما أشهب ، فقال : جلد الميتة إذا دبغ لا أكره الصلاة فيه , ولا الوضوء منه , وأكره بيعه , ورهنه , فإن بيع , أو رهن لم أفسخه , قَالَ : وكذلك جلود السباع إذا زكيت , ودبغت وهي عندي أخف لموضع الزكاة مع الدباغ , فإن لم تذك جلود السباع ، فهي كسائر جلود الميتة إذا دبغت . قَالَ أشهب : وأما جلود السباع إذا زكيت , ولم تدبغ فلا يجوز بيعها , ولا ارتهانها , ولا الانتفاع بشيء منها في حال , ويفسخ البيع فيها , والرهن , ويؤدب فاعل ذلك , ألا أن يعذر بجهالة , لأن النبي صلى الله عليه وسلم حرم كل ذي ناب من السباع , فليست الزكاة فيها زكاة كما أنها ليست في الخنزير زكاة . قال أبو عمر : قول أشهب هذا , هو قول أكثر الفقهاء , وأهل الحديث , وقال الشافعي : جلود الميتة كلها تطهر بالدباغ , وكذلك جلد ما لا يؤكل لحمه إذا دبغ , إلا الكلب , والخنزير , فإن الزكاة والدباغ لا يعملان في جلودهما شيئا . قال أبو عمر : ولا تعمل الزكاة عند الشافعي في جلد ما لا يؤكل لحمه , وقد تقدم في باب إسماعيل بن أبي حكيم اختلاف العلماء فيما يؤكل لحمه , وما لا يؤكل من السباع , وحكى عن أبي حنيفة , أن الزكاة عنده عاملة في السباع , والحمر لجلودها , ولا تعمل الزكاة عنده في جلد الخنزير شيئا , ولا عند أحد من أصحابه . وكره الثوري جلود الثعالب , والهر , وسائر السباع , ولم ير بأسا بجلود الحمير . قال أبو عمر : هذا في الزكاة دون الدباغ , وأما الدباغ فهو عنده مطهر لجلود الثعالب , وغيرها , وقالت طائفة من أهل العلم : لا يجوز الانتفاع بجلود السباع لا قبل الدباغ ولا بعده مذبوحة كانت أو ميتة , وممن قَالَ هذا القول : الأوزاعي , وابن المبارك , وَإِسْحَاق , وأبو ثور , ويزيد بن هارون , واحتجوا بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم إنما أباح الانتفاع بجلد الميتة المدبوغ إذا كان مما يؤكل لحمه , لأن الخطاب الوارد في ذلك إنما خرج على شاة ماتت لبعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم , فدخل في ذلك كل ما يؤكل لحمه , وما لم يؤكل لحمه , فداخل في عموم تحريم الميتة , واستدلوا بقول أكثر العلماء في المنع من جلد الميتة بعد الدباغ , لأن الزكاة غير عاملة فيه , قالوا : فكذلك السباع لا تعمل فيها الزكاة لنهي رسول الله صلى الله عليه وسلم عن أكلها , ولا يعمل فيها الدباغ , لأنها ميتة لم يصح خصوص شيء منها . وزعموا أن قول من أجاز الانتفاع بجلد الخنزير بعد الدباغ شذوذ لا يعرج عليه . وحكى إسحاق بن منصور الكوسج , عن النضر بن شميل , أنه قَالَ في قول النبي صلى الله عليه وسلم : " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ طَهُرَ " . إنما يقال الإهاب : لجلود الإبل , والبقر , والغنم . وأما السباع فجلود . قَالَ الكوسج : وقال لي إسحاق بن راهوية : هو كما قَالَ النضر ابن شميل . وحجة الآخرين قوله صلى الله عليه وسلم : " أَيُّمَا إِهَابٍ دُبِغَ فَقَدْ ، فعم الأهب ، فعم الأهب كلها , فكل إهاب داخل تحت هذا الخطاب , إلا أن يصح إجماع في شيء من ذلك , فيخرج من الجملة وبالله التوفيق . أخبرنا عبد الرحمن بن يحيى , ويحيى بن عبد الرحمن , حدثنا أحمد بن سعيد , قَالَ : حدثنا محمد بن أحمد الزراد , قَالَ : حدثنا ابن وضاح , قَالَ : سألت سحنونا , عن لبس الفراء من القلينات , وقلت له : أنه بلغني فيها عنك شيء . وقلت : إنهم ليس يغسلونها , إنما يذبحونها , فيدبغونها بذلك الدم , قَالَ : وما ذلك الدم ؟ قَالَ : أليس يسيرا ؟ قلت : بلى , قَالَ : أو ليس يذهب مع الدباغ ؟ , قلت : بلى , قَالَ : لا بأس به ، إذا دبغ الإهاب , فقد طهر . واختلف الفقهاء في الدباغ الذي يطهر به جلود الميتة ما هو ؟ فقال أصحاب مالك وهو المشهور من مذهبه : كل شيء دبغ به الجلد من ملح , أو قرظ , أو شب , أو غير ذلك فقد جاز الانتفاع به , وكذلك قَالَ أبو حنيفة وأصحابه : أن كل شيء دبغ به جلد الميتة , فأزال شعره ورائحته , وذهب بدسمه ونشفه , فقد طهره , وهو بذلك الدباغ طاهر وهو قول داود . وذكر ابن وهب قَالَ : قَالَ يحيى بن سعيد : ما دبغت به الجلود من دقيق , أو قرظ , أو ملح , فهو لها طهور , وللشافعي في هذه المسألة قولان : أحدهما هذا , والآخر : أنه لا يطهره , إلا الشب , أو القرظ , لأنه الدباغ المعهود على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي خرج عليه الخطاب , والله الموفق .

السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده حسن رجاله ثقات عدا إسحاق بن إبراهيم القطان وهو صدوق حسن الحديث
شجرة الإسناد