أنا عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْمُعَدِّلُ ° ، أنا مُحَمَّدُ بْنُ عَمْرِو بْنِ الْبَخْتَرِيِّ الرَّزَّازُ ° ، نا يَحْيَى بْنُ جَعْفَرٍ ° ، أنا الضَّحَّاكُ بْنُ مَخْلَدٍ ° ، أَخْبَرَنِي خَالِدُ بْنُ رَبَاحٍ ° ، حَدَّثَنِي أَبُو السَّوَّارِ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ عِمْرَانَ بْنَ حُصَيْنٍ ° ، يَقُولُ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الْحَيَاءُ خَيْرٌ كُلُّهُ " . فَقَالَ رَجُلٌ مِنَ الْقَوْمِ : فِي الْحِكْمَةِ مَكْتُوبٌ : إِنَّ مِنْهُ وَقَارًا ، وَإِنَّ مِنْهُ ضَعْفًا ، فَقَالَ : أُحَدِّثُكَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَتُحَدِّثُنِي عَنِ الصُّحُفِ ، وَاللَّهِ لا أُحَدِّثُكُمُ الْيَوْمَ بِحَدِيثٍ
أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ عُمَرُ بْنِ أَحْمَدَ الْبَرْمَكِيُّ ، أنا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ خَلَفِ بْنِ بَخِيتٍ الدَّقَّاقُ ، نا عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عِيسَى الْجَوْهَرِيُّ ، نا أَبُو بَكْرٍ الأَثْرَمُ ، نا عِيسَى بْنُ مِينَاءٍ الْمَدَنِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ أَبِي الزِّنَادِ ، عَنْ أَبِيهِ ، قَالَ : السُّنَنَ لا تُخَاصَمُ ، وَلا يَنْبَغِي لَهَا أَنْ تَتْبَعَ بِالرَّأْيَ وَالتَّفْكِيرَ ، وَلَوْ فَعَلَ النَّاسُ ذَلِكَ لَمْ يَمْضِ يَوْمٌ إِلا انْتَقَلُوا مِنْ دِينٍ إِلَى دِينٍ ، وَلَكِنَّهُ يَنْبَغِي لِلسُّنَنِ أَنْ تُلْزَمَ وَيُتَمَسَّكَ بِهَا عَلَى مَا وَافَقَ الرَّأْيَ أَوْ خَالَفَهُ وَلَعَمْرِي إِنَّ السُّنَنَ وَوُجُوهَ الْحَقِّ لَتَأْتِي كَثِيرًا عَلَى خِلافِ الرَّأْيِ ، وَمُجَانَبَتِهِ خِلافًا بَعِيدًا ، فَمَا يَجِدُ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنَ اتِّبَاعِهَا وَالانْقِيَادِ لَهَا ، وَلِمِثْلِ ذَلِكَ وَرِعَ أَهْلُ الْعِلْمِ وَالدِّينِ فَكَفَّهُمْ عَنِ الرَّأْيِ ، وَدَلَّهُمْ عَلَى غوره وغورته ، إنه يأتي الحق على خلافه في وجوه غير واحدة ، من ذلك أَنَّ قَطْعَ أَصَابِعِ الْيَدِ مِثْلُ قَطْعِ الْيَدِ مِنَ الْمِنْكَبِ ، أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ ، فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ قَطْعَ الرِّجْلِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهَا مِثْلُ قَطْعِ الرِّجْلِ مِنَ الْوَرِكِ ، أَيُّ ذَلِكَ أُصِيبَ ، فَفِيهِ سِتَّةُ أَلْفٍ ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيَ الْعَيْنَيْنِ إِذَا فُقِئَتَا مِثْلُ مَا فِي قَطْعِ أَشْرَافِ الأُذُنَيْنِ فِي قِلَّةِ ضَرَرِهِمَا ، أَيَّ ذَلِكَ أُصِيبَ ، فَفِيهِ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ فِيَ شَجَّتَيْنِ مُوَضَّحَتَيْنِ صَغِيرَتَيْنِ مِائَةَ دِينَارٍ ، وَمَا بَيْنَهُمَا صَحِيحٌ فَإِنْ جُرِحَ مَا بَيْنَهُمَا حَتَّى تُقَامَ إِحْدَاهُمَا إِلَى الأُخْرَى ، كَانَ أَعْظَمَ لِلْجُرْحِ بِكَثِيرٍ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهَا حِينَئِذٍ إِلا خَمْسُونَ دِينَارًا ، وَمِنْ ذَلِكَ أَنَّ الْمَرْأَةَ الْحَائِضَ تُقْضَى الصِّيَامَ وَلا تَقْضِي الصَّلاةَ ، وَمِنْ ذَلِكَ : رَجُلانِ قُطِعَتْ أُذُنَا أَحَدِهِمَا جَمِيعًا ، يَكُونُ لَهُ اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ، وَقُتِلَ الآخَرُ فَذَهَبَتْ أُذُنَاهُ وَعَيْنَاهُ وَيَدَاهُ وَرِجْلاهُ ، وَذَهَبَتْ نَفْسُهُ لَيْسَ لَهُ إِلا اثْنَا عَشَرَ أَلْفًا ، مِثْلُ الَّذِي لَمْ يُصِبْ إِلا أَشْرَافَ أُذُنَيْهِ فِي أَشْبَاهِ هَذَا غَيْرِ وَاحِدَةٍ ، فَهَلْ وَجَدَ الْمُسْلِمُونَ بُدًّا مِنْ لُزُومِ هَذَا ؟ وَأَيُّ هَذِهِ الْوُجُوهِ يَسْتَقِيمُ عَلَى الرَّأْيِ أَوْ يَخْرُجُ فِي التَّفْكِيرِ ؟ وَلَكِنَّ السُّنَنَ مِنَ الإِسْلامِ ، بِحَيْثُ جَعَلَهَا اللَّهُ هِيَ مِلاكُ الدِّينِ وَقِيَامُهُ الَّذِي بُنِيَ عَلَيْهِ الإِسْلامُ ، وَأَيُّ قَوْلٍ أَجْسَمُ وَأَعْظَمُ خَطَرًا مِمَّا قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَجَّةِ الْوَدَاعِ حِينَ خَطَبَ النَّاسَ ، فَقَالَ : وَقَدْ تَرَكْتُ فِيكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ ، مَا إِنِ اعْتَصَمْتُمْ بِهِ ، فَلَنْ تَضِلُّوا أَبَدًا ، أَمْرًا بَيْنَنَا : كِتَابَ اللَّهِ ، وَسُنَّةَ نَبِيِّهِ فَقَرَنَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَيْنَهُمَا ، وَأيْمُ اللَّهِ إِنَّ كُنَّا لَنَلْتَقِطُ السُّنَنَ مِنْ أَهْلِ الْفِقْهِ وَالثِّقَةِ ، وَنَتَعَلَّمُهَا شَبِيهًا بِتَعْلِيمِنَا آيِ الْقُرْآنِ ، وَمَا بَرِحَ مَنْ أَدْرَكْنَا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ وَالْفِقْهِ مِنْ خِيَارِ النَّاسِ يَعِيبُونَ أَهْلَ الْجَدَلِ وَالتَّنْقِيبِ وَالأَخْذِ بِالرَّأْيِ أَشَدَّ الْعَيْبِ ، وَيَنْهَوْنَنَا عَنْ لِقَائِهِمْ وَمُجَالَسَتِهِمْ ، وَيُحَذِّرُونَنَا مُقَارَبَتَهُمْ أَشَدَّ التَّحْذِيرِ ، وَيُخْبِرُونَنَا أَنَّهُمْ أَهْلُ ضَلالٍ وَتَحْرِيفٍ ، بِتَأْوِيلِ كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَنِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَا تُوُفِّيَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، حَتَّى كَرِهَ الْمَسَائِلَ وَنَاحِيَةَ التَّنْقِيبِ وَالْبَحْثِ عَنِ الأُمُورِ وَزَجْرِ عَنْ ذَلِكَ وَحَذَّرَهُ الْمُسْلِمِينَ فِي غَيْرِ مَوْطِنٍ حَتَّى كَانَ مِنْ قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَرَاهِيَةَ ذَلِكَ ، أَنْ قَالَ : ذَرُونِي مَا تَرَكْتُكُمْ ، فَإِنَّمَا أَهْلَكَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ سُؤَالُهُمْ وَاخْتِلافُهُمْ عَلَى أَنْبِيَائِهِمْ ، فَإِذَا نَهَيْتُكُمْ عَنْ شَيْءٍ فَاجْتَنِبُوهُ ، وَإِذَا أَمَرْتُكُمْ بِشَيْءٍ بِهِ فَأَتَوْا مِنْهُ مَا اسْتَطَعْتُمْ . فَأَيُّ أَمْرٍ أَكُفُّ لِمَنْ يَعْقِلُ عَنِ التَّنْقِيبِ مِنْ هَذَا ؟ ! وَلَمْ يَبْلُغِ النَّاسُ يَوْمَ قِيلَ لَهُمْ هَذَا الْقَوْلُ مِنَ الْكَشْفِ عَنِ الأُمُورِ جُزْءًا مِنْ مِائَةِ جُزْءٍ مِمَّا بَلَغُوا الْيَوْمَ ، وَهَلْ هَلَكَ أَهْلُ الأَهْوَاءِ وَخَالَفُوا الْحَقَّ إِلا بِأَخْذِهِمْ بِالْجَدَلِ ، وَالتَّفْكِيرِ فِي دِينِهِمْ ، فَهُمْ كُلَّ يَوْمٍ عَلَى دِينِ ضَلالٍ وَشُبْهَةٍ جَدِيدَةٍ لا يُقِيمُونَ عَلَى دِينٍ ، وَإِنَّ أَعْجَبَهُمْ إِلا نَقَلَهُمُ الْجَدَلُ وَالتَّفْكِيرُ إِلَى دِينٍ سِوَاهُ ، وَلَوْ لَزِمُوا السُّنَنَ وَأَمْرَ الْمُسْلِمِينَ وَتَرَكُوا الْجَدَلَ لَقَطَعُوا عَنْهُمُ الشَّكَّ ، وَأَخَذُوا بِالأَمْرِ الَّذِي حَضَّهُمْ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَرَضِيَهُ لَهُمْ ، وَلَكِنَّهُمْ تَكَلَّفُوا مَا قَدْ كُفُوًا مُؤْنَتَهُ وَحَمَلُوا عَلَى عُقُولِهِمْ مِنَ النَّظَرِ فِي أَمْرِ اللَّهِ مَا قَصُرَتْ عَنْهُ عُقُولُهُمْ ، وَحَقٌّ لَهَا أَنَّ تَقْصُرَ عَنْهُ وَتَحْسَرَ دُونَهُ ، فَهُنَالِكَ تَوَرَّطُوا وَأَيْنَ مَا أَعْطَى اللَّهُ الْعِبَادَ مِنَ الْعِلْمِ فِي قِلَّتِهِ وَزَهَادَتِهِ مِمَّا تَنَاوَلُوا ، قَالَ اللَّهُ تَعَالَى : وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلا قَلِيلا سورة الإسراء آية 85 ، وَقَدْ قَصَّ اللَّهُ تَعَالَى مَا عَيَّرَ أَوْ غَيَّرَ هَذِهِ الْكَلِمَةَ بِهِ مُوسَى عَلَيْهِ السَّلامُ ، مِنْ أَمْرِ الرَّجُلِ الَّذِي لَقِيَهُ ، فَقَالَ : فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا سورة الكهف آية 65 ، فَكَانَ مِنْهُ فِي خَرْقِهِ السَّفِينَةَ ، وَقَتْلِهِ الْغُلامَ ، وَبِنَائِهِ الْجِدَارَ ، مَا قَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى فِي كِتَابِهِ ، فَأَنْكَرَ مُوسَى ذَلِكَ عَلَيْهِ ، وَجَاهُ ذَلِكَ فِي ظَاهِرِ الأَمْرِ مُنْكَرًا لا تَعْرِفُهُ الْقُلُوبُ ، وَلا يَهْتَدِي لَهُ التَّفْكِيرُ ، حَتَّى كَشَفَ اللَّهُ ذَلِكَ لِمُوسَى فَعَرَفَهُ ، وَكَذَلِكَ مَا جَاءَ مِنْ سُنَنِ الإِسْلامِ وَشَرَائِعِ الدِّينِ الَّتِي لا تُوَافِقُ الرَّأْيَ ، وَلا تَهْتَدِي لَهَا الْعُقُولُ ، وَلَوْ كَشَفَ لِلنَّاسِ عَنْ أُصُولِهَا لَجَاءَتِ لِلنَّاسِ وَاضِحَةً بَيِّنَةً غَيْرَ مُشْكِلَةً عَلَى مِثْلِ مَا جَاءَ عَلَيْهِ أَمْرُ السَّفِينَةِ وَأَمْرُ الْغُلامِ وَأَمْرُ الْجِدَارِ ، فَإِنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى يَعْتَبِرُ بَعْضُهُ بِبَعْضٍ ، وَيُشْبِهُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، وَمَنْ أَجْهَلُ وَأَضَلُّ وَأَقَلُّ مَعْرِفَةً بِحَقِّ اللَّهِ وَحَقِّ رَسُولِهِ وَبِنُورِ الإِسْلامِ وَبُرْهَانِهِ مِمَّنْ قَالَ لا أَقْبَلُ سُنَّةً وَلا أَمْرًا مَضَى مِنْ أَمْرِ الْمُسْلِمِينَ حَتَّى يُكْشَفَ لِي غَيْبُهُ وَأَعْرِفَ أُصُولَهُ ؟ أَوْ لَمْ يَقُلْ ذَلِكَ بِلِسَانِهِ ، فَكَانَ عَلَيْهِ رَأْيُهُ وَفِعْلُهُ ، وَيَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : فَلا وَرَبِّكَ لا يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لا يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا سورة النساء آية 65