أَخْبَرَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ عَبْدِ الْقَاهِرِ ° ، أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْغَافِرِ بْنُ مُحَمَّدِ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنِ عِيسَى الْجُلُودِيُّ ° ، حَدَّثَنَا إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ سُفْيَانَ ° ، حَدَّثَنَا مُسْلِمُ بْنُ الْحَجَّاجِ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ ° ، حَدَّثَنَا الْحَسَنُ بْنُ مُوسَى ° ، حَدَّثَنَا حَمَّادُ بْنُ سَلَمَةَ ° ، عَنْ ثَابِتٍ الْبُنَانِيُّ ° ، عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° ، قَالَ : لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ سورة الحجرات آية 2 الآيَةَ ، جَلَسَ ثَابِتُ بْنُ قَيْسٍ فِي بَيْتِهِ وَقَالَ : أَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ . وَاحْتُبِسَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَسَأَلَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سَعْدَ بْنَ مُعَاذٍ ، فَقَالَ : " يَا أَبَا عُمَرَ ، وَمَا شَأْنُ ثَابِتٍ ، أَشْتَكَى ؟ " فَقَالَ سَعْدٌ : إِنَّهُ لَجَارِي وَمَا عَلِمْتُ لَهُ شَكْوَى . قَالَ : فَأَتَاهُ سَعْدٌ فَذَكَرَ لَهُ قَوْلَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ ثَابِتٌ : أُنْزِلَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، وَلَقَدْ عَلِمْتُمْ أَنِّي مِنْ أَرْفَعِكُمْ صَوْتًا عَلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَأَنَا مِنْ أَهْلِ النَّارِ . فَذَكَرَ ذَلِكَ سَعْدٌ لِلنَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بَلْ هُوَ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ "
. وروي أنه لما نزلت هذه الآية قعد ثابت فِي الطريق يبكي ، فمر به عاصم بْن عدي فقال : ما يبكيك يَا ثابت ؟ فقال : هذه الآية ، أتخوف أن تكون نزلت فِيَّ ، وأنا رفيع الصوت ، أخاف أن يحبط عملي ، وأن أكون أهل النار . فمضى عاصم إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وغلب ثابت البكاء فأتى امرأته ، جميلة بنت عَبْد اللَّه ابْن أُبَي ابْن سلول ، فقال لها : إذا دخلت بيت فرسي فشدي علي الضبة بمسمار . وقال : لا أخرج حَتَّى يتوفاني اللَّه أو يرضى عني رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فأتى عاصم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فأخبره خبره ، فقال لَهُ : " اذهب فادعه " . فجاء عاصم إِلَى المكان الذي رآه فلم يجده ، فجاء إِلَى أهله فوجده فِي بيت الفرس ، فقال لَهُ : إن رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يدعوك . فقال : اكسر الضبة . فكسرها ، فأتيا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما يبكيك يَا ثابت ؟ " فقال : أَنَا صيت وأتخوف أن تكون هذه الآية نزلت فِيَّ . فقال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أما ترضى أن تعيش حميدا ، وتقتل شهيدا ، وتدخل الجنة ؟ " فقال : رضيت ببشرى اللَّه ورسوله ، ولا أرفع صوتي أبدا عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فأنزل اللَّه : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ سورة الحجرات آية 3 الآية . قَالَ أَنَس : فكنا ننظر إِلَى رجل من أهل الجنة يمشي بين أيدينا ، فلما كان يوم اليمامة فِي حرب مسيلمة الكذاب ، رأى ثابت من المسلمين بعض انكسار ، وانهزمت طائفة منهم ، فقال : أف لهؤلاء . ثم قَالَ ثابت لسالم مولى أَبِي حذيفة : ما كنا نقاتل أعداء اللَّه مع رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل هذا . ثم ثبتا وقاتلا حَتَّى قتلا ، واستشهد ثابت وعليه درع ، فرآه رجل من الصحابة بعد موته فِي المنام ، وأنه قَالَ لَهُ : اعلم أن فلانا ، رجل من المسلمين ، نزع درعي ، فذهب بها ، وهي فِي ناحية من المعسكر عند فرس يسير فِي طِوَلِهِ ، وقد وضع عَلَى درعي برمة ، فأت خالد بْن الوليد وأخبره حَتَّى يسترد درعي ، وأت أَبَا بكر ، خليفة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقل لَهُ : إن علي دينا . حَتَّى يقضى ، وفلان من رقيقي عتيق . فأخبر الرجل خالدا فوجد درعه والفرس عَلَى ما وصفه لَهُ ، فاسترد الدرع ، وأخبر خالد أَبَا بكر بتلك الرؤيا فأجاز أَبُو بكر وصيته . قَالَ مالك بْن أَنَس : لا أعلم وصية أجيزت بعد موت صاحبها إلا هذه . قَالَ أَبُو هُرَيْرَةَ ، وابن عباس : لما نزلت هذه الآية كان أَبُو بكر لا يكلم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلا كأخي السرار . وقال ابْن الزبير : لما نزلت هذه الآية ما حدث عُمَرُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بعد ذلك فيسمع النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كلامه حَتَّى يستفهمه ، مما يخفض صوته ، فأنزل اللَّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ { 3 } إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ { 4 } سورة الحجرات آية 3-4 . إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ سورة الحجرات آية 3 يخفضون ، عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ سورة الحجرات آية 3 إجلالا لَهُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى سورة الحجرات آية 3 اختبرها وأخلصها ، كما يمتحن الذهب بالنار فيخرج خالصه ، لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ سورة الحجرات آية 3 . إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ سورة الحجرات آية 4 قرأ العامة بضم الجيم ، وقرأ أَبُو جَعْفَر بفتح الجيم ، وهما لغتان ، وهي جمع الحجر ، والحجر : جمع الحجرة ، فهي جمع الجمع . قَالَ ابْن عباس : بعث رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سرية إِلَى بني العنبر ، وأمر عليهم عيينة بْن حصن الفزاري ، فلما علموا أنه توجه نحوهم هربوا وتركوا عيالهم ، فسباهم عيينة بْن حصن وقدم بهم عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فجاء بعد ذلك رجالهم يفدون الذراري ، فقدموا وقت الظهيرة ووافقوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قائلا فِي أهله ، فلما رأتهم الذراري أجهشوا إِلَى آبائهم يبكون ، وكان لكل امرأة من نساء رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ حجرة ، فعجلوا قبل أن يخرج إليهم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فجعلوا ينادون : يَا مُحَمَّد ، اخرج إلينا . حَتَّى أيقظوه من نومه ، فخرج إليهم ، فقالوا : يَا مُحَمَّد ، نادنا عيالنا . فنزل جبريل عَلَيْهِ السلام ، فقال : إن اللَّه يأمرك أن تجعل بينك وبينهم رجلا . فقال لهم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أترضون أن يكون بيني وبينكم سبرة بْن عمرو ، وهو عَلَى دينكم ؟ " فقالوا : نعم . فقال سبرة : إني لا أحكم بينهم إلا وعمي شاهد . وهو الأعور بْن بشامة ، فرضوا به ، فقال الأعور : أرى أن تفادي نصفهم ، وتعتق نصفهم . فقال رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قد رضيت " . ففادى نصفهم ، وأعتق نصفهم ، فأنزل اللَّه تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ سورة الحجرات آية 4 وصفهم بالجهل وقلة العقل . وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة الحجرات آية 5 . وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ سورة الحجرات آية 5 قَالَ مقاتل : لكان خيرا لهم لأنك كُنْت تعتقهم جميعا وتطلقهم بلا فداء . وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة الحجرات آية 5 . وقال قتادة : نزلت فِي ناس من أعراب بني تميم جاءوا إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنادوا عَلَى الباب . ويروى ذلك عَن جابر ، قَالَ : جاءت بنو تميم فنادوا عَلَى الباب : اخرج إلينا يَا مُحَمَّد ، فإن مدحنا زين ، وذمنا شين . فخرج النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهو يقول : " إنما ذلكم اللَّه ، الذي مدحه زين وذمه شين " . فقالوا : نحن ناس من بني تميم جئنا بشعرائنا وخطبائنا لنشاعرك ونفاخرك . فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما بالشعر بعثت ، ولا بالفخار أمرت ، ولكن هاتوا " . فقام شاب منهم فذكر فضله وفضل قومه ، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لثابت بْن قيس بْن شماس ، وكان خطيب النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " قم فأجبه " . فأجابه ، وقام شاعرهم فذكر أبياتا ، فقال النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لحسان بْن ثابت : " أجبه " . فأجابه ، فقام الأقرع بْن حابس ، فقال : إن محمدا لمؤتى لَهُ ، والله ما أدري ما هذا الأمر ؟ تكلم خطيبنا ، فكان خطيبهم أحسن قولا ، وتكلم شاعرنا فكان شاعرهم أشعر وأحسن قولا . ثم دنا من النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال : أشهد أن لا إله إلا اللَّه وأنك رَسُول اللَّه . فقال لَهُ النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " ما يضرك ما كان قبل هذا " . ثم أعطاهم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وكساهم ، وكان قد تخلف فِي ركابهم عمرو بْن الأهتم لحداثة سنه ، فأعطاه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مثل ما أعطاهم ، وأزرى به بعضهم ، وارتفعت الأصوات ، وكثر اللغط عند رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنزل فيهم : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ سورة الحجرات آية 2 الآيات الأربع إِلَى قوله : غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة الحجرات آية 5 . وقال زيد بْن أرقم : جاء ناس من العرب إِلَى النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فقال بعضهم لبعض : انطلقوا بنا إِلَى هذا الرجل ، فإن يكن نبيا فنحن أسعد الناس به ، وإن يكن ملكا نعش فِي جنابه . فجاءوا فجعلوا ينادونه : يَا مُحَمَّد ، يَا مُحَمَّد . فأنزل اللَّه : إِنَّ الَّذِينَ يُنَادُونَكَ مِنْ وَرَاءِ الْحُجُرَاتِ أَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ { 4 } وَلَوْ أَنَّهُمْ صَبَرُوا حَتَّى تَخْرُجَ إِلَيْهِمْ لَكَانَ خَيْرًا لَهُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ { 5 } سورة الحجرات آية 4-5 . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ سورة الحجرات آية 6 . قوله عز وجل : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا سورة الحجرات آية 6 الآية ، نزلت فِي الوليد بْن عقبة بْن أَبِي معيط ، بعثه رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى بني المصطلق بعد الوقعة مصدقا ، وكان بينه وبينهم عداوة فِي الجاهلية ، فلما سمع به القوم تلقوه تعظيما لأمر رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فحدثه الشيطان أنهم يريدون قتله ، فهابهم فرجع من الطريق إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقال : إن بني المصطلق قد منعوا صدقاتهم ، وأرادوا قتلي . فغضب رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وهم أن يغزوهم ، فبلغ القوم رجوعه ، فأتوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وقالوا : يَا رَسُول اللَّه ، سمعنا برسولك ، فخرجنا نتلقاه ونكرمه ونؤدي إِلَيْهِ ما قبلناه من حق اللَّه عز وجل ، فبدا لَهُ الرجوع فخشينا أنه إنما رده من الطريق كتاب جاءه منك لغضب غضبته علينا ، وإنا نعوذ بالله من غضبه وغضب رسوله . فاتهمهم رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبعث خالد بْن الوليد إليهم خفية فِي عسكر ، وأمره أن يخفي عليهم قدوم قومه ، وقال لَهُ : انظر فإن رأيت منهم ما يدل عَلَى إيمانهم ، فخذ منهم زكاة أموالهم ، وإن لم تر ذلك فاستعمل فيهم ما يستعمل فِي الكفار . ففعل ذلك خالد ، ووافاهم فسمع منهم أذان صلاتي المغرب والعشاء ، فأخذ منهم صدقاتهم ، ولم ير منهم إلا الطاعة والخير ، فانصرف إِلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبره الخبر ، فأنزل اللَّه تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ سورة الحجرات آية 6 يعني : الوليد بْن عقبة ، بِنَبَإٍ سورة الحجرات آية 6 بخبر ، فَتَبَيَّنُوا أَنْ تُصِيبُوا سورة الحجرات آية 6 كي لا تصيبوا بالقتل ، والقتال ، قَوْمًا سورة الحجرات آية 6 برآء ، بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ سورة الحجرات آية 6 من إصابتكم بالخطأ . وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ لَوْ يُطِيعُكُمْ فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ لَعَنِتُّمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ وَالْعِصْيَانَ أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ { 7 } فَضْلا مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { 8 } وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ { 9 } سورة الحجرات آية 7-9 . وَاعْلَمُوا أَنَّ فِيكُمْ رَسُولَ اللَّهِ سورة الحجرات آية 7 فاتقوا اللَّه أن تقولوا باطلا أو تكذبوه ، فإن اللَّه يخبره ويعرفه أحوالكم فَتَفْتَضِحُوا ، لَوْ يُطِيعُكُمْ سورة الحجرات آية 7 أي : الرسول ، فِي كَثِيرٍ مِنَ الأَمْرِ سورة الحجرات آية 7 مما تخبرونه به ، فيحكم برأيكم ، لَعَنِتُّمْ سورة الحجرات آية 7 لأثمتم وهلكتم ، والعنت : الإثم والهلاك ، وَلَكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الإِيمَانَ سورة الحجرات آية 7 فجعله أحب الأديان إليكم ، وَزَيَّنَهُ سورة الحجرات آية 7 حسنه ، فِي قُلُوبِكُمْ سورة الحجرات آية 7 حَتَّى اخترتموه ، وتطيعوا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَرَّهَ إِلَيْكُمُ الْكُفْرَ وَالْفُسُوقَ سورة الحجرات آية 7 قَالَ ابْن عباس : يريد الكذب ، وَالْعِصْيَانَ سورة الحجرات آية 7 جميع معاصي اللَّه ، ثم عاد من الخطاب إِلَى الخبر وقال : أُولَئِكَ هُمُ الرَّاشِدُونَ سورة الحجرات آية 7 المهتدون . فَضْلا سورة الحجرات آية 8 أي : كان هذا فضلا ، مِنَ اللَّهِ وَنِعْمَةً وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ سورة الحجرات آية 8 قوله عز وجل : وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا سورة الحجرات آية 9 الآية .