أَخْبَرَنَا أَبُو إِسْحَاقَ السَّرَخْسِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا زَاهِرُ بْنُ أَحْمَدَ ° ، أنا أَبُو إِسْحَاقَ الْهَاشِمِيُّ ° ، أنا أَبُو مُصْعَبٍ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ يَحْيَى بْنِ سَعِيدٍ ، أَنَّهُ قَالَ : سَمِعْتُ الْقَاسِمَ بْنَ مُحَمَّدٍ ، يَقُولُ : جَاءَ رَجُلٌ إِلَى ابْنِ عَبَّاسٍ ، ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا ، قَالَ : إِنَّ لِي يَتِيمًا ، وَإِنَّ لَهُ إِبِلا ، أَفَأَشْرَبُ مِنْ لَبِنِ إِبِلِهِ ؟ فَقَالَ : " إِنْ كُنْتَ تَبْغِي ضَالَّةَ إِبِلِهِ ، وَتَهْنَأُ جَرْبَاهَا ، وَتُلِيطُ حَوْضَهَا ، وَتَسْقِيهَا يَوْمَ وُرْدِهَا ، فَاشْرَبْ غَيْرَ مُضِرٍّ بِنَسْلٍ ، وَلا نَاهِكٍ فِي الْحَلْبِ " . وَقَالَ بَعْضُهُمْ : الْمَعْرُوفُ أَنْ يَأْخُذَ من جميع مَالَهُ بِقَدْرِ قِيَامِهِ وَأُجْرَةِ عَمَلِهِ ، وَلا قَضَاءَ عَلَيْهِ ، وَهُوَ قَوْلُ عَائِشَةَ وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ
قوله تعالى : فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ سورة النساء آية 6 هذا أمر إرشاد ، ليس بواجب ، أمر الولي بالإشهاد على دفع المال إلى اليتيم بعدما بلغ ، لتزول عنه التهمة وتنقطع الخصومة ، وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا سورة النساء آية 6 محاسبا ومجازيا وشاهدا . لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا سورة النساء آية 7 قوله تعالى : لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ سورة النساء آية 7 الآية ، نزلت في أوس بن ثابت الأنصاري ، توفي وترك امرأة يقال لها : أم كجة وثلاث بنات له منها ، فقام رجلان هما ابنا عم الميت ووصياه : سويد وعرفجة ، فأخذا ماله ولم يعطيا امرأته ولا بناته شيئا ، وكانوا في الجاهلية لا يورثون النساء ولا الصغار ، وإن كان الصغير ذكرا ، وإنما كانوا يورثون الرجال ، ويقولون : لا نعطي إلا من قاتل وحاز الغنيمة . فجاءت أم كجة فقالت : يا رسول الله ، إن أوس بن ثابت مات وترك عليّ بنات وأنا امرأته ، وليس عندي ما أنفق عليهن ، وقد ترك أبوهن مالا حسنا ، وهو عند سويد وعرفجة ، ولم يعطياني ولا بناتي شيئا وهن في حجري ، لا يطعمن ولا يسقين . فدعاهما رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فقالا : يا رسول الله ، ولدها لا يركب فرسا ، ولا يحمل كلا ، ولا ينكأ عدوا . فأنزل الله عز وجل : لِلرِّجَالِ سورة النساء آية 7 يعني : للذكور من أولاد الميت وأقربائه ، نَصيِبٌ سورة النساء آية 7 حظ ، مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ سورة النساء آية 7 من الميراث ، وَلِلنِّسَاءِ سورة النساء آية 7 للإناث منهم ، نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ سورة النساء آية 7 أي : من المال ، أَوْ كَثُرَ سورة النساء آية 7 منه ، نَصِيبًا مَفْرُوضًا سورة النساء آية 7 نصب على القطع ، وقيل : جعل ذلك نصيب ، فأثبت لهن الميراث ، ولم يبين كم هو ؟ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سويد وعرفجة : لا تفرقا من مال أوس بن ثابت شيئا ، فإن الله تعالى جعل لبناته نصيبا مما ترك ، ولم يبين كم هو ، حتى أنظر ما ينزل فيهن ، فأنزل الله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ سورة النساء آية 11 فلما نزلت أرسل رسول الله إلى سويد وعرفجة " أن ادفعا إلى أم كجة الثمن مما ترك وإلى بناته الثلثين ، ولكما باقي المال " . وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا سورة النساء آية 8 قوله تعالى : وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ سورة النساء آية 8 يعني : قسمة المواريث ، أُولُو الْقُرْبَى سورة النساء آية 8 الذين لا يرثون ، وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ سورة النساء آية 8 أي : فارضخوا لهم من المال قبل القسمة ، وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلا مَعْرُوفًا سورة النساء آية 8 . اختلف العلماء في حكم هذه الآية ، فقال قوم : هي منسوخة . وقال سعيد بن جبير ، والضحاك : كانت هذه قبل آية الميراث ، فلما نزلت آية الميراث جعلت المواريث لأهلها ، ونسخت هذه الآية . وقال الآخرون : هي محكمة ، وهو قول ابن عباس ، والشعبي ، والنخعي ، والزهري . وقال مجاهد : هي واجبة على أهل الميراث ما طابت به أنفسهم . وقال الحسن : كانوا يعطون التابوت ، والأواني ، ورث الثياب ، والمتاع ، والشيء الذي يستحيا من قسمته . وإن كان بعض الورثة طفلا فقد اختلفوا فيه ، فقال ابن عباس رضي الله عنهما وغيره : إن كانت الورثة كبارا رضخوا لهم ، وإن كانت صغارا اعتذروا إليهم ، فيقول الولي والوصي : إني لا أملك هذا المال إنما هو للصغار ، ولو كان لي منه شيء لأعطيتكم ، وإن يكبروا فسيعرفون حقوقكم ، هذا هو القول بالمعروف . وقال بعضهم : ذلك حق واجب في أموال الصغار والكبار ، فإن كانوا كبارا تولوا إعطاءهم ، وإن كانوا صغارا أعطى وليهم . روى محمد بن سيرين أن عبيدة السلماني قسم أموال أيتام ، فأمر بشاة فذبحت فصنع طعاما لأجل هذه الآية ، وقال : لولا هذه الآية لكان هذا من مالي . وقال قتادة عن يحيى بن معمر : ثلاث آيات محكمات مدنيات تركهن الناس : هذه الآية ، وآية الاستئذان يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِيَسْتَأْذِنْكُمُ الَّذِينَ مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ سورة النور آية 58 الآية ، وقوله تعالى : يَأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى سورة الحجرات آية 13 الآية . وقال بعضهم ، وهو أولى الأقاويل : إن هذا على الندب والاستحباب ، لا على الحتم والإيجاب . وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا { 9 } إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا { 10 } سورة النساء آية 9-10 قوله تعالى : وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا سورة النساء آية 9 أولادا أصغارا ، خَافُوا عَلَيْهِمْ سورة النساء آية 9 الفقر ، هذا في الرجل يحضره الموت ، فيقول من بحضرته : انظر لنفسك ، فإن أولادك وورثتك لا يغنون عنك شيئا ، قدم لنفسك ، أعتق وتصدق وأعط فلانا كذا وفلانا كذا ، حتى يأتي على عامة ماله . فنهاهم الله تعالى عن ذلك ، وأمرهم أن يأمروه أن ينظر لولده ولا يزيد في وصيته على الثلث ، ولا يجحف بورثته كما أنه لو كان هذا القائل هو الموصي يسره أن يحثه من بحضرته على حفظ ماله لولده ، ولا يدعهم عالة مع ضعفهم وعجزهم . وقال الكلبي : هذا الخطاب لولاة اليتامى ، يقول : من كان في حجره يتيم فليحسن إليه ، وليأت في حقه ما يجب أن يفعل بذريته من بعده . قوله تعالى : فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا سورة النساء آية 9 أي : عدلا ، والسديد : العدل والصواب من القول ، وهو أن يأمره بأن يتصدق بما دون الثلث ويخلف الباقي لولده . قوله تعالى : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا سورة النساء آية 10 قال مقاتل بن حيان : نزلت في رجل من بني غطفان ، يقال له : مرثد بن زيد ، وَلِيَ مال ابن أخيه وهو يتيم صغير فأكله ، فأنزل الله تعالى فيه : إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا سورة النساء آية 10 أي : حراما بغير حق ، إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا سورة النساء آية 10 أخبر عن مآله ، أي : عاقبته تكون كذلك ، وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا سورة النساء آية 10 قراءة العامة بفتح الياء ، أي : يدخلونها ، يقال : صلى النار يصلاها صلًى ، وصليا وجد حر النار ، قال الله تعالى : إِلا مَنْ هُوَ صَالِ الْجَحِيمِ سورة الصافات آية 163 ، وقرأ ابن عامر ، وأبو بكر بضم الياء ، أي : يدخلون النار ويحرقون ، نظيره قوله تعالى : فَسَوْفَ نُصْلِيهِ نَارًا سورة النساء آية 30 ، سَأُصْلِيهِ سَقَرَ سورة المدثر آية 26 ، وفي الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم : " رأيت ليلة أسري بي قوما لهم مشافر كمشافر الإبل ، إحداهما قالصة على منخريه والأخرى على بطنه ، وخزنة النار يلقمونه جمر جهنم وصخرها ، فقلت : يا جبريل ، من هؤلاء ؟ قال : الذين يأكلون أموال اليتامى ظلما " . يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِنْ كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِنْ كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِنْ كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِنْ لَمْ يَكُنْ لَهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِنْ كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِنْ بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا سورة النساء آية 11 قوله تعالى : يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ سورة النساء آية 11 الآية ، اعلم أن الوراثة كانت في الجاهلية بالذكورة والقوة ، فكانوا يورثون الرجال دون النساء والصبيان ، فأبطل الله ذلك بقوله : لِلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ سورة النساء آية 7 الآية ، وكانت أيضا في الجاهلية وابتداء الإسلام بالمحالفة ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ عَقَدَتْ أَيْمَانُكُمْ فَآتُوهُمْ نَصِيبَهُمْ سورة النساء آية 33 ، ثم صارت الوراثة بالهجرة ، قال الله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا سورة الأنفال آية 72 فنسخ ذلك كله ، وصارت الوراثة بأحد الأمور الثلاثة : بالنسب أو النكاح أو الولاء ، فالمعنيُّ بالنسب : أن القرابة يرث بعضهم من بعض ، لقوله تعالى : وَأُولُو الأَرْحَامِ بَعْضُهُمْ أَوْلَى بِبَعْضٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ ، والمعنيُّ بالنكاح : أن أحد الزوجين يرث صاحبه ، وبالولاء : أن المعتق وعصابته يرثون المعتق ، فنذكر بعون الله تعالى فصلا وجيزا في بيان من يرث من الأقارب ، وكيفية توريث الورثة ، فنقول : إذا مات ميت وله مال فيبدأ بتجهيزه ، ثم بقضاء ديونه ، ثم بإنفاذ وصاياه ، فما فضل يقسم بين الورثة . ثم الورثة على ثلاثة أقسام : منهم من يرث بالفرض ، ومنهم من يرث بالتعصيب ، ومنهم من يرث بهما جميعا . فمن يرث بالنكاح لا يرث إلا بالفرض ، ومن يرث بالولاء لا يرث إلا بالتعصيب ، أما من يرث بالقرابة فمنهم من يرث بالفرض كالبنات ، والأخوات ، والأمهات ، والجدات ، وأولاد الأم ، ومنهم من يرث بالتعصيب كالبنين ، والأخوة ، وبني الأخوة ، والأعمام وبنيهم ، ومنهم من يرث بهما كالأب يرث بالتعصيب إذا لم يكن للميت ولد ، فإن كان للميت ابن يرث الأب بالفرض السدس ، وإن كان للميت بنت فيرث الأب السدس بالفرض ، ويأخذ الباقي بعد نصيب البنت بالتعصيب ، وكذلك الجد وصاحب التعصيب من يأخذ جميع المال عند الانفراد ، ويأخذ ما فضل عن أصحاب الفرائض . وجملة الورثة سبعة عشر : عشرة من الرجال ، وسبع من النساء . فمن الرجال : الابن وابن الابن وإن سفل ، والأب والجد أبو الأب وإن علا ، والأخ سواء كان لأب وأم أو لأب أو لأم ، وابن الأخ للأب والأم أو للأب وإن سفل ، والعم للأب والأم أو للأب وأبناؤهما وإن سفلوا ، والزوج ومولى العتاق . ومن النساء : البنت وبنت الابن وإن سفلت ، والأم والجدة أم الأم وأم الأب ، والأخت سواء كانت لأب وأم أو لأب أو لأم ، والزوجة ومولاة العتاق . وستة من هؤلاء لا يلحقهم حجب الحرمان بالغير : الأبوان ، والولدان ، والزوجان ، لأنه ليس بينهم وبين الميت واسطة . والأسباب التي توجب حرمان الميراث أربعة : اختلاف الدين ، والرق ، والقتل ، وعمي الموت . ونعني باختلاف الدين أن الكافر لا يرث المسلم ، والمسلم لا يرث الكافر .