44 وَرَوَى مَالِكٌ ° , عَنْ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ ° , عَنْ أَبِيهِ ° , قَالَ : سَمِعْتُ عُمَرَ ° يَقُولُ : " لَوْلا أَنْ يُتْرَكَ آخِرُ النَّاسِ لا شَيْءَ لَهُمْ مَا افْتَتَحَ الْمُسْلِمُونَ قَرْيَةً إِلا قَسَمْتُهَا سُهْمَانًا كَمَا قَسَمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَيْبَرَ سُهْمَانًا "
وهذا يدل على أن أرض خيبر قسمت كلها سهمانا كما قَالَ ابن إسحاق , وأما قول من قَالَ : إن خيبر كان بعضها صلحا وبعضها عنوة , فقد وهم وغلط , وإنما دخلت عليه الشبهة بالحصنين اللذين أسلمهما أهلهما لحقن دمائهم , فلما لم يكن أهل ذينك الحصنين من الرجال والنساء والذرية مغنومين , ظن أن ذلك صلح , ولعمري إنه في الرجال والنساء والذرية لضرب من الصلح , ولكنهم لم يتركوا أرضهم إلا بالحصار والقتال , فكان حكم أرض ذينك الحصنين كحكم سائر أرض خيبر كلها غنيمة مغلوبا عليها عنوة مقسومة بين أهلها , وربما شبه على من قَالَ : إن نصف خيبر صلح , ونصفها عنوة بِحَدِيثِ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ , عَنْ بَشِيرِ بْنِ يَسَارٍ , أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسَمَ خَيْبَرَ نِصْفَيْنِ , نِصْفًا لَهُ , وَنِصْفًا لِلْمُسْلِمِينَ " . وَهَذَا لَوْ صَحَّ لَكَانَ مَعْنَاهُ أَنَّ النِّصْفَ لَهُ مَعَ سَائِرِ مَنْ وَقَعَ فِي ذَلِكَ النِّصْفِ مَعَهُ , لأَنَّهَا قُسِمَتْ عَلَى سِتَّةٍ وَثَلاثِينَ سَهْمًا , فَوَقَعَ سَهْمُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَطَائِفَةٍ مَعَهُ فِي ثَمَانِيَةَ عَشَرَ سَهْمًا مِنْهَا , وَوقع سائر الناس في باقيها , وكلهم ممن شهد الحديبية , ثم شهد خيبر , وليست الحصون التي أسلمها أهلها بعد الحصار والقتال صلحا , ولو كانت صلحا لملكها أهلها , كما يملك أهل الصلح أراضيهم وسائر أموالهم , فالحق في هذا والصواب ما قاله ابن إسحاق دون ما قاله موسى وغيره عن ابن شهاب , والله أعلم , قَالَ أَبُو عمر : قسم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خيبر , وأخرج الخمس مما قسم , ولم يقدر أهلها على عمارتها وعملها , فأقر اليهود فيها على العمل في النخل والأرض , وقال لهم : " أقركم ما أقركم اللَّه " , ثم أذن اللَّه له في مرضه الذي مات فيه بإخراجهم , فقال : " لا يبقين دينان بأرض العرب " , وقال عليه السلام : " أخرجوا اليهود والنصارى من أرض الحجاز " ولم يكن بقي يومئذ بها مشرك وثنى , ولا بأرض اليمن أيضا إلا أسلم في سنة تسع وسنة عشر , فلما بلغ عمرَ بْنَ الخطاب رضي اللَّه عنه في خلافته قوله عليه السلام : " أخرجوا اليهود والنصارى من أرض العرب " أجلاهم عنها , فأخذ المسلمون سهامهم في خيبر فتصرفوا فيها تصرف المالكين , قَالَ ابن إسحاق : وكان المتولي للقسمة بخيبر جبار بْن صخر الأنصاري من بني سلمة , وزيد بْن ثابت من بني النجار كانا حاسبين قاسمين , وكانت قسمة خيبر لأهل الحديبية من حضر الوقيعة بخيبر ومن لم يحضرها , لأن اللَّه أعطاهم ذلك في سفر الحديبية , ولذلك قَالَ موسى بْن عقبة : لم يقسم من خيبر شيء إلا لمن شهد الحديبية , وروى ذلك عن جماعة من السلف . قَالَ ابن إسحاق : فوقع سهم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وعمر , وعلي , وطلحة , وعبد الرحمن بْن عوف , وعاصم بْن عدي , وسهام بني سلمة , وسهام بني حارثة , وبني ساعدة , وبني النجار , وغفار , وأسلم , وجهينة , واللفيف , كلها وقعت في الشق , ووقع سهم أبي بكر , والزبير , وسهام بني بياضة , وبني الحارث بْن الخزرج , ومزينة , بالنطاة , وَلِذِكْرِ سهامهم وأقسامهم موضع غير هذا , وكان عبيد بْن أوس من بني حارثة قد اشترى يومئذ من سهام الناس سهاما كثيرة , فسمى يومئذ عبيد السهام , واشترى عمر بْن الخطاب مائة سهم من سهام المسلمين , فهي صدقته الباقية إلى اليوم , وأما فدك فلم يُوجَفْ عليها بخيل ولا ركاب , فكانت كبني النضير خالصة لرسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ومن العجب قول من قَالَ : إن الكتيبة لم تفتح عنوة , وإنها من صدقات النبي عليه السلام , إلا أن ينزل سهم النبي عليه السلام فيها مع المؤمنين , وإلا فلا وجه لقوله غير هذا , وبالله التوفيق , وفي غزوة خيبر حرم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحوم الحمر الأهلية , لم تختلف الآثار في ذلك , واختلف في حين تحريم المتعة بعد إباحتها , وقد ذكرنا الآثار بذلك في التمهيد , وفيها أهدت اليهودية زينب بنت الحارث امرأة سلام بْن مشكم إلى رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشاة المصلية , وسمت له منها الذراع , وكان أحبَّ اللحم إليه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فلما تناول الذراع ولاكها لفظها ورمى بها , وقال : " إِنَّ هَذَا الْعَظْمَ يُخْبِرُنِي أَنَّهُ مَسْمُومٌ , وَدَعَا بِالْيَهُودِيَّةِ , فَقَالَ : مَا حَمَلَكِ عَلَى هَذَا ؟ " فقالت : أردت أن أعلم إن كنت نبيا , وعلمت أن اللَّه إن أراد بقاءك أعلمك , فلم يقتلها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , وأكل من الشاة معه بِشْرُ بْن البراء بْن معرور فمات من أكلته تلك , وكان المسلمون يوم خيبر ألفا وأربع مائة راجل ومائتي فارس . تسمية من استشهد من المسلمين يوم خيبر : ربيعة بْن أكثم بْن سخبرة الأسدي من بني غنم بْن دودان بْن أسد بْن خزيمة , وثقف بْن عمرو , ورفاعة بْن مسروح , وكلهم من بني أسد حلفاء لبني عَبْد شمس , ومسعود بْن ربيعة القاري , من القارة , حليف لبني زهرة , وعبد اللَّه بْن الهبيب , ويقال : ابن أهيب الليثي , حليف لبني أسد بْن عبد العزى بْن قصي وابن أختهم , وبشر بْن البراء بْن معرور من بني سلمة مات من أكله مع رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الشاة المسمومة , وفضيل بْن النعمان من بني سلمة أيضا , ومسعود بْن سعد بْن قيس الأنصاري الزرقي , ومحمود بْن مسلمة بْن خالد أخو مُحَمَّد بْن مسلمة من الأوس , حليف لبني عَبْد الأشهل , وأبو ضياح ثابت بْن ثابت بْن النعمان من بني عمرو بْن عوف من أهل قباء , ومبشر بْن عَبْد المنذر بْن دينار من بني مالك بْن عمرو بْن عوف , والحارث بْن حاطب , وأوس بْن قتادة , وعروة بْن مرة بْن سراقة , وأوس بْن الفاكه , وأنيف بْن حبيب , وثابت بْن واثلة بْن طلحة , والأسود الراعي واسمه أسلم , وكل هؤلاء من بني عمرو بْن عوف , ومن بني غفار عمارة بْن عقبة بْن حارثة , أصابه سهم فقتله , وَمِنْ أَسْلَمَ عَامِرُ بْن الأكوع . قدوم بقية المهاجرين إلى الحبشة : وقدم جعفر بْن أبي طالب في جماعة من أرض الحبشة بإثر فتح خيبر , فقال رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " والله ما أدري أبقدوم جعفر أنا أُسَرُّ وأفرح ؟ أم بفتح خيبر ؟ " , وقدم مع جعفر امرأته أسماء بنت عميس وابنها عَبْد اللَّهِ بْن جعفر , وخالد بْن سعد بْن العاصي بْن أمية معه امرأته أمينة بنت خلف وابناها سعيد وأمية , وعمرو بْن سعيد بْن العاصي بْن أمية , وكانت امرأته فاطمة بنت صفوان الكنانية قد ماتت بأرض الحبشة , ومعيقيب بْن أبي فاطمة حليف آل سعيد بْن العاصي , وأبو موسى الأشعري , قيل : إنه حليف عتبة بْن ربيعة , والأسود بْن نوفل بْن خويلد بْن أسد , وجهم بْن قيس بْن عَبْد شرحبيل العبدري , وابناه عمرو بْن جهم وخزيمة بْن جهم , وكانت امرأة جهم بْن قيس أم حرملة بنت عَبْد الأسود قد هلكت بأرض الحبشة , والحارث بْن خالد بْن صخر التيمي , وكانت امرأته ريطة بنت الحارث بْن جبيلة قد هلكت بأرض الحبشة , وعثمان بْن ربيعة بْن أهبان الجمحي , ومحمية بْن جزء الزبيدي حليف لبني سهم بْن هصيص , ولاه رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الخمس , ومعمر بْن عَبْد اللَّهِ بْن نضلة العدوي , وأبو حاطب بْن عمرو بْن عَبْد شمس العامري , ومالك بْن زمعة بْن قيس العامري , ومعه امرأته عمرة بنت السعدي بْن وقدان , وطائفة معهم , وقد أتى من مهاجرة قبل ذلك بسنتين سائرهم , وكان هؤلاء آخر من بقي بها منهم . فتح فدك : ولما اتصل بأهل فدك ما فعل رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بأهل خيبر , بعثوا إلى رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ليؤمنهم , فأجابهم رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى ذلك , وكانت فدك مما لم يوجف عليه بخيل ولا ركاب , مما أفاء اللَّه عليه بما نصره به من الرعب , فلم يقسمها رسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , ووضعها حيث أمره اللَّه عز وجل ,