209 أَخْبَرَنَا أَبُو الْحَسَنِ السَّرَخْسِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ السَّرَخْسِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ° ، عَنْ سَعِيدِ بْنِ أَبِي سَعِيدٍ الْمَقْبُرِيِّ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي قَتَادَةَ الأَنْصَارِيِّ ° ، عَنْ أَبِيهِ ° ، أَنَّهُ قَالَ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، أَرَأَيْتَ إِنْ قُتِلْتُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ صَابِرًا مُحْتَسِبًا ، مُقْبِلا غَيْرَ مُدْبِرٍ ، يُكَفِّرُ اللَّهُ عَنِّي خَطَايَايَ ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ " ، فَلَمَّا أَدْبَرَ نَادَاهُ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوْ أَمَرَ بِهِ فَنُودِيَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " كَيْفَ قُلْتَ ؟ " فَأَعَادَ عَلَيْهِ قَوْلَهُ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " نَعَمْ إِلا الدَّيْنَ ، كَذَلِكَ قَالَ جِبْرِيلُ
وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ سورة البقرة آية 281 قوله تعالى : وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ سورة البقرة آية 281 قرأ أهل البصرة بفتح التاء ، أي : تصيرون إِلَى اللَّه ، وقرأ الآخرون بضم التاء وفتح الجيم ، أي : تردون إِلَى اللَّه تَعَالَى ، ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ سورة البقرة آية 281 قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ : هذه آخر آية نزلت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ لَهُ جبريل عَلَيْهِ السَّلام : ضعها عَلَى رأس مائتين وثمانين آية من سورة البقرة ، وعاش بعدها رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ واحدًا وعشرين يومًا . وَقَالَ ابْن جريج : تسع ليال ، وَقَالَ سَعِيد بْن جُبَيْر : سبع ليال ، وَمَاتَ يَوْم الاثنين لليلتين خلتا من شَهْر ربيع الأَوَّل حِينَ زاغت الشَّمْس سنة إحدى عشرة من الهجرة . قَالَ الشَّعْبِي ، عَنِ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : آخر آية نزلت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آية الربا . يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ وَلا يَأْبَ كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا أَوْ ضَعِيفًا أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِالْعَدْلِ وَاسْتَشْهِدُوا شَهِيدَيْنِ مِنْ رِجَالِكُمْ فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ أَنْ تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا الأُخْرَى وَلا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا وَلا تَسْأَمُوا أَنْ تَكْتُبُوهُ صَغِيرًا أَوْ كَبِيرًا إِلَى أَجَلِهِ ذَلِكُمْ أَقْسَطُ عِنْدَ اللَّهِ وَأَقْوَمُ لِلشَّهَادَةِ وَأَدْنَى أَلَّا تَرْتَابُوا إِلا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً حَاضِرَةً تُدِيرُونَهَا بَيْنَكُمْ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَلَّا تَكْتُبُوهَا وَأَشْهِدُوا إِذَا تَبَايَعْتُمْ وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ وَإِنْ تَفْعَلُوا فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَيُعَلِّمُكُمُ اللَّهُ وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ سورة البقرة آية 282 قوله تعالى : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى سورة البقرة آية 282 قَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا : لما حرم اللَّه الربا أباح السلم ، وَقَالَ : أشهد أَن السلف المضمون إِلَى أجل مسمى قَدْ أحله اللَّه تَعَالَى فِي كتابه وأذن فِيهِ ، ثُمَّ قال : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنْتُمْ بِدَيْنٍ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى فَاكْتُبُوهُ سورة البقرة آية 282 . قَوْله : إِذَا تَدَايَنْتُمْ سورة البقرة آية 282 أي : تعاملتم بالدين ، يقال : داينته إِذَا عاملته بالدين ، وإنما قَالَ : بِدَيْنٍ سورة البقرة آية 282 بَعْد قَوْله : إِذَا تَدَايَنْتُمْ سورة البقرة آية 282 لأن المداينة قَدْ تكون مجازاة وَقَدْ تكون معاطاة ، فقيده بالدين ليعرف المراد من اللفظ . وقيل : ذكره تأكيدا ، كقوله تَعَالَى : وَلا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ سورة الأنعام آية 38 ، إِلَى أجل مسمى الأجل : مدة معلومة الأَوَّل والآخر ، والأجل يلزم فِي الثمن في البيع وفِي السلم حَتَّى لا يَكُون لصاحب الحق الطلب قبل محله ، وَفِي القرض لا يلزم الأجل عِنْدَ أَكْثَر أهل العلم ، فَاكْتُبُوهُ سورة البقرة آية 282 أي : اكتبوا الَّذِي تداينتم بِهِ ، بيعا كَانَ أَوْ سلما أَوْ قرضًا . واختلفوا فِي هذه الكتابة ، فَقَالَ بَعْضهم : هِيَ واجبة ، والأكثرون عَلَى أَنَّهُ أمر استجاب ، فَإِن ترك فلا بأس ، كقوله تَعَالَى : فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الأَرْضِ سورة الجمعة آية 10 ، وَقَالَ بَعْضهم : كانت كتابة الدين والإشهاد فرضًا ، ثُمَّ نسخ الكل بقوله : فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ سورة البقرة آية 283 وَهُوَ قَوْل الشَّعْبِي ، ثُمَّ بَيَّنَ كيفية الكتابة ، فَقَالَ جل ذكره : وَلْيَكْتُبْ بَيْنَكُمْ سورة البقرة آية 282 أي : ليكتب كتاب الدين بَيْنَ الطالب والمطلوب ، كَاتِبٌ بِالْعَدْلِ سورة البقرة آية 282 أي : بالحق ، من غَيْر زيادة ولا نقصان ، ولا تقديم أجل ولا تأخير ، وَلا يَأْبَ سورة البقرة آية 282 أي : لا يمتنع ، كَاتِبٌ أَنْ يَكْتُبَ سورة البقرة آية 282 واختلفوا فِي وجوب الكتابة عَلَى الكاتب ، وتحمل الشهادة عَلَى الشاهد ، فَذَهَبَ قوم إِلَى وجوبها إِذَا طولب ، وَهُوَ قَوْل مجاهد ، وَقَالَ الْحَسَن : تجب إِذَا لَمْ يكن كاتب غيره . وَقَالَ قوم : هُوَ عَلَى الندب والاستحباب ، وَقَالَ الضحاك : كانت عزيمة واجبة عَلَى الكاتب والشاهد فنسخها قَوْله تَعَالَى : وَلا يُضَارَّ كَاتِبٌ وَلا شَهِيدٌ سورة البقرة آية 282 . كَمَا عَلَّمَهُ اللَّهُ سورة البقرة آية 282 أي : كَمَا شرعه اللَّه وأمره ، فَلْيَكْتُبْ وَلْيُمْلِلِ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سورة البقرة آية 282 يَعْنِي : المطلوب ، يقر عَلَى نَفْسه بلسانه ليعلم مَا عَلَيْهِ ، والإملال والإملاء لغتان فصيحتان معناهما واحد ، جاء بهما الْقُرْآن ، فالإملال ههنا ، والإملاء قوله تعالى : فَهِيَ تُمْلَى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلا سورة الفرقان آية 5 . وَلْيَتَّقِ اللَّهَ رَبَّهُ سورة البقرة آية 282 يَعْنِي : المملّ ، وَلا يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئًا سورة البقرة آية 282 أي : ولا ينقص منه ، أي : من الحق الَّذِي عَلَيْهِ شَيْئًا . فَإِنْ كَانَ الَّذِي عَلَيْهِ الْحَقُّ سَفِيهًا سورة البقرة آية 282 أي : جاهلا بالإملاء ، قاله مجاهد . وَقَالَ الضحاك ، والسدي : طفلا صغيرًا ، وَقَالَ الشَّافِعِي : السفيه المبذر المفسد لماله أَوْ فِي دينه . قوله : أَوْ ضَعِيفًا سورة البقرة آية 282 أي : شيخًا كبيرًا ، وقيل : هُوَ ضعيف العقل لعته أَوْ جنون ، أَوْ لا يَسْتَطِيعُ أَنْ يُمِلَّ هُوَ سورة البقرة آية 282 لخرس أَوْ عيّ أَوْ عجمة أَوْ حبس أَوْ غيبة ، لا يمكنه حضور الكاتب أَوْ جهل بما له وعليه ، فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ سورة البقرة آية 282 أي : قيمه ، بِالْعَدْلِ سورة البقرة آية 282 أي : بالصدق والحق ، وَقَالَ ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما ، ومقاتل : أراد بالولي صاحب الحق ، يَعْنِي : إِن عجز من عَلَيْهِ الحق من الإملال فليملل ولي الحق وصاحب الدين بالعدل ، لأنه أعلم بحقه ، وَاسْتَشْهِدُوا سورة البقرة آية 282 أي : وأشهدوا ، شَهِيدَيْنِ سورة البقرة آية 282 أي : شاهدين ، مِنْ رِجَالِكُمْ سورة البقرة آية 282 يَعْنِي : الأحرار الْمُسْلِمِينَ دُونَ العبيد والصبيان ، وَهُوَ قَوْل أَكْثَر أهل العلم ، وأجاز شريح وابن سيرين شهادة العبيد ، فَإِنْ لَمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ سورة البقرة آية 282 أي : لَمْ يكن الشاهدان رجلين ، فَرَجُلٌ وَامْرَأَتَانِ سورة البقرة آية 282 أي : فليشهد رجل وامرأتان . وأجمع الْفُقَهَاء عَلَى أَن شهادة النِّسَاء جائزة مَعَ الرجال فِي الأَمْوَال حَتَّى تثبت برجل وامرأتين ، واختلفوا فِي غَيْر الأَمْوَال ، فَذَهَبَ جَمَاعَة إِلَى أَنَّهُ تَجُوز شهادتهن مَعَ الرجال فِي غَيْر العقوبات ، وَهُوَ قَوْل سُفْيَان الثَّوْرِي ، وأَصْحَاب الرأي ، وذهب جَمَاعَة إِلَى أَن غَيْر المال لا يثبت إلا برجلين عدلين ، وذهب الشَّافِعِي رحمه اللَّه إِلَى أَن مَا يطلع عَلَيْهِ النِّسَاء غالبا كالولادة والرضاع والثيوبة والبكارة ونحوها يثبت بشهادة رجل وامرأتين ، وبشهادة أربع نسوة ، واتفقوا عَلَى أَن شهادة النِّسَاء غير جائزة فِي العقوبات . قوله تعالى : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ سورة البقرة آية 282 يَعْنِي : من كَانَ مرضيًا فِي ديانته وأمانته ، وشرائط قبول الشهادة سبعة : الإِسْلام ، والحرية ، والعقل ، والبلوغ ، والعدالة ، والمروءة ، وانتفاء التهمة . فشهادة الكافر مردودة ، لأن المعروفين بالكذب عِنْدَ النَّاس لا تجوز شهادتهم ، فالذي يكذب عَلَى اللَّه تَعَالَى أولى أَن يَكُون مردود الشهادة ، وجوز أَصْحَاب الرأي شهادة أهل الذمة بَعْضهم عَلَى بَعْض ، ولا تقبل شهادة العبيد ، وأجازها شريح وابن سيرين ، وَهُوَ قَوْل أَنَس بْن مَالِك رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، ولا قَوْل للمجنون حَتَّى يَكُون لَهُ شهادة ، ولا يَجُوز شهادة الصبيان ، سئل ابْن عَبَّاس رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُما عَنْ ذَلِكَ ، فَقَالَ : لا تَجُوز ، لأن اللَّه تَعَالَى يَقُول : مِمَّنْ تَرْضَوْنَ مِنَ الشُّهَدَاءِ سورة البقرة آية 282 . والعدالة شرط ، وَهِيَ أَن يَكُون الشاهد مجتنبًا للكبائر غَيْر مصر عَلَى الصغائر . والمروءة شرط ، وَهِيَ مَا يتصل بآداب النفس مِمَّا يعلم أَن تاركه قليل الحياء ، وَهِيَ حسن الهيئة والسيرة والعشرة والصناعة ، فَإِن كَانَ الرجل يظهر من نَفْسه في شيء منها ما يستحي أمثاله من إظهاره فِي الأغلب ، يعلم بِهِ قلة مروءته وترد شهادته . وانتفاء التهمة شرط حَتَّى لا تقبل شهادة العدو عَلَى العدو ، وإن كَانَ مقبول الشهادة عَلَى غيره ، لأنه متهم فِي حق عدوه ، ولا تقبل شهادة الرجل لولده ووالده ، وإن كَانَ مقبول الشهادة عليهما ، ولا تقبل شهادة من يجر بشهادته إِلَى نَفْسه نفعًا ، كالوارث يشهد عَلَى رجل بقتل مورّثه ، أَوْ يدفع عَنْ نَفْسه بشهادته ضررًا ، كالمشهود عَلَيْهِ يشهد بجرح من يشهد عَلَيْهِ لتمكن التهمة فِي شهادته .