أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْمُؤْمِنِ ° ، أنا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُثْمَانَ الْفَسَوِيُّ ، بِبَغْدَادَ ، ثنا أَبُو يُوسُفَ يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ الْفَسَوِيُّ ، قَالَ : سَمِعْتُ عَلِيَّ بْنَ الْحَسَنِ بْنِ شَقِيقٍ ، قَالَ : قُلْتُ لابْنِ الْمُبَارَكِ : مَا الَّذِي لا يَسَعُ الْمُؤْمِنَ مِنْ تَعْلِيمِ الْعِلْمِ إِلا أَنْ يَطْلُبَهُ ؟ وَمَا الَّذِي يجب عليه أَنْ يَتَعَلَّمَهُ ، قَالَ : لا يَسَعُهُ أَنْ يَقْدَمَ عَلَى شَيْءٍ إِلا بِعِلْمٍ وَلا يَسَعُهُ حَتَّى يَسْأَلَ .
قَالَ أَبُو عُمَرَ : قَدْ أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى أَنَّ مِنَ الْعِلْمِ مَا هُوَ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ عَلَى كُلِّ امْرِئٍ فِي خَاصَّةِ نَفْسِهِ ، وَمِنْهُ مَا هُوَ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ إِذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنْ أَهْلِ ذَلِكَ الْمَوْضِعِ ، وَاخْتَلَفُوا فِي تَلْخِيصِ ذَلِكَ وَالَّذِي يَلْزَمُ الْجَمِيعَ فَرْضُهُ مِنْ ذَلِكَ مَالا يَسَعُ الإِنْسَانَ جَهْلُهُ مِنْ جُمْلَةِ الْفَرَائِضِ الْمُفْتَرَضَةِ عَلَيْهِ ، نَحْوَ الشَّهَادَةِ بِاللِّسَانِ وَالإِقْرَارِ بِالْقَلْبِ بِأَنَّ اللَّهَ وَحْدَهُ لا شَرِيكَ لَهُ وَلا شِبْهَ لَهُ وَلا مِثْلَ لَهُ لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُوًا أَحَدٌ ، خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ كُلُّ شَيْءٍ ، الْمُحْيِي الْمُمِيتُ الْحَيُّ الَّذِي لا يَمُوتُ ، عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُمَا عِنْدَهُ سَوَاءٌ ، لا يَعْزُبُ عَنْهُ مِثْقَالُ ذَرَّةٍ فِي الأَرْضِ وَلا فِي السَّمَاءِ ، هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ ، وَالَّذِي عَلَيْهِ جَمَاعَةُ أَهْلِ السُّنَّةِ وَالْجَمَاعَةُ أَنَّهُ لَمْ يَزَلْ بِصِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ لَيْسَ لأَوَلِيَّتِهِ ابْتِدَاءٌ ، وَلا لآخِرِيَّتِهِ انْقِضَاءٌ ، هُوَ عَلَى الْعَرْشِ اسْتَوَى ، وَالشَّهَادَةِ بِأَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ وَخَاتَمُ أَنْبِيَائِهِ حَقٌّ ، وَأَنَّ الْبَعْثَ بَعْدَ الْمَوْتِ لِلْمُجَازَاةِ بِالأَعْمَالِ ، وَالْخُلِودَ فِي الآخِرَةِ لأَهْلِ السَّعَادَةِ بِالإِيمَانِ وَالطَّاعَةِ فِي الْجَنَّةِ ، وَلأَهْلِ َاوَةِ بِالْكُفْرِ وَالْجُحُودِ فِي السَّعِيرِ حَقٌّ ، وَأَنَّ الْقُرْآنَ كَلامُ اللَّهِ وَمَا فِيهِ حَقٌّ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ يَلْزَمُ الإِيمَانُ بِجَمِيعِهِ ، وَاسْتِعْمَالُ مُحْكَمِهِ وَأَنَّ الصَّلَوَاتِ الْخَمْسَ فَرِيضَةٌ وَيَلْزَمُهُ مِنْ عِلْمِهَا عِلْمُ مَا لا تَتِمُّ إِلا بِهِ مِنْ طَهَارَتِهَا وَسَائِرِ أَحْكَامِهَا وَأَنَّ صَوْمَ رَمَضَانَ فَرْضٌ ، وَيَلْزَمُهُ عِلْمُ مَا يُفْسِدُ صَوْمَهُ ، وَمَا لا يَتِمُّ إِلا بِهِ ، وَإِنْ كَانَ ذَا مَالٍ ، وَقُدْرَةٍ عَلَى الْحَجِّ لَزِمَهُ فَرْضًا أَنْ يَعْرِفَ مَا تَجِبُ فِيهِ الزَّكَاةُ ، وَمَتَى تَجِبُ وَفِي كَمْ تَجِبُ ، وَلَزِمَهُ أَنْ يَعْلَمَ بِأَنَّ الْحَجَّ عَلَيْهِ فُرِضَ مَرَّةً وَاحِدَةً فِي دَهْرِهِ إِنِ اسْتَطَاعَ السَّبِيلَ إِلَيْهِ ، إِلَى أَشْيَاءَ يَلْزَمُهُ مَعْرِفَةُ جُمَلِهَا وَلا يُعْذَرُ بِجَهْلِهَا نَحْوَ تَحْرِيمِ الزِّنَا وَتَحْرِيمِ الْخَمْرِ وَأَكْلِ الْخِنْزِيرِ وَأَكْلِ الْمَيْتَةِ ، وَالأَنْجَاسِ كُلِّهَا وَالسَّرِقَةِ وَالرِّبَا وَالْغَصْبِ وَالرِّشْوَةِ فِي الْحُكْمِ ، وَالشَّهَادَةِ بِالزُّورِ ، وَأَكْلِ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَبِغَيْرِ طِيبٍ مِنْ أَنْفُسِهِمْ إِلا إِذَا كَانَ شَيْئًا لا يُتَشَاحُّ فِيهِ وَلا يُرْغَبُ فِي مِثْلِهِ ، وَتَحْرِيمِ الظُّلْمِ كُلِّهِ وَهُوَ كُلُّ مَا مَنَعَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ مِنْهُ وَرَسُولُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَحْرِيمِ نِكَاحِ الأُمَّهَاتِ وَالْبَنَاتِ وَالأَخَوَاتِ وَمَنْ ذُكِرَ مَعَهُنَّ ، وَتَحْرِيمِ قَتْلِ النَّفْسِ الْمُؤْمِنَةِ بِغَيْرِ حَقٍّ ، وَمَا كَانَ مِثْلَ هَذَا كُلِّهِ مِمَّا قَدْ نَطَقَ بِهِ الْكِتَابُ وَأُجْمَعَتِ الأُمَّةُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ سَائِرَ الْعِلْمِ ، وَطَلَبَهُ وَالتَّفَقُّهَ فِيهِ وَتَعْلِيمَ النَّاسِ إِيَّاهُ وَفَتْوَاهُمْ بِهِ فِي مُصَالِحِ دِينِهِمْ وَدُنْيَاهُمْ ، وَالْحُكْمُ بِهِ بَيْنَهُمْ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ يَلْزَمُ الْجَمِيعَ فَرْضُهُ فَإِذَا قَامَ بِهِ قَائِمٌ سَقَطَ فَرْضُهُ عَنِ الْبَاقِينَ بِمَوْضِعِهِ لا خِلافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ ، وَحُجَّتُهُمْ فِيهِ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : فَلَوْلا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ سورة التوبة آية 122 ، فَأُلْزِمَ النَّفِيرُ فِي ذَلِكَ الْبَعْضَ دُونَ الْكَلِّ ، ثُمَّ يَنْصَرِفُونَ فَيُعَلِّمُونَ غَيْرَهُمْ ، وَالطَّائِفَةُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ الْوَاحِدُ فَمَا فَوْقَهُ ، وَكَذَلِكَ الْجِهَادُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ : لا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة النساء آية 95 إِلَى قَوْلِهِ : وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا سورة النساء آية 95 فَفَضَّلَ الْمُجَاهِدَ وَلَمْ يَذُمَّ الْمُتَخَلِّفَ . وَالآيَاتُ فِي فَرْضِ الْجِهَادِ كَثِيرَةٌ جِدًّا ، وَتَرْتِيبُهَا مَعَ الآيَةِ الَّتِي ذَكَرْنَا عَلَى حَسْبِ مَا وَصَفْنَا عِنْدَ جَمَاعَةِ أَهْلِ الْعِلْمِ ، فَإِنْ أَظَلَّ الْعَدُوُّ بَلْدَةً لَزِمَ الْفَرْضُ حِينَئِذٍ جَمِيعَ أَهْلِهَا وَكُلَّ مَنْ قَرُبَ مِنْهَا إِنْ عَلِمَ ضَعْفَهَا عَنْهُ وَأَمْكَنَهُ نُصْرَتَهَا لَزِمَهُ فَرْضُ ذَلِكَ أَيْضًا . قَالَ أَبُو عُمَرَ : وَرَدُّ السَّلامُ عِنْدَ أَصْحَابِنَا مِنْ هَذَا الْبَابِ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ لِقَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَإِنْ رَدَّ السَّلامَ وَاحِدٌ مِنَ الْقَوْمِ أَجْزَأَ عَنْهُمْ " ، وَخَالَفَهُمُ الْعِرَاقِيُّونَ فَجَعَلُوهُ فَرْضًا مُعَيَّنًا عَلَى كُلِّ وَاحِدَةٍ مِنَ الْجَمَاعَةِ إِذَا سُلِّمَ عَلَيْهِمْ ، وَقَدْ ذَكَرْنَا وَجْهَ الْقَوْلَيْنِ وَالْحُجَّةَ لِمَذْهَبِ الْحِجَازِيِّينَ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ لآثَارِ الْمُوَطَّإِ ، وَالآيَةُ الْمُثْبِتَةُ لَرَدِّ السَّلامِ بِإِجْمَاعٍ هِيَ قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا سورة النساء آية 86 ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ أَيْضًا تَكْفِينُ الْمَوْتَى وَغُسْلُهُمْ ، وَالصَّلاةُ عَلَيْهِمْ ، وَمُوَارَاتُهُمْ ، وَالْقِيَامُ بِالشَّهَادَةِ عِنْدَ الْحُكَّامِ ، فَإِنْ كَانَ الشَّاهِدَانِ عَدْلَيْنِ ، وَلا شَاهِدَ لَهُ غَيْرُهُمَا تَعَيَّنَ الْفَرْضُ عَلَيْهِمَا ، وَصَارَ مِنَ الْقِسْمِ الأَوَّلِ ، وَمِنْ هَذَا الْبَابِ عِنْدَ جَمَاعَةٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، الأَذَانُ فِي الأَمْصَارِ ، وَقِيَامُ رَمَضَانَ ، وَأَكْثَرُ الْفُقَهَاءِ يَجْعَلُونَ ذَلِكَ سُنَّةً وَفَضِيلَةً ، وَقَدْ ذَكَرَ قَوْمٌ مِنَ الْعُلَمَاءِ فِي هَذَا الْبَابِ عِيَادَةَ الْمَرِيضِ ، وَتَشْمِيتَ الْعَاطِسِ قَالُوا : هَذَا كُلُّهُ فَرْضٌ عَلَى الْكِفَايَةِ وَقَالَ أَهْلُ الظَّاهِرِ : بَلْ ذَلِكَ كُلُّهُ فَرْضٌ مُتَعَيَّنٌ وَاحْتَجُّوا بِحَدِيثِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ ، قَالَ : " أَمَرَنَا رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِسَبْعٍ ، وَنَهَانَا عَنْ سَبْعٍ ، أَمَرَنَا بِعِيَادَةِ الْمَرِيضِ ، وَاتِّبَاعِ الْجَنَائِزِ ، وَإِفْشَاءِ السَّلامِ ، وَإِجَابَةِ الدَّاعِي ، وَتَشْمِيتِ الْعَاطِسِ ، وَنَصْرِ الْمَظْلُومِ وَإِبْرَارِ الْقَسَمِ " . الْحَدِيثَ . وَقَدْ ذَكَرْنَا هَذِهِ السَّبْعَ وَغَيْرَهَا عَلَى اخْتِلافِ أَحْكَامِهَا عِنْدَ الْعُلَمَاءِ فِي كِتَابِ التَّمْهِيدِ وَخَالَفَهُمْ جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ ، فَقَالُوا : لَيْسَ تَشْمِيتُ الْعَاطِسِ مِنْ هَذَا الْبَابِ وَكَذَلِكَ عِيَادَةُ الْمَرِيضِ ، وَإِنَّمَا ذَلِكَ نَدْبٌ وَفَضِيلَةٌ وَحُسْنُ أَدَبٍ أُمِرَ بِهِ لِلتَّحَابِّ وَالأُلْفَةِ وَلا حَرَجَ عَلَى مَنْ قَصَّرَ عَنْهُ إِلا إِنَّهُ مُقَصِّرٌ عَنْ حَظِّ نَفْسِهِ فِي اتِّبَاعِ السُّنَّةِ وَأَدَبِهَا