وَذَكَرَ ابْنُ أَبِي الدُّنْيَا ، ثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَلِيٍّ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ الأَشْعَثِ ، قَالَ : سَأَلْتُ فُضَيْلَ بْنَ عِيَاضٍ " عَنِ الزُّهْدِ ، فَقَالَ : الزُّهْدُ الْقَنَاعَةُ ، وَفِيهَا الْغِنَى ، قَالَ : وَسَأَلْتُهُ عَنِ الْوَرَعِ ، فَقَالَ : اجْتِنَابُ الْمَحَارِمِ "
وَالآثَارُ عَنِ السَّلَفِ ، وَالصَّحَابَةِ ، وَالتَّابِعِينَ ، وَمَنْ بَعْدَهُمْ مِنْ عُلَمَاءِ الْمُسْلِمِينَ فِي فَضْلِ الصَّبْرِ عَنِ الدُّنْيَا وَالزُّهْدِ فِيهَا ، وَفَضْلِ الْقَنَاعَةِ ، وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ ، وَالاقْتِصَارِ عَلَى مَا يَكْفِي دُونَ التَّكَاثُرِ الَّذِي يُلْهِي وَيُطْغِي ، أَكْثَرُ مِنْ أَنْ يُحِيطَ بِهَا كِتَابٌ أَوْ يَشْتَمِلَ عَلَيْهَا بَابٌ ، وَالَّذِينَ زَوَى اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ عَنْهُمُ الدُّنْيَا مِنَ الصَّحَابَةِ أَكْثَرُ مِنَ الَّذِينَ فَتَحَهَا عَلَيْهِمْ أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً . وَرُوِّينَا عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ : " إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَحْمِي عَبْدَهُ الدُّنْيَا ، كَمَا يَحْمِي أَحَدُكُمْ مَرِيضَهُ الطَّعَامَ يَشْتَهِيهِ " ، وَهَذَا ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ ، نَظَرٌ مِنْهُ عَزَّ وَجَلَّ لِذَلِكَ الْعَبْدِ ، فَرُبَّ رَجُلٍ كَانَ الْغِنَى سَبَبَ فِسْقِهِ وَعِصْيَانِهِ لِرَبِّهِ عَزَّ وَجَلَّ ، وَانْتِهَاكِهِ لِحُرْمَتِهِ ، وَرُبَّ رَجُلٍ كَانَ الْفَقْرُ سَبَبَ ذَلِكَ كُلِّهِ لَهُ ، وَرُبَّمَا كَانَ سَبَبُ كُفْرِهِ وَتَعْطِيلِ فَرَائِضِهِ ، وَهُمَا طَرَفَانِ مَذْمُومَانِ عِنْدَ الْعُلَمَاءِ ، وَقَدْ رُوِيَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَا يَدُلُّ عَلَى ذَلِكَ مِنْ قَوْلِهِ عَلَيْهِ الصَّلاةُ وَالسَّلامُ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنْ غِنًى مُبْطِرٍ مُطْغٍ ، وَفَقْرٍ مُنْسٍ " . وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِنَ الْجُوعِ ؛ فَإِنَّهُ بِئْسَ الضَّجِيعُ ، وَأَعُوذُ بِكَ مِنَ الْخِيَانَةِ ؛ فَإِنَّهَا بِئْسَتِ الْبِطَانَةُ " . وَكَانَ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَسْتَعِيذُ بِاللَّهِ مِنَ الْفَقْرِ ، وَالْفَاقَةِ ، وَالذِّلَّةِ ، وَأَنْ يَظْلِمَ أَوْ يُظْلَمَ . وَكَانَ مِنْ دُعَائِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " اللَّهُمَّ إِنِّي أَسْأَلُكَ الْهُدَى وَالتُّقَى ، وَالْعَافِيَةَ وَالْغِنَى " . وَالدَّلِيلُ عَلَى أَنَّ التَّقَلُّلَ مِنَ الدُّنْيَا ، وَالاقْتِصَادَ فِيهَا ، وَالرِّضَا بِالْكَفَافِ مِنْهَا ، وَالاقْتِصَارُ عَلَى مَا يَكْفِي وَيُغْنِي عَنِ النَّاسِ أَفْضَلُ مِنَ الاسْتِكْثَارِ مِنْهَا وَالرَّغْبَةِ فِيهَا ، وَأَقْرَبُ إِلَى السَّلامَةِ