← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#706 مقبول 4 : 332 ☰ حديث سادس وعشرون لزيد بن أسلم مرسل
A− A+

وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِبْرَاهِيمَ بْنِ سَعِيدٍ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ مُعَاوِيَةَ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ شُعَيْبٍ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ° , قَالَ : أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ ° , قَالَ : حَدَّثَنَا حُمَيْدٌ ° , عَنْ أَنَسٍ ° , أن رَجُلا أَتَى النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَسَأَلَهُ , عَنْ وَقْتِ صَلاةِ الْغَدَاةِ , فَلَمَّا أَصْبَحْنَا مِنَ الْغَدِ , أَمَرَ حِينَ انْشَقَّ الْفَجْرُ أَنْ تُقَامَ الصَّلاةُ , فَصَلَّى بِنَا , فَلَمَّا كَانَ مِنَ الْغَدِ أَسْفَرَ , ثُمَّ أَمَرَ فَأُقِيمَتِ الصَّلاةُ , فَصَلَّى بِنَا , ثُمَّ قَالَ : " أَيْنَ السَّائِلُ عَنْ وَقْتِ الصَّلاةِ ؟ , مَا بَيْنَ هَذَيْنِ وَقْتٌ "

وهذا إسناد صحيح متصل بلفظ حديث عطاء بن يسار ومعناه , وقد روى من حديث جابر عن النبي صلى الله عليه وسلم مثله ، وبلغني أن سفيان بن عيينة حدث بهذا الحديث , عن زيد بن أسلم , عن عطاء بن يسار , عن أنس بن مالك , عن النبي صلى الله عليه وسلم وما أدري كيف صحة هذا عن سفيان ؟ وأما الحديث عن زيد بن أسلم , فالصحيح فيه أنه من مرسلات عطاء ، والله أعلم , وفي هذا الحديث من الفقه تأخير البيان عن وقت السؤال إلى وقت آخر يجب فيه فعل ذلك , إذا كان لعله جائز عند أكثر أهل العلم , وأما تأخير البيان عن حين تكليف الفعل , والعمل حتى ينقضي وقته ، فغير جائز عند الجميع , وهذا باب طال فيه الكلام بين أهل النظر من أهل الفقه , فمن أجاز تأخير البيان في هذا الباب احتج من جهة الأثر بهذا الحديث وما أشبهه , وبقوله صلى الله عليه وسلم : " فِي حَجَّتِهِ خُذُوا عَنِّي مَنَاسِكَكُمْ " والمناسك لم تتم إلا في أيام , وقد كان يمكنه أن يعلمهم ذلك قولا ، في مدة أقرب من مدة تعليمه إياهم عملا , وكذلك قد كان قادرا على أن يبين للسائل ميقات تلك الصلاة , وسائر الصلوات بقوله في مجلسه ذلك ، ولكنه أخر ذلك ليبين ذلك له عملا , ولم يمتنع من ذلك لما يخاف عليه من احترام المنية , لأن الله عز وجل , قد كان أنبأه , والله أعلم , أنه لا يقبضه حتى يكمل به الدين , ويبين للأمة على لسانه ما يتوصل به إلى معرفة الأحكام , وكذلك فعل صلى الله عليه وسلم , ولله الحمد كثيرا . وقد يكون البيان بالفعل أثبت أحيانا فيما فيه عمل من القول , وَقَدْ قَالَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " لَيْسَ الْخَبَرُ كَالْمُعَايَنَةِ " . رَوَاهُ ابْنُ عَبَّاسٍ ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وَلَمْ يَرْوِهِ غَيْرُهُ ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ . ومعلوم أن الصدر الأول لم يخبروا بما سمعوا من الأخبار ضربة واحدة , بل كانوا يخبرون بالشيء على حسب الحال , ونزول النوازل , وكذلك الأخبار المستفيضة أيضا , لم تقع ضربة واحدة , والكلام في هذا الباب يطول جدا , وليس هذا موضعه , وفيما لوحنا به منه كفاية وتنبيه أن شاء الله تعالى . وفي هذا الحديث أيضا أن أول وقت صلاة الصبح طلوع الفجر , وإن وقتها ممدود إلى آخر الإسفار حتى تطلع الشمس . فأما أول وقتها , فلا خلاف بين علماء المسلمين أنه طلوع الفجر على ما في هذا الحديث وغيره وهو إجماع , فسقط الكلام فيه , والفجر هو أول بياض النهار الظاهر المستطير في الأفق المستنير المنتشر , تسميه العرب الخيط الأبيض , قَالَ الله عز وجل : حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ سورة البقرة آية 187 يريد بياض النهار من سواد الليل , قَالَ أبو دؤاد الإيادي : فلما أضاءت لنا سدفة ولاح من الصبح خيط أنارا وقال آخر : قد كاد يبدو أو بدت تباشره وسدف الليل البهيم ساتره وقد سمته أيضا الصديع , ومنه قولهم : أنصدع الفجر , قَالَ بشر بن أبي خازم , أو عمرو بن معدي كرب : به السرحان مفترشا يديه كأن بياض لبته الصديع . وشبهه الشماخ بمفرق الرأس , فقال : إذا ما الليل كان الصبح فيه أشق كمفرق الرأس الدهين . ويقولون للأمر الواضح : هذا كفلق الصبح , وكانبلاج الفجر ، وتباشير الصبح ، قَالَ الشاعر : فوردت قبل انبلاج الفجر وابن ذكاء كامن في كفر وذكاء الشمس , فسمى الصبح ابن ذكاء . والكفر : ظلمة الليل , ويقال لليل كافر ، لتغطيته الأشياء بظلمته , وأما آخر وقتها فكان مالك فيما حكى عنه ابن القاسم , يقول : آخر وقت صلاة الصبح الإسفار , كأنه ذهب إلى هذا الحديث , لأنه صلاها في اليوم الثاني حين أسفر , ثم قَالَ : " ما بين هذين وقت , فكان ظاهر قوله , أن ما عدا هذين , فليس بوقت , ومعنى قوله : ما بين هذين وقت , يريد هذين وما بينهما وقت , وأما الشافعي , والثوري , وجمهور الفقهاء , وأهل الآثار , فإنهم قالوا : آخر صلاة الصبح أن تدرك منها ركعة قبل طلوع الشمس , وروى مثل ذلك عن مالك أيضا , فبان بذلك أن قوله في رواية ابن القاسم عنه : آخر وقت صلاة الصبح الإسفار ، أنه أراد الوقت المستحب , ويوضح ذلك أيضا أنه لا خلاف عنه , ولا عن أصحابه أن مقدار ركعة قبل طلوع الشمس عندهم وقت في صلاة الصبح لأصحاب الضرورات , وأن من أدرك منهم ذلك ، لزمته الصلاة لقوله صلى الله عليه وسلم : " مَنْ أَدْرَكَ رَكْعَةً مِنَ الصُّبْحِ قَبْلَ أَنْ تَطْلُعَ الشَّمْسُ ، فَقَدْ أَدْرَكَ الصُّبْحَ " . وقيل : أن هذا الحديث أيضا دليل على أن أول الوقت وآخره سواء , وبهذا نزع من قَالَ : أن لا فضل لأول الوقت على آخره ، لقوله صلى الله عليه وسلم : " ما بين هذين وقت " ، قَالَ بذلك قوم من أهل الظاهر , وخالفهم جماعة من الفقهاء , ونزعوا بأشياء , سنذكر بعضها في هذا الباب أن شاء الله . والذي في قوله : " ما بين هذين وقت " مما لا يحتمل تأويلا سعة الوقت , وبقي التفضيل بين أوله وآخره موقوفا على الدليل . واختلف الفقهاء في الأفضل في وقت صلاة الصبح , فذهب العراقيون أبو حنيفة , وأصحابه , والثوري , والحسن بن حي , وغيرهم ، إلى أن الإسفار بها أفضل من التغليس في الأزمنة كلها : في الشتاء والصيف , واحتجوا بحديث رافع بن خديج , وما كان مثله عن النبي صلى الله عليه وسلم في ذلك . وحديث رافع يدور على عاصم بن عمر بن قتادة , وليس بالقوي . رواه عنه محمد بن إسحاق , وابن عجلان وغيرهما .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
◈ تتبّع طرق هذه الرواية — الحلقة المشتركة ↗
الحكم على السند · الحكم على الإسناد
إسناده متصل ، رجاله ثقات
شجرة الإسناد