أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ مُحَمَّدٍ الْخَطِيبُ ° ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْعَزِيزِ بْنُ أَحْمَدَ الْخَلالُ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو الْعَبَّاسِ الأَصَمُّ ° ، أَخْبَرَنَا الرَّبِيعُ ° ، أَخْبَرَنَا الشَّافِعِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَهَّابِ بْنُ عَبْدِ الْمَجِيدِ الثَّقَفِيُّ ° ، عَنْ أَيُّوبَ ° ، عَنْ ، عَنْ أَبِي قُلابَةَ ° ، أَبِي الْمُهَلَّبِ ° ، عَنْ عِمْرَانَ بْنِ حُصَيْنٍ ° ، قَالَ : أَسَرَ أَصْحَابُ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَجُلا مِنْ بَنِي عَقِيلٍ ، فَأَوْثَقُوهُ ، وَكَانَتْ ثَقِيفٌ قَدْ أَسَرَتْ رَجُلَيْنِ مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، " فَفَدَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِالرَّجُلَيْنِ اللَّذَيْنِ أَسَرَتْهُمَا ثَقِيفٌ " .
قوله عز وجل : حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا سورة محمد آية 4 أي : أثقالها ، وأحمالها ، يعني : حَتَّى يضع أهل الحرب السلاح ، فيمسكوا عَن الحرب . وأصل الوزر : ما يحمله الإنسان ، فسمى الأسلحة أوزارًا ، لأنها تحمل ، وقيل : الحرب هم المحاربون كالشرب ، والركب . وقيل : الأوزار الآثام ، ومعناه : حَتَّى يضع المحاربون آثامها بأن يتوبوا من كفرهم ، فيؤمنوا بالله ورسوله . وقيل : حَتَّى تضع حربكم ، وقتالكم أوزار المشركين وقبائح أعمالهم بأن يسلموا ، ومعنى الآية : أثخنوا المشركين بالقتل والأسر حَتَّى يدخل أهل الملل كلها فِي الإسلام ، ويكون الدين كله لله ، فلا يكون بعده جهاد ، ولا قتال ، وذلك عند نزول عيسى ابْن مريم عليهما السلام ، وجاء فِي الحديث عَن النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " الجهاد ماض منذ بعثني اللَّه إِلَى أن يقاتل آخر أمتي الدجال " . وقال الكلبي : حَتَّى يسلموا أو يسالموا . وقال الفراء : حَتَّى لا يبق إلا مسلم أو مسالم . سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ { 5 } وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ { 6 } يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ { 7 } وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ { 8 } ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ { 9 } سورة محمد آية 5-9 . ذَلِكَ سورة محمد آية 3 الذي ذكرت وبينت من حكم الكفار ، وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لانْتَصَرَ مِنْهُمْ سورة محمد آية 4 فأهلكهم وكفاكم أمرهم بغير قتال ، وَلَكِنْ سورة محمد آية 4 أمركم بالقتال ، لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ سورة محمد آية 4 فيصير من قتل من المؤمنين إِلَى الثواب ، ومن قتل من الكفار إِلَى العذاب ، وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ سورة محمد آية 4 قرأ أهل البصرة ، وحفص قُتِلُوا سورة محمد آية 4 بضم القاف وكسر التاء خفيف ، يعني : الشهداء . وقرأ الآخرون قاتلوا بالألف من المقاتلة ، وهم المجاهدون . فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سورة محمد آية 4 قَالَ قتادة : ذكر لَنَا أن هذه الآية نزلت يوم أحد ، وقد فشت فِي المسلمين الجراحات والقتل . سَيَهْدِيهِمْ سورة محمد آية 5 أيام حياتهم فِي الدنيا إِلَى أرشد الأمور ، وفي الآخرة إِلَى الدرجات ، وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ سورة محمد آية 5 يقبل أعمالهم ويرضى عَنْهَا . وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ سورة محمد آية 6 أي : بين لهم منازلهم فِي الجنة حَتَّى يهتدوا إِلَى مساكنهم ، لا يخطئونها ، ولا يستدلون عليها أحدًا ، كأنهم سكانها منذ خلقوا ، فيكون المؤمن أهدى إِلَى درجته ، وزوجته ، وخدمه ، منه إِلَى منزله وأهله فِي الدنيا . هذا قول أكثر المفسرين . وروى عطاء عَن ابْن عباس : عَرَّفَهَا لَهُمْ سورة محمد آية 6 أي : طيبها لهم ، من العرف ، وهو الريح الطيبة ، وطعام معرف ، أي : مطيب . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ سورة محمد آية 7 أي : دينه ورسوله ، يَنْصُرْكُمْ سورة محمد آية 7 عَلَى عدوكم ، وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ سورة محمد آية 7 عند القتال ، وَالَّذِينَ كَفَرُوا فَتَعْسًا لَهُمْ سورة محمد آية 8 قَالَ ابْن عباس : بعدًا لهم . وقال أَبُو العالية : سقوطا لهم . وقال الضحاك : خيبة لهم . وقال ابْن زيد : شقاء لهم . قَالَ الفراء : هو نصب عَلَى المصدر عَلَى سبيل الدعاء . وقيل : فِي الدنيا العثرة ، وفي الآخرة التردي فِي النار . ويقال للعاثر : تعسا ، إذا لم يريدوا قيامه ، وضده : لعا ، إذا أرادوا قيامه ، وَأَضَلَّ أَعْمَالَهُمْ سورة محمد آية 8 لأنها كَانَت فِي طاعة الشيطان . ذَلِكَ سورة محمد آية 9 التعس والإضلال ، بِأَنَّهُمْ كَرِهُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ فَأَحْبَطَ أَعْمَالَهُمْ سورة محمد آية 9 . أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا { 10 } ذَلِكَ بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ { 11 } إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ { 12 } وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ أَهْلَكْنَاهُمْ فَلا نَاصِرَ لَهُمْ { 13 } أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ { 14 } سورة محمد آية 10-14 . ثم خوف الكفار فقال : أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ سورة محمد آية 10 أي : أهلكهم ، وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا سورة محمد آية 10 أي : إن لم يؤمنوا ، يتوعد مشركي مكة . ذَلِكَ سورة محمد آية 11 الذي ذكرت ، بِأَنَّ اللَّهَ مَوْلَى الَّذِينَ آمَنُوا سورة محمد آية 11 وليهم وناصرهم ، وَأَنَّ الْكَافِرِينَ لا مَوْلَى لَهُمْ سورة محمد آية 11 لا ناصر لهم . ثم ذكر مآل الفريقين فقال : إِنَّ اللَّهَ يُدْخِلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ سورة محمد آية 12 فِي الدنيا ، وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الأَنْعَامُ سورة محمد آية 12 ليس لهم همة إلا بطونهم ، وفروجهم ، وهم لاهون ساهون عما فِي غد ، قيل : المؤمن فِي الدنيا يتزود ، والمنافق يتزين ، والكافر يتمتع . وَالنَّارُ مَثْوًى لَهُمْ سورة محمد آية 12 وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ هِيَ أَشَدُّ قُوَّةً مِنْ قَرْيَتِكَ الَّتِي أَخْرَجَتْكَ سورة محمد آية 13 أي : أخرجك أهلها ، قَالَ ابْن عباس : كم رجال هم أشد من أهل مكة ؟ يدل عَلَيْهِ قوله : أَهْلَكْنَاهُمْ سورة محمد آية 13 . ولم يقل : أهلكناها . فَلا نَاصِرَ لَهُمْ سورة محمد آية 13 قَالَ ابْن عباس : لما خرج رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من مكة إِلَى الغار التفت إِلَى مكة ، وقال : " أنت أحب بلاد اللَّه إِلَى اللَّه ، وأحب بلاد اللَّه إلي ، ولو أن المشركين لم يخرجوني لم أخرج منك " . فأنزل اللَّه هذه الآية . أَفَمَنْ كَانَ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّهِ سورة محمد آية 14 يقين من دينه ، مُحَمَّد والمؤمنون ، كَمَنْ زُيِّنَ لَهُ سُوءُ عَمَلِهِ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ سورة محمد آية 14 يعني : عبادة الأوثان ، وهم : أَبُو جهل ، والمشركون . مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ كَمَنْ هُوَ خَالِدٌ فِي النَّارِ وَسُقُوا مَاءً حَمِيمًا فَقَطَّعَ أَمْعَاءَهُمْ { 15 } وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ حَتَّى إِذَا خَرَجُوا مِنْ عِنْدِكَ قَالُوا لِلَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ مَاذَا قَالَ آنِفًا أُولَئِكَ الَّذِينَ طَبَعَ اللَّهُ عَلَى قُلُوبِهِمْ وَاتَّبَعُوا أَهْوَاءَهُمْ { 16 } سورة محمد آية 15-16 . مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ سورة محمد آية 15 أي : صفتها ، فِيهَا أَنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ سورة محمد آية 15 آجن ، متغير ، منتن ، قرأ ابْن كثير أسِنٍ بالقصر ، والآخرون : بالمد ، وهما لغتان ، يقال : أسن الماء يأسن أسنا ، وأجن يأجن ، أسونا وأجونًا : إذا تغير . وَأَنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأَنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ سورة محمد آية 15 لذيذة ، لِلشَّارِبِينَ سورة محمد آية 15 لم تدنسها الأرجل ، ولم تدنسها الأيدي ، وَأَنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى سورة محمد آية 15 .