حَدَّثَنَا خَلَفُ بْنُ قَاسِمٍ ° , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَحْمَدَ ° , حَدَّثَنَا أَبِي ° , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ حَمَّادِ بْنِ سُفْيَانَ الْكُوفِيُّ ° , حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ عَمْرٍو الْعَبْدِيُّ ° , حَدَّثَنَا يَزِيدُ بْنُ هَارُونَ ° , أَخْبَرَنَا مَالِكٌ ° , عَنِ ابْنِ شِهَابٍ ° , عَنْ سَهْلِ بْنِ سَعْدٍ السَّاعِدِيِّ ° , قَالَ : " نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالْحَيَوَانِ " وهذا حديث إسناده موضوع لا يصح عن مالك , ولا أصل له في حديثه
وَرَوَاهُ مَعْمَرٌ , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ , عَنْ سَعِيدِ بْنِ الْمِسَيِّبِ , أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " نَهَى عَنْ بَيْعِ اللَّحْمِ بِالشَّاةِ الْحَيَّةِ " . هذا لفظ حديث معمر , قَالَ زيد ابن أسلم : نظرة ، ويدا بيد . هكذا قَالَ معمر , عن زيد بن أسلم وقد اختلف الفقهاء في القول بهذا الحديث , وفي معناه : فكان مالك يقول : المراد من هذا الحديث تحريم التفاضل في الجنس الواحد , وهو عنده من باب المزابنة والغرر , لأنه لا يدري هل في الحيوان مثل اللحم الذي أعطى أو أقل أو أكثر . وبيع اللحم باللحم لا يجوز متفاضلا , فكذلك بيع الحيوان باللحم إذا كانا من جنس واحد , والجنس الواحد عنده : الإبل , والبقر , والغنم , وسائر الوحش , وذوات الاربع المأكولات , هذا كله عنده جنس واحد , لا يجوز بيع لحمه بلحمه إلا مثلا بمثل , وقد أجازه على التحري , ولا يجوز حيوانه بلحمه عنده أصلا من أجل المزابنة . ومن هذا الباب عنده الشيرق بالسمسم , والزيت بالزيتون , لا يجوز شيء منه على حال , والطير كله عنده جنس واحد , والحيتان كلها جنس واحد . وما ذكرت لك من أصله في بيع الحيوان باللحم , هو المذهب المعروف عنه , وعليه أصحابه إلا أشهب , فإنه لا يقول بهذا الحديث , ولا بأس عنده ببيع اللحم بالحيوان من جنسه وغير جنسه , حكى ذلك محمد بن عبد الله بن عبد الحكم وغيره عنه , قَالَ ابن القاسم : من سلم في دجاج , فأخذ فيها عند حلول الأجل طيرا من طير الماء لم يجز , لأن طير الماء إنما يراد للأكل لا لغيره , وقال أشهب : ذلك جائز . وقال الفضل بن سلمة : كان ابن القاسم لا يجيز حي ما يقتني بحي ما لا يقتني لا مثلا بمثل , ولا متفاضلا , للحديث الذي جاء فيه النهي عن اللحم بالحيوان , وأجاز حي ما يقتني بحي ما يقتني متفاضلا , وأجاز حي ما لا يقتني بحي ما لا يقتني على التحري , قَالَ الفضل : لأنه أن كان لحما , فلا بأس ببيع بعضه ببعض على التحري , وإن كان حيوانا ، فهو يجوز متفاضلا , فكيف تحريا . قال أبو عمر : قد قَالَ غيره من المالكيين : لا يجوز التحري في المذبوح إذا لم يسلخ ويجرد , ويوقف على ما يمكن تحريه منه , وهو الصحيح من القول في ذلك أن شاء الله , قَالَ الفضل : وكان أشهب يجيز حي ما لا يقتني , بحي ما لا يقتني ، وبحي ما يقتني متفاضلا , فكذلك أجاز أن يأخذ في الدجاج والأوز طيرا من طير الماء . قال أبو عمر : إذا اختلف الجنسان فلا خلاف عن مالك , وأصحابه أنه جائز بيع الحيوان حينئذ باللحم , وقال أبو حنيفة , وأبو يوسف : لا بأس باللحم بالحيوان من جنسه ومن غير جنسه على كل حال بغير اعتبار , وهو قول أشهب . وقال محمد بن الحسن : لا يجوز إلا على الاعتبار . قال أبو عمر : الاعتبار عنده نحو التحري عند ابن القاسم , فافهم , وقال من غير الليث بن سعد , والشافعي , وأصحابه : لا يجوز بيع اللحم بالحيوان على كل حال من جنسه , ولا من غير جنسه على عموم الحديث . قال أبو عمر : قال الشافعي : بهذا الحديث وإن كان مرسلا , وأصله أن لا يقبل المراسيل إلا مراسيل سعيد بن المسيب , فإنه زعم أنه افتقدها , فوجدها صحاحا . قَالَ أبو يحيى زكرياء بن يحيى الساجي : سمعت عيسى بن شاذان يقول : إرسال سعيد بن المسيب ، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوازي إسناد غيره . وقال المزني : القياس أن يجوز , إلا أن يثبت فيه الحديث , فلا يجوز اتباعا للأثر , وتركا للقياس . قال أبو عمر : فقهاء المدينة على كراهية بيع الحيوان باللحم , وهو العمل عندهم . وممن روى ذلك عنهم : سعيد بن المسيب , وأبو بكر بن عبد الرحمن بن الحرث بن هشام , وعروة بن الزبير , والقاسم بن محمد , كلهم كانوا يحرمون بيع اللحم بالحيوان عاجلا وآجلا , وذكر مالك , عن أبي الزناد , قَالَ : كل من أدركت ينهى عن بيع الحيوان باللحم , قَالَ أبو الزناد : وكان يكتب ذلك في عهود العمال في زمان أبان بن عثمان , وهشام بن إسماعيل , قَالَ أبو الزناد : وسمعت سعيد بن المسيب , يقول : نهى عن بيع الحيوان باللحم , قَالَ : فقلت لسعيد بن المسيب : أرأيت رجلا اشترى شارفا بعشر شياه ؟ فقال سعيد : أن كان اشتراها لينحرها فلا خير في ذلك . وذكر مالك أيضا , عن داود بن الحصين , أنه سمع سعيد بن المسيب يقول : كان من ميسر أهل الجاهلية بيع الحيوان باللحم , بالشاة والشاتين , وهذا يدل على مذهب مالك في هذا الباب أنه من طريق القمار والمزابنة ، والله أعلم , لأنه ذكر الميسر وهو القمار , قَالَ إسماعيل بن إسحاق : وإنما دخل ذلك في معنى المزابنة , لأن الرجل ولو قَالَ للرجل : أنا أضمن لك من جزورك هذه , أو من شاتك هذه كذا , وكذا رطلا , فما زاد فلي , وما نقص فعلي , كان ذلك هو المزابنة , فلما لم يجز ذلك لهم , لم يجز أن يشتروا الجزور , ولا الشاة بلحم , لأنهم يميلون إلى ذلك المعنى , قَالَ : ولهذا قَالَ سعيد بن المسيب : أن كان اشترى الشارف لينحرها , فلا خير في ذلك , قَالَ إسماعيل : لأنه إذا اشتراها لينحرها , فكأنه اشتراها بلحم , ولو كان لا يريد نحرها لم يكن بذلك بأس , لأن الظاهر أنه اشترى حيوانا بحيوان , فوكل إلى نيته وأمانته . قال أبو عمر : قد أوضحنا مذهب مالك وغيره في المزابنة في باب داود بن الحصين , ومن ذهب إلى كراهية بيع الحيوان بأنواع اللحوم , فالحجة له ظاهر الحديث , لأن حقيقة الكلام أن يكون على عمومه , ويحمل على ظاهره , إلا أن يزيحه عن ذلك دليل يجب التسليم لمثله . وروى عن ابن عباس في هذا روايتان : احداهما إجازة بيع اللحم بالشاة , والثانية كراهية ذلك , وهو الأشهر عنه . وروى عن ابن عباس أيضا , أن جزورا نحرت على عهد أبي بكر الصديق , فقسمت على عشرة أجزاء , فقال رجل : أعطوني جزءا بشاة , فقال أبو بكر : لا يصلح هذا . قَالَ الشافعي : ولا أعلم مخالفا من الصحابة لأبي بكر في ذلك . وروى الثوري أيضا , عن يحيى بن سعيد , عن سعيد بن المسيب , أنه كره أن يباع حي بميت ، يعني الشاة المذبوحة بالقائمة , قَالَ سفيان : ولا نرى به بأسا ، ذكره عبد الرزاق عن الثوري . قال أبو عمر : جملة مذهب مالك في هذا الباب , أن الأزواج الثمانية وهي : الإبل , والبقر , والضأن , والمعز , وكذلك الجواميس , والظباء , وحمر الوحش , وكل ذي أربع مما يجوز أكله , كل ذلك صنف واحد لا يجوز حيوان منه بلحم بعضه على حال , ولا لحم بعضه ببعض , إلا مثلا بمثل , ولحوم الطير كلها صنف واحد : الإوز , والبط , والدجاج , والنعام , والحدأ , والرخم , والنسور , والعقبان , والغراب , والحمام , واليمام , وكل ذي ريش من طير الماء , وطير البر , لا يجوز حي ذلك كله بمذبوح شيء منه على حال , ولا يجوز لحم شيء منه بشيء من الجنس المذكور , إلا مثلا بمثل , ويجوز على التحري , قَالَ ابن عبد الحكم : لا يجوز التحري , إلا فيما قل مما يدرك ويلحقه التحري , وأما ما كثر ، فلا يجوز فيه التحري , لأنه لا يحاط بعلمه , ويجوز لحم الطير بحي الأنعام , وذوات الأربع يدا بيد , وإلى أجل ، إذا كان المذبوح معجلا قد حسر عن لحمه وعرف , وكانت القنية تصلح في الحي منهما , وأما ما يستحيي ويقتني من الجنسين جميعا , فلا بأس بواحد منه باثنين يدا بيد , فإذا اختلف الجنسان جازا لأجل . هذا كله هو المشهور من مذهب مالك وأصحابه , إلا أشهب على ما ذكرت لك , وعلى مذهب الشافعي لا يجوز حي بميت من جميع اللحوم والحيوان وعلى مذهب أبي حنيفة ذلك كله جائز ، وله حجج كثيرة من طريق الاعتبار تركت ذكرها .