وَأَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ بِشْرٍ ، نا ابْنُ أَبِي دُلَيْمٍ ، نا ابْنُ وَضَّاحٍ ، نا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يُوسُفَ الْفِرْيَابِيُّ ، نا ضَمْرَةُ بْنُ رَبِيعَةَ ، عَنْ عُثْمَانَ بْنِ عَطَاءٍ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : " سُئِلَ بَعْضُ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنِّي لأَسْتَحِي مِنْ رَبِّي أَنْ أَقُولَ فِي أُمَّةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرَأْيِي " ، وَقَالَ عَطَاءٌ : " وَأَضْعَفُ الْعِلْمِ أَيْضًا عِلْمُ النَّظَرِ أَنْ يَقُولَ الرَّجُلُ : رَأَيْتُ فُلانًا يَفْعَلُ كَذَا ، وَلَعَلَّهُ قَدْ فَعَلَهُ سَاهِيًا "
وَمِنْ فَصْلٍ لابْنِ الْمُقَفَّعِ فِي الْيَتِيمَةِ ، قَالَ : " وَلَعَمْرِي ، إِنَّ لِقَوْلِهِمْ : لَيْسَ الدِّينُ خُصُومَةً ، أَصْلا يُثْبِتُ وَصَدَقُوا مَا لِدِينٍ بِخُصُومَةٍ ، وَلَوْ كَانَ خُصُومَةً لَكَانَ مَوْكُولا إِلَى النَّاسِ يُثْبِتُونَهُ بِآرَائِهِمْ وَظَنِّهِمْ ، وَكُلُّ مَوْكُولٍ إِلَى النَّاسِ رَهِينَةُ ضَيَاعٍ وَمَا يُنْقَمُ عَلَى أَهْلِ الْبِدَعِ ، إِلا أَنَّهُمُ اتَّخَذُوا الدِّينَ رَأْيًا ، وَلَيْسَ الرَّأْيُ ثِقَةً وَلا حَتْمًا ، وَلَمْ يُجَاوِزِ الرَّأْيُ مَنْزِلَةَ الشَّكِّ وَالظَّنِّ إِلا قَرِيبًا ، وَلَمْ يَبْلُغْ أَنْ يَكُونَ يَقِينًا وَلا ثَبْتًا ، وَلَسْتُمْ سَامِعِينَ أَحَدًا يَقُولُ لأَمْرٍ قَدِ اسْتَيْقَنَهُ وَعَلِمَهُ : أَرَى أَنَّهُ كَذَا وَكَذَا ، فَلا أَحَدَ أَشَدُّ اسْتِخْفَافًا بِدِينِهِ مِمَّنِ اتَّخَذَ رَأْيَهُ وَرَأْيَ الرِّجَالِ دِينًا مَفْرُوضًا " . قَالَ أَبُو عُمَرَ : إِلَى هَذَا الْمَعْنَى وَاللَّهُ أَعْلَمُ أَشَارَ مُصْعَبٌ الزُّبَيْرِيُّ فِي قَوْلِهِ : فَأَتْرُكُ مَا عَلِمْتُ لِرَأْيِ غَيْرِي وَلَيْسَ الرَّأْيُ كَالْعِلْمِ الْيَقِينِي وَهِيَ أَبْيَاتٌ كَثِيرَةٌ ، أَنْشَدَهَا مُصْعَبٌ ثُمَّ ذَكَرَ ابْنُ أَبِي خَيْثَمَةَ أَنَّهَا شِعْرُهُ ، وَسَنَذْكُرُ الأَبْيَاتَ بِتَمَامِهَا فِي بَابِ مَا تُكْرَهُ فِيهِ الْمُنَاظَرَةُ وَالْجِدَالُ مِنْ هَذَا الْكِتَابِ إِنْ شَاءَ اللَّهُ تَعَالَى ، وَلا أَعْلَمُ بَيْنَ مُتَقَدِّمِي عُلَمَاءِ هَذِهِ الأُمَّةِ وَسَلَفِهَا خِلافًا أَنَّ الرَّأْيَ لَيْسَ بِعِلْمٍ حَقِيقَةً ، وَأَفْضَلُ مَا رُوِيَ عَنْهُمْ فِي الرَّأْيِ أَنَّهُمْ قَالُوا : نِعْمَ وَزِيرُ الْعِلْمِ الرَّأْيُ الْحَسَنُ ، وَقَالُوا : أَبْقَى الْكِتَابُ مَوْضِعًا لِلسُّنَّةِ , وَأَبْقَتِ السُّنَّةُ مَوْضِعًا لِلرِّأْيِ الْحَسَنِ . قَالَ أَبُو عُمَرُ : وَأَمَّا أُصُولُ الْعِلْمِ فَالْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ ، وَتَنْقَسِمُ السُّنَّةُ قِسْمَيْنِ : أَحَدُهُمَا تَنْقِلُهُ الْكَافَّةُ عَنِ الْكَافَّةِ ، فَهَذَا مِنَ الْحُجَجِ الْقَاطِعَةِ لِلأَعْذَارِ إِذَا لَمْ يُوجَدْ هُنَالِكَ خِلافٌ ، وَمَنْ رَدَّ إِجْمَاعَهُمْ فَقَدْ رَدَّ نَصًّا مِنْ نُصُوصِ اللَّهِ يَجِبُ اسْتِتَابَتُهُ عَلَيْهِ وَإِرَاقَةُ دَمِهِ إِنْ لَمْ يَتُبْ ؛ لِخُرُوجِهِ عَمَّا أَجْمَعَ عَلَيْهِ الْمُسْلِمُونَ الْعُدُولُ وَسُلُوكِهِ غَيْرَ سَبِيلِ جَمِيعِهِمْ ، وَالضَّرْبُ الثَّانِي مِنَ السُّنَّةِ أَخْبَارُ الآحَادِ الثِّقَاتِ الأَثْبَاتِ الْعُدُولِ ، وَالْخَبَرُ الصَّحِيحُ الإِسْنَادِ الْمُتَّصِلِ مِنْهَا يُوجِبُ الْعَمَلَ عِنْدَ جَمَاعَةِ الأُمَّةِ الَّذِينَ هُمُ الْحُجَّةُ وَالْقُدْوَةُ ، وَلِذَلِكَ مُرْسَلُ السَّالِمِ الثِّقَةِ الْعَدْلِ يُوجِبُ الْعَمَلَ أَيْضًا وَالْحُكْمَ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْهُمْ ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ : إِنَّ خَبَرَ الْوَاحِدِ الْعَدْلِ يُوجِبُ الْعِلْمَ وَالْعَمَلَ جَمِيعًا ، وَلِلْكَلامِ فِي ذَلِكَ مَوْضِعٌ غَيْرُ هَذَا