← التمهيد لابن عبد البر
التمهيد لابن عبد البر
#988 6 : 140 ☰ حديث ثان للزهري عن أنس
A− A+

وَرَوَى اللَّيْثُ بْنُ سَعْدٍ ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، عَنْ أَبِي الزُّبَيْرِ ، أَنَّهُمْ " شَيَّعُوا جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ وَهُوَ مَرِيضٌ ، فَصَلَّى بِهِمْ قَاعِدًا ، وَصَلُّوا مَعَهُ قُعُودًا "

وقَالَ جمهور أهل العلم : لا يجوز لأحد أن يصلي فِي شيء من الصلوات المكتوبات جالسا وهو صحيح ، قادر على القيام ، لا إماما ولا منفردا ، ولا خلف إمام ، ثم اختلفوا فمنهم من أجاز صلاة القائم خلف القاعد المريض ، لأن كلا يؤدي فرضه على قدر طاقته ، اقتداء وتأسيا برَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إذ صلى فِي مرضه الذي توفي فِيهِ قاعدا ، وأبو بكر إلى جنبه قائما يصلي بصلاته ، والناس قيام خلفه يصلون بصلاته ، فلم يشر إلى أَبِي بكر ولا إليهم بالجلوس ، وأكمل صلاته بهم جالسا وهم خلفه قيام ، ومعلوم أن ذلك كان منه بعد سقوطه عن فرسه وصلاته حينئذ قاعدا ، وقوله : " فإذا صلى جالسا فصلوا جلوسا " فعلم أن الآخر من فعلَهُ ناسخ للأول ، فإنهم ما قاموا خلفه وهو جالس ، إلا لعلمهم بأنه قد نسخ ذلك بفعلَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، والدليل على أن حديث هَذَا الباب منسوخ بما كان منه فِي مرضه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إجماع العلماء على أن حكم القيام فِي الصلاة على الإيجاب لا على التخيير ، ولما أجمعوا على أن القيام فِي الصلاة لم يكن فرضه قط على التخيير ، وجب طلب الدليل على النسخ فِي ذلك ، وقد صح أن صلاة أَبِي بكر والناس خلفه قياما وهو قاعد فِي مرضه الذي توفي فِيهِ ، متأخر عن صلاته فِي حين سقوطه عن فرسه ، فبان بذلك أنه ناسخ لذلك ، وممن ذهب هَذَا المذهب ، واحتج بنحو هذه الحجة : الشافعي ، وداود بن علي ، وأصحابهما ، وقد أوضحنا معاني الآثار فِي صلاة النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي مرضه ، وآتينا على حكاية قول من قَالَ : كان أَبُو بكر المقدم فِي تلك الصلاة ، ومن قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِيهَا المقدم ، فِي باب هشام بن عروة بما يغني عن ذكره هاهنا ، وقد روى الوليد بن مسلم ، عَنْ مَالِكٍ ، أنه أجاز للإمام المريض أن يصلي بالناس جالسا وهم قيام ، قَالَ : وأحب إلى أن يقوم إلى جنبه من يعلم الناس بصلاته ، وهذه الرواية غريبة عن مالك ومذهبه عند أصحابه على خلاف ذلك . ذكر أَبُو المصعب ، عَنْ مَالِكٍ ، فِي مختصره ، قَالَ : لا يؤم الناس أحد قاعدا ، فإن أمهم قاعدا ، فسدت صلاته وصلاتهم ، لأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا " قَالَ : فإن كان الإمام عليلا تمت صلاة الإمام وفسدت صلاة من خلفه ، قَالَ : ومن صلى قاعدا علة ، أعاد الصلاة . قَالَ أَبُو عمر : فعلى رواية أَبِي المصعب هذه عن مالك فِي قوله فِي الإمام المريض : يصلي جالسا بقوم قيام ، أن صلاة من خلفه فاسدة تجب الإعادة عليهم فِي الوقت وغيره ، وقد روى عن مالك فِي هذه أنهم يعيدون فِي الوقت خاصة ، وذلك عندي واللَّه أعلم ، لما ذكره فِي موطئه : عَنْ هِشَامِ بْنِ عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَنَّ أَبَا بَكْرٍ " كَانَ يُصَلِّي بِصَلاةِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَهُوَ جَالِسٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ إِلَى جَنْبِهِ قَائِمٌ ، وَالنَّاسُ قِيَامٌ خَلْفَ أَبِي بَكْرٍ " . ولما رواه الموطأ عن ربيعة أن أبا بكر كان المقدم ، وأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان يصلي بصلاته ، فلما رأى الاختلاف فِي ذلك احتاط فرأى الإعادة فِي الوقت ، لأن كلا قد أدى فرضه على حسب حاله ، وكثير من مذهبه احتياطا . قَالَ أَبُو عمر : قد احتج محمد بن الحسن لقوله ومذهبه فِي هَذَا الباب بالحديث الذي ذكره أَبُو المصعب ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لا يؤمن أحد بعدي قاعدا " ، وهو حديث لا يصح عند أهل العلم بالحديث ، إنما يرويه جابر الجعفِي ، عن الشعبي مرسلا ، وجابر الجعفِي لا يحتج بشيء يرويه مسندا ، فكيف بما يرويه مرسلا ، وأما قول محمد بن الحسن فِي هَذَا الباب ، فإنه قَالَ : إذا صلى الرجل لمرض به قاعدا ، يركع ويسجد ، ولا يطيق إلا ذلك ، بقوم قيام يركعون ويسجدون ، فإن صلاته جائزة ، وصلاة من خلفه ممن لا يستطيع القيام حكمه كحكمه جائزة أيضا ، وصلاة من صلى خلفه ممن حكمه القيام باطلة ، وقَالَ أَبُو حنيفة ، وأبو يوسف : صلاته وصلاتهم جائزة ، وقَالُوا : لو صلى وهو يومئ بقوم يركعون ويسجدون ، لم يجزهم فِي قولهم جميعا ، وأجزأت الإمام صلاته ، وكان زفر يقول : تجزيهم صلاتهم لأنهم صلوا على فرضهم ، وصلى إمامهم على فرضه ، وأما ابن قاسم ، فإنه قَالَ : لا يأتم القائم بالجالس فِي فريضة ولا نافلة ، ولا بأس أن يأتم الجالس بالقائم ، قَالَ : ولا ينبغي أن يؤم أحد فِي نافلة ولا فِي فريضة قاعدا ، قَالَ : وإن عرض للإمام ما يمنعه من القيام استخلف ، واختلف أصحاب مالك فِي إمامة المريض بالمرضى جلوسا ، فأجازها بعضهم ، وكرهها أكثرهم ، ولم يختلفوا فِيمن صلى شيئا من فرضه جالسا ، وهو قادر على القيام أن عليه الإعادة أبدا . وَذَكَرَ سُحْنُونٌ ، عَنِ ابْنِ الْقَاسِمِ ، عَنْ مَالِكٍ ، عَنْ رَبِيعَةَ بْنِ أَبِي عَبْدِ الرَّحْمَنِ ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ وَهُوَ مَرِيضٌ ، وَأَبُو بَكْرٍ يُصَلِّي بِالنَّاسِ ، فَجَلَسَ إِلَى جَنْبِ أَبِي بَكْرٍ ، فَكَانَ أَبُو بَكْرٍ الإِمَامَ ، وَكَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يُصَلِّي بِصَلاةِ أَبِي بَكْرٍ ، وَقَالَ : " مَا مَاتَ نَبِيٌّ حَتَّى يَؤُمُّهُ رَجُلٌ مِنْ أُمَّتِهِ " قَالَ ابن القاسم : قَالَ مالك : والعمل عندنا على حديث ربيعة هَذَا ، وهو أحب إلى أَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ صلى بصلاة أَبِي بكر . قَالَ سحنون : بهَذَا الحديث أخذ ابن القاسم ، وليس فِي الموطأ . قَالَ أَبُو عمر : أكثر الآثار الصحاح المسندة فِي هَذَا الباب ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كان المقدم ، وإن أبا بكر كان يصلي بصلاة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائما ، والناس يصلون بصلاة أَبِي بكر ، وهو الذي أقره مالك رحمه اللَّه فِي الموطأ ، وقرئ عليه إلى أن مات ، وسنبينه فِي باب هشام بن عروة إن شاء اللَّه . وأجمع العلماء مع اختلاف مذاهبهم فِي هَذَا الباب على استحباب الاستخلاف للمريض من الأئمة من يصلي بالناس ، كما فعل رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حين مرض ، فَقَالَ : " مروا أبا بكر ، فليصل بالناس " فإن صلى بهم وهو مريض ، فللعلماء فِي ذلك ما ذكرنا وباللَّه توفيقنا . وأما قوله فِي الحديث : " وإذا ركع ، فاركعوا ، وإذا رفع فارفعوا " فإنه يدل على أن عمل المأموم يكون بعقب عمل الإمام وبعده بلا فصل ، لأن الفاء توجب التعقيب والاستعجال ، وليست مثل ثم التي توجب التعقيب والتراخي ، واختلف قول مالك فِي ذلك ، فروى عنه أن عمل المأموم كله مع عمل الإمام ركوعه وسجوده ، وخفضه ورفعه ، ما خلا الإحرام والتسليم فإنه لا يكون إلا بعد عمل الإمام وبعقبه ، وروى عنه مثل ذلك أيضا ما خلا الإحرام ، والقيام من اثنتين ، والسلام ، وكان شيخنا أَبُو عمر أحمد بن عَبْدِ الْمَلِكِ بن هاشم رحمه اللَّه يذهب إلى الرواية الأولى ، ورأيته مرارا لا أحصيها كثرة يقوم مع الإمام فِي حين قيامه من اثنتين ، ولا يراعي اعتداله ولا تكبيره ، وكان يقول : هي أصح عَنْ مَالِكٍ ، وقد روى عن مالك أيضا ، أن الأحب إليه فِي هذه المسألة أن يكون عمل المأموم بعد عمل الإمام وبعقبه فِي كل شيء . قَالَ أَبُو عمر : هَذَا أحسن لما

السند · الإسناد بالترتيب
الليث بن سعد←يحيى بن سعيد←أبي الزبير←سحنون←ابن القاسم←مالك←ربيعة بن أبي عبد الرحمن