أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ الْمَلِيحِيُّ ° , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° , أنا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° , أنا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° , أنا عُمَرُ بْنُ حَفْصِ بْنِ غَيَّاثٍ ° , أَخْبَرَنِي أَبِي ° , أنا الأَعْمَشُ ° , قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا صَالِحٍ ° , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , قَالَ : " لَعَنَ اللَّهُ السَّارِقَ يَسْرِقُ الْبَيْضَةَ فَتُقْطَعُ يَدَهُ , وَيَسْرِقُ الْحَبْلَ فَتُقْطَعُ يَدَهُ "
وقال الأعمش : كانوا يرون أنه بيض الحديد والحبل ، يرون أن منها ما يساوي دراهم . ويحتج بهذا الحديث من يرى القطع في الشيء القليل , وهو عند الأكثرين محمول على ما قاله الأعمش ، لحديث عائشة رضي الله عنها : " وإذا سرق شيئا من غير حرز ، كثمر في حائط لا حارس له , أو حيوان في برية لا حافظ له , أو متاع في بيت منقطع عن البيوت لا قطع عليه " . وروي عن رسول الله صلى الله عليه وسلم , أنه قال : " لا قطع في ثمر معلق , ولا في حريسة جبل ، فإذا آواه المراح أو الجرين , فالقطع فيما بلغ ثمن المجن " . وَرُوِيَ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ , عَنِ أبي الزُّبَيْرِ , عَنْ جَابِرٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " لَيْسَ عَلَى خَائِنٍ ولا مُنْتَهِبٍ وَلا مُخْتَلِسٍ قَطْعٌ " . وإذا سرق مالا له فيه شبهة ، كالعبد يسرق من مال سيده , أو الولد يسرق من مال والده , أو الوالد يسرق من مال ولده ، أو أحد الشريكين يسرق من مال المشترك شيئا ، لا قطع عليه . وإذا سرق السارق أول مرة تقطع يده اليمنى من الكوع , ثم إذا سرق ثانيا تقطع رجله اليسرى من مفصل القدم . واختلفوا فيما إذا سرق ثالثا , فذهب أكثرهم إلى أنه تقطع يده اليسرى , ثم إذا سرق رابعا تقطع رجله اليمنى , ثم إذا سرق بعده يعزر ويحبس حتى تظهر توبته , وهو المروي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه , وهو قول قتادة , وبه قال مالك , والشافعي , لما رُوِيَ عَنْ أَبِي سَلَمَةَ , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ , قَالَ فِي السَّارِقِ يسَرَق : " إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ , ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ , ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا يَدَهُ , ثُمَّ إِنْ سَرَقَ فَاقْطَعُوا رِجْلَهُ " . وذهب قوم إلى أنه إن سرق ثالثا بعدما قطعت يده اليمنى ورجله اليسرى لا يقطع بل يحبس ، وَرُوِي ذَلِكَ عَنْ عَلِيٍّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ , وَقَالَ : " إِنِّي لأَسْتَحِي أَنْ لا أَدَعَ لَهُ يَدًا يَسْتَنْجِي بِهَا , وَلا رِجْلا يَمْشِي بِهَا " . وَهُوَ قَوْلُ الشَّعْبِيِّ , وَالنَّخْعِيِّ , وَبِهِ قَالَ الأَوْزَاعِيُّ , وَأَحْمَدُ , وَأَصْحَابُ الرَّأْيِ . قوله تعالى : جَزَاءً بِمَا كَسَبَا سورة المائدة آية 38 نصب على الحال والقطع ، ومثله : نَكَالا سورة المائدة آية 38 أي : عقوبة ، مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ سورة المائدة آية 38 . فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ وَأَصْلَحَ فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة المائدة آية 39 فَمَنْ تَابَ مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ سورة المائدة آية 39 أي : سرقته ، وَأَصْلَحَ سورة المائدة آية 39 العمل ، فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ سورة المائدة آية 39 هذا فيما بينه وبين الله تعالى , فأما القطع فلا يسقط عنه بالتوبة عند الأكثرين ، قال مجاهد : قطع السارق توبته , فإذا قطع حصلت التوبة . والصحيح أن القطع للجزاء على الجناية , كما قال : جَزَاءً بِمَا كَسَبَا سورة المائدة آية 38 فلا بد من التوبة بعد , وتوبته الندم على ما مضى والعزم على تركه في المستقبل , وإذا قطع السارق يجب عليه غرم ما سرق من المال عند أكثر أهل العلم ، وقال سفيان الثوري , وأصحاب الرأي : لا غرم عليه ، وبالاتفاق إن كان المسروق باقيا عنده يسترد وتقطع يده , لأن القطع حق الله تعالى والغرم حق العبد , فلا يمنع أحدهما الآخر كاسترداد العين . أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ { 40 } يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ مِنْ بَعْدِ مَوَاضِعِهِ يَقُولُونَ إِنْ أُوتِيتُمْ هَذَا فَخُذُوهُ وَإِنْ لَمْ تُؤْتَوْهُ فَاحْذَرُوا وَمَنْ يُرِدِ اللَّهُ فِتْنَتَهُ فَلَنْ تَمْلِكَ لَهُ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا أُولَئِكَ الَّذِينَ لَمْ يُرِدِ اللَّهُ أَنْ يُطَهِّرَ قُلُوبَهُمْ لَهُمْ فِي الدُّنْيَا خِزْيٌ وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ { 41 } سورة المائدة آية 40-41 قوله تعالى : أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ سورة المائدة آية 40 الخطاب مع النبي صلى الله عليه وسلم , والمراد به الجميع , وقيل : معناه : ألم تعلم أيها الإنسان , فيكون خطابا لكل أحد من الناس ، يُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ سورة المائدة آية 40 قال السُّدِّيُّ , والكلبي : يعذب من يشاء من مات على كفره , ويغفر لمن يشاء الكبيرة من تاب من كفره . وقال ابن عباس رضي الله عنهما : يعذب من يشاء على الصغيرة , ويغفر لمن يشاء على الكبيرة ، وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ سورة المائدة آية 40 . قوله تعالى : يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ سورة المائدة آية 41 أي : في موالاة الكفار ، فإنهم لن يعجزوا الله ، مِنَ الَّذِينَ قَالُوا آمَنَّا بِأَفْوَاهِهِمْ وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ سورة المائدة آية 41 وهم المنافقون ، وَمِنَ الَّذِينَ هَادُوا سورة المائدة آية 41 يعني : اليهود ، سَمَّاعُونَ سورة المائدة آية 41 أي : قوم سماعون ، لِلْكَذِبِ سورة المائدة آية 41 أي : قائلون للكذب , كقول المصلي : سمع الله لمن حمده , أي : قبل الله . وقيل : سماعون لأجل الكذب ، أي : يسمعون منك ليكذبوا عليك . وذلك أنهم كانوا يسمعون من الرسول صلى الله عليه وسلم ثم يخرجون ويقولون : سمعنا منه كذا , ولم يسمعوا ذلك منه ، سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ لَمْ يَأْتُوكَ سورة المائدة آية 41 أي : هم جواسيس , يعني : بني قريظة لِقَوْمٍ آخَرِينَ ، وهم أهل خيبر . وذلك أن رجلا وامرأة من أشراف أهل خيبر زنيا وكانا محصنين , وكان حدهما الرجم في التوراة , فكرهت اليهود رجمهما لشرفهما , فقالوا : إن هذا الرجل الذي بيثرب ليس في كتابه الرجم ولكنه الضرب ، فأرسلوا إلى إخوانكم من بني قريظة فإنهم جيرانه وصلح له , فليسألوه عن ذلك . فبعثوا رهطا منهم مستخفين , وقالوا لهم : سلوا محمدا عن الزانيين إذا أحصنا ما حدهما ؟ فإن أمركم بالجلد فاقبلوا منه , وإن أمركم بالرجم فاحذروه ولا تقبلوا منه . وأرسلوا معهم الزانيين , فقدم الرهط حتى نزلوا على بني قريظة والنضير , فقالوا لهم : إنكم جيران هذا الرجل ومعه في بلده , وقد حدث فينا حدث فلان وفلانة قد فجرا وقد أحصنا , فنحب أن تسألوا لنا محمدا عن قضائه منه . فقالت لهم قريظة , والنضير : إذًا والله يأمركم بما تكرهون . ثم انطلق قوم ، منهم : كعب بن الأشرف , وكعب بن أسد , وسعية بن عمرو , ومالك بن الصيف , وكنانة بن أبي الحقيق , وغيرهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم , فقالوا : يا محمد , أخبرنا عن الزاني والزانية إذا أحصنا ، ما حدهما في كتابك ؟ فقال صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " هل ترضون بقضائي ؟ " قالوا : نعم . فنزل جبريل عليه السلام بالرجم , فأخبرهم بذلك , فأبوا أن يأخذوا به . فقال له جبريل عليه السلام : اجعل بينك وبينهم ابن صوريا ، ووصفه له . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم : " هل تعرفون شابا أمرد أعور , يسكن فدك , يقال له : ابن صوريا ؟ " قالوا : نعم . قال : " فأي رجل هو فيكم ؟ " فقالوا : هو أعلم يهودي بقي على وجه الأرض بما أنزل الله سبحانه وتعالى على موسى عليه السلام في التوراة . قال : " فأرسلوا إليه " . ففعلوا فأتاهم ، فقال له النَّبِيّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أنت ابن صوريا ؟ " قال : نعم . قال : " وأنت أعلم اليهود ؟ " قال : كذلك يزعمون . قال : " أتجعلونه بيني وبينكم ؟ " قالوا : نعم . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " أنشدك بالله الذي لا إله إلا هو ، الذي أنزل التوراة على موسى عليه السلام , وأخرجكم من مصر , وفلق لكم البحر وأنجاكم وأغرق آل فرعون , والذي ظلل عليكم الغمام , وأنزل عليكم المن والسلوى , وأنزل عليكم كتابه فيه حلاله وحرامه , هل تجدون في كتابكم الرجم على من أحصن ؟ " قال ابن صوريا : نعم ، والذي ذكرتني به لولا خشية أن تحرقني التوراة إن كذبت أو غيرت ما اعترفت لك , ولكن كيف هي في كتابك يا محمد ؟ قال : " إذا شهد أربعة رهط عدول أنه قد أدخله فيها كما يدخل الميل في المكحلة وجب عليه الرجم " . فقال ابن صوريا : والذي أنزل التوراة على موسى ، هكذا أنزل الله عز وجل في التوراة على موسى عليه السلام . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : " فما كان أول ما ترخصتم به أمر الله ؟ " قال : كنا إذا أخذنا الشريف تركناه , وإذا أخذنا الضعيف أقمنا عليه الحد , فكثر الزنا في أشرافنا حتى زنا ابن عم ملك لنا فلم نرجمه , ثم زنى رجل آخر من الناس , فأراد ذلك الملك رجمه , فقام دونه قومه , فقالوا : والله لا ترجمه حتى يرجم فلان ، لابن عم الملك . فقلنا : تعالوا نجتمع فلنضع شيئا دون الرجم يكون على الوضيع والشريف , فوضعنا الجلد والتحميم , وهو أن يجلد أربعين جلدة بحبل مطلي بالقار ثم يسود وجههما , ثم يحملان على حمارين ووجوههما من قبل دبر الحمار ويطاف بهما , فجعلوا هذا مكان الرجم . فقالت اليهود لابن صوريا : ما أسرع ما أخبرته به , وما كنت لما أثنينا عليك بأهل , ولكنك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك . فقال لهم : إنه قد أنشدني بالتوراة , ولولا خشية التوراة أن تهلكني لما أخبرته . فأمر بهما النبي صلى الله عليه وسلم , فرجما عند باب مسجده , وقال : " اللهم إني أول من أحيا أمرك إذ أماتوه " , فأنزل الله عز وجل : يَأَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ الَّذِينَ يُسَارِعُونَ فِي الْكُفْرِ سورة المائدة آية 41 " .