296 أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخَرَقِيُّ ° ، أنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ ° ، أنا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ ° ، أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهَنِيُّ ° ، أنا عَلِيُّ بْنُ حَجَرٍ ° ، أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ° ، أنا حُمَيْدٌ ° ، عَنْ أَنَسٍ ، ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ ، قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَا مِنْ عَبْدٍ يَمُوتُ ، لَهُ عِنْدَ اللَّهِ خَيْرٌ ، يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا ، وَأَنَّ لَهُ الدُّنْيَا وَمَا فِيهَا إِلا الشَّهِيدَ لِمَا يَرَى مِنْ فَضْلِ الشَّهَادَةِ ، فَإِنَّهُ يُحِبُّ أَنْ يَرْجِعَ إِلَى الدُّنْيَا فَيُقْتَلُ مَرَّةً أُخْرَى "
وَقَالَ قوم : نزلت هذه الآية فِي شهداء بئر معونة ، وَكَانَ سبب ذَلِكَ عَلَى مَا رَوَى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق ، عَنْ أَبِيهِ إِسْحَاق بْن يسار ، عَنِ المغيرة بْن عَبْد الرَّحْمَنِ بْن الْحَارِث بْن هِشَام ، وعبد اللَّه بْن أَبِي بَكْر بْنِ مُحَمَّد بْن عَمْرو بْن حزم ، وعن حميد الطويل ، عَنْ أَنَس بْن مَالِك ، وغيرهم من أهل العلم ، قَالَ : قدم أَبُو براء عامر بْن مَالِك بْن جَعْفَر ، ملاعب الأسنة وَكَانَ سيد بَنِي عامر بْن صعصعة ، عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأهدى إِلَيْهِ هدية ، فأبى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَن يقبلها ، وَقَالَ : " لا أقبل هدية مشرك ، فأسلم إِن أردت أَن أقبل هديتك " ، ثُمَّ عرض عَلَيْهِ الإِسْلام ، وأخبره بِمَا لَهُ فِيهِ وَمَا أعد اللَّه للمؤمنين ، وقرأ عَلَيْهِ الْقُرْآن فلم يسلم وَلَمْ يبعد ، وَقَالَ : يا مُحَمَّد ، إِن الَّذِي تدعو إِلَيْهِ حسن جميل ، فلو بعثت رجالا من أَصْحَابك إِلَى أهل نجد فيدعونهم إِلَى أمرك ، رجوت أَن يستجيبوا لَك . فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " إني أخشى عَلَيْهِم أهل نجد " . فَقَالَ البراء : أنا لَهُمْ جار ، فابعثهم فليدعوا النَّاس إِلَى أمرك . فبعث رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ المنذر بْن عُمَرو أَخَا بَنِي ساعدة فِي سبعين رجلا من خيار الْمُسْلِمِينَ ، مِنْهُم : الْحَارِث بْن الصمة ، وحرام بْن ملحان ، وعروة بْن أسماء بْن الصلت السلمي ، ونَافِع بْن يَزِيد بْن ورقاء الْخُزَاعِي ، وعامر بْن فهيرة مولى أَبِي بَكْر رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، وَذَلِكَ فِي صفر سنة أربع من الهجرة عَلَى رأس أربعة أشهر من أحد ، فساروا حَتَّى نزلوا بئر معونة ، وَهِيَ أرض بَيْنَ أرض بَنِي عامر وحرة بَنِي سليم ، فلما نزلوها قَالَ بَعْضهم لبعض : أيكم يبلغ رسالة رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أهل هَذَا الماء ؟ فَقَالَ حرام بْن ملحان : أنا . فخرج بكتاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى عامر بْن الطفيل ، وَكَانَ عَلَى ذَلِكَ الماء ، فلما أتاهم حرام بْن ملحان لَمْ ينظر عامر بْن الطفيل فِي كتاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . فَقَالَ حرام بْن ملحان : يأهل بئر معونة ، إني رَسُولُ رَسُولِ اللَّهِ إليكم ، إني أشهد أَن لا إله إلا اللَّه وأن محمدا عبده ورسوله ، فآمنوا بالله ورسوله . فخرج إِلَيْهِ رجل من كسر الْبَيْت برمح ، فضرب بِهِ فِي جنبه حَتَّى خرج من الشق الآخر ، فَقَالَ : اللَّه أكبر ، فزت ورب الْكَعْبَة . ثُمَّ استصرخ عامر بْن الطفيل بَنِي عامر عَلَى الْمُسْلِمِينَ ، فأبوا إِلَى أَن يجيبوه إِلَى مَا دعاهم إِلَيْهِ ، وَقَالُوا : لَنْ نخفر أبا براء ، قَدْ عقد لَهُمْ عقدا وجوارا . ثُمَّ استصرخ عَلَيْهِم قبائل من بَنِي سليم ، عصية ورعلا وذكوان ، فأجابوه فخرجوا حَتَّى غشوا الْقَوْم فأحاطوا بِهِمْ فِي رحالهم ، فلما رأوهم أخذوا السيوف فقاتلوهم حَتَّى قتلوا من عِنْدَ آخرهم إلا كعب بْن زَيْد ، فإنهم تركوه وَبِهِ رمق فارتث من بَيْنَ القتلى ، فضلوه فيهم فعاش حَتَّى قتل يَوْم الخندق ، وَكَانَ فِي سرح الْقَوْم عَمْرو بْن أمية الضمري ورجل من الأنصار أحد بَنِي عَمْرو بْن عوف ، فلم ينبههما بمصاب أَصْحَابهما إلا الطير تحوم عَلَى المعسكر ، فقالا : والله ، إِن لِهَذَا الطير شأنا . فأقبلا لينظرا ، فَإِذَا الْقَوْم فِي دمائهم ، وإذا الْخَيْل الَّتِي أصابتهم واقفة ، فَقَالَ الأَنْصَارِي لعمرو بْن أمية الضمري : ماذا ترى ؟ قَالَ : أرى أَن نلحق برسول اللَّه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فنخبره . فَقَالَ الأَنْصَارِي : اللَّه أكبر ، لكني مَا كنت لأرغب بنفسي عَنْ موطن قتل فِيهِ المنذر بْن عَمْرو ، ثُمَّ قاتل الْقَوْم حَتَّى قتل ، وأخذوا عَمْرو بْن أمية الضمري أسيرا . فلما أخبرهم أَنَّهُ من مضر ، أطلقه عامر بْن الطفيل ، وجز ناصيته وأعتقه عَنْ رقبة زعم أَنَّهَا كانت عَلَى أمه ، فقدم عَمْرو بْن أمية عَلَى رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وأخبره الْخَبَر ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هَذَا عمل أَبِي براء ، قَدْ كنت لِهَذَا كارها متخوفا " ، فبلغ ذَلِكَ أبا براء فشق عَلَيْهِ إخفار عامر إياه ، وَمَا أصاب رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بسببه وجواره . وَكَانَ فيمن أصيب عامر بْن فهيرة ، فروى مُحَمَّد بْن إِسْحَاق ، عَنْ هِشَام بْن عُرْوَةَ ، عَنْ أَبِيهِ ، أَن عامر بْن الطفيل كَانَ يَقُول : من الرجل مِنْهُم ؟ لما قتل رأيته رفع بَيْنَ السماء وَالأَرْض حَتَّى رأيت السماء من دونه . قَالُوا : هُوَ عامر بْن فهيرة ، ثُمَّ بَعْد ذَلِكَ حمل ربيعة بْن أَبِي براء عَلَى عامر بْن الطفيل فطعنه عَلَى فرسه فقتله .