أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ يَحْيَى السُّكَّرِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدَوَيْهِ الْخَزَّازُ ° ، قَالَ : حدثنا مُحَمَّدُ بْنُ مُصْعَبٍ الْقُرْقُسَانِيُّ ° ، قَالَ : حدثنا مَالِكٌ ° ، عَنِ الزُّهْرِيِّ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، قَالَ : دَخَلَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مَكَّةَ عَامَ الْفَتْحِ وَعَلَى رَأْسِهِ مِغْفَرٌ
كان ابن مقسم من أحفظ الناس لنحو الكوفيين ، وأعرفهم بالقراءات ، وله في التفسير ومعاني القرآن كتاب جليل سماه كتاب الأنوار ، وله أيضا في القراءات وعلوم النحو تصانيف عدة . ومما طعن عليه به ، أنه عمد إلى حروف من القرآن فخالف الإجماع فيها ، وقرأها ، وأقرأها على وجوه ، ذكر أنها تجوز في اللغة والعربية ، وشاع ذلك عنه أهل العلم فأنكروه عليه ، وارتفع الأمر إلى السلطان ، فأحضره ، واستتابه بحضرة القراء والفقهاء ، فأذعن بالتوبة ، وكتب محضر بتوبته ، وأثبت جماعة من حضر ذلك المجلس خطوطهم فيه بالشهادة عليه ، وقيل : إنه لم ينزع عن تلك الحروف ، وكان يقرئ بها إلى حين وفاته . وقد ذكر حاله أبو طاهر بن أبي هاشم المقرئ صاحب أبي بكر بن مجاهد في كتابه الذي سماه كتاب البيان ، فقال : فيما أَخْبَرَنَا أبو الحسن علي بن أحمد بن عمر المقرئ ، قَالَ : أخبرنا أبو طاهر عبد الواحد بن عمر بن محمد بن أبي هاشم ، قَالَ : وقد نبغ نابغ في عصرنا هذا ، فزعم أن كل ما صح عنده وجهٌ في العربية لحرف من القرآن يوافق خط المصحف فقراءته جائزة في الصلاة وغيرها ، فابتدع بقيله ذلك بدعة ضل بها عن قصد السبيل ، وأورط نفسه في مزلة عظمت بها جنايته على الإسلام وأهله ، وحاول إلحاق كتاب الله من الباطل ما لا يأتيه من بين يديه ولا من خلفه ، إذ جعل لأهل الإلحاد في دين الله بسيئ رأيه طريقا إلى مغالطة أهل الحق ، بتخير القراءات من جهة البحث ، والاستخراج بالأراء دون الاعتصام والتمسك بالأثر المفترض . وقد كان أبو بكر شيخنا ، نضر الله وجهه ، نشله من بدعته المضلة باستتابته منها ، وأشهد عليه الحكام والشهود المقبولين عند الحكام ، بتركه ما أوقع نفسه فيه من الضلالة بعد أن سئل البرهان على صحة ما ذهب إليه فلم يأت بطائل ، ولم يكن له حجة قوية ولا ضعيفة ، واستوهب أبو بكر رضي الله تعالى عنه تأديبه من السلطان عند توبته ، وإظهاره الإقلاع عن بدعته ، ثم عاود في وقتنا هذا إلى ما كان ابتدعه واستغوى من أصاغر المسلمين ممن هو في الغفلة والغباوة دونه ، ظنا منه أن ذلك يكون للناس دينا ، وأن يجعلوه فيما ابتدعه إماما ، ولن يعدو ما ضل به مجلسه ، لأن الله قد أعلمنا أنه حافظ كتابه من لفظ الزائغين ، وشبهات الملحدين بقوله : إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ سورة الحجر آية 9 . ثم ذكر أبو طاهر كلاما كثيرا وَقَالَ بعده : وقد دخلت عليه شبهة لا تخيل بطولها وفسادها على ذي لب وفطنة صحيحة ، وذلك أنه قَالَ : لما كان لخلف ابن هشام ، وأبي عبيد ، وابن سعدان ، أن يختاروا ، وكان ذلك لهم مباحا غير منكر ، كان ذلك لي أيضا مباحا غير مستنكر . فلو كان حذا حذوهم فيما اختاروه ، وسلك طريقا كطريقهم ، كان ذلك مباحا له ولغيره غير مستنكر ، وذلك أن خلفا ترك حروفا من حروف حمزة ، واختار أن يقرأ على مذهب نافع ، وأما أبو عبيد وابن سعدان فلم يتجاوز واحد منهما قراءة أئمة القراءة بالأمصار ، ولو كان هذا الغافل نحا نحوهم كان مسوغا لذلك غير ممنوع منه ، ولا معيب عليه ، بل إنما كان النكير عليه شذوذه عما عليه الأئمة الذين هم الحجة فيما جاءوا به مجتمعين ومختلفين . وذكر أبو طاهر كلاما كثيرا نقلنا منه هذا المقدار ، ومن آثر الوقوف عليه فليعمد للنظر في أول كتاب البيان فإنه مستقصى هناك . حَدَّثَنِي أبو بكر أحمد بن محمد المستملي الغزال ، قَالَ : سمعت أبا أحمد الفرضي غير مرة يقول : رأيت في المنام كأني في المسجد الجامع أصلي مع الناس ، وكان محمد بن الحسن بن مقسم قد ولي ظهره القبلة وهو يصلي مستدبرها ، فأولت ذلك مخالفته الأئمة فيما اختاره لنفسه من القراءات . قلت : ذكرت هذه الحكاية لأبي يعلى بن السراج المقرئ ، فقال : وأنا سمعتها من أبي أحمد الفرضي . قَالَ محمد بن أبي الفوارس : توفي ابن مقسم في شهر ربيع الأخر سنة أربع وخمسين وثلاث مائة ، ومولده سنة خمس وستين ومائتين . ويقال : إن ابنه أدخل عليه حديثا ، والله أعلم . أَخْبَرَنَا الحسن بن أبي بكر ، قَالَ : توفي أبو بكر بن مقسم يوم الخميس لثمان خلون من شهر ربيع الأخر سنة أربع وخمسين وثلاث مائة ، توفي على ساعات من النهار ، ودفن بعد صلاة الظهر من يومه .