أَخْبَرَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ الْخِرَقِيُّ ° , أنا أَبُو الْحَسَنِ الطَّيْسَفُونِيُّ ° , أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عُمَرَ الْجَوْهَرِيُّ ° , أنا أَحْمَدُ بْنُ عَلِيٍّ الْكُشْمِيهِنِيُّ ° , أنا عَلِيُّ بْنُ حُجْرٍ ° , أنا إِسْمَاعِيلُ بْنُ جَعْفَرٍ ° , عَنِ الْعَلاءِ ° , عَنْ أَبِيهِ ° , عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ قَالَ : " لَتُرَدَّنَّ الْحُقُوقُ إِلَى أَهْلِهَا يَوْمَ الْقِيَامَةِ , حَتَّى يُقَادُ لِلشَّاةِ الْجَلْحَاءِ مِنَ الْقَرْنَاءِ "
وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ فِي الظُّلُمَاتِ مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ { 39 } قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ { 40 } بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ وَتَنْسَوْنَ مَا تُشْرِكُونَ { 41 } سورة الأنعام آية 39-41 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا صُمٌّ وَبُكْمٌ سورة الأنعام آية 39 لا يسمعون الخير ، ولا يتكلمون به ، فِي الظُّلُمَاتِ سورة الأنعام آية 39 في ضلالات الكفر ، مَنْ يَشَإِ اللَّهُ يُضْلِلْهُ سورة الأنعام آية 39 فيموت على الكفر . وَمَنْ يَشَأْ يَجْعَلْهُ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ سورة الأنعام آية 39 هو الإسلام . قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ سورة الأنعام آية 40 هل رأيتم ؟ والكاف فيه للتأكيد , وقال الفراء : العرب تقول : أرأيتك ؟ وهم يريدون : أخبرنا . كما تقول : أرأيتك إن فعلت كذا ، ماذا تفعل ؟ أي : أخبرني , وقرأ أهل المدينة أرأيتكم , و أرأيتم , و أرأيت بتليين الهمزة الثانية ، والكسائي بحذفها ، قال ابن عباس : قل يا محمد ، لهؤلاء المشركين : أرأيتكم . إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ سورة الأنعام آية 40 قبل الموت ، أَوْ أَتَتْكُمُ السَّاعَةُ سورة الأنعام آية 40 يعني : القيامة ، أَغَيْرَ اللَّهِ تَدْعُونَ سورة الأنعام آية 40 في صرف العذاب عنكم ، إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ سورة الأنعام آية 40 وأراد : أن الكفار يدعون الله في أحوال الاضطرار ، كما أخبر الله عنهم : وَإِذَا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ سورة لقمان آية 32 . ثم قال : بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ سورة الأنعام آية 41 أي : تدعون الله , ولا تدعون غيره ، فَيَكْشِفُ مَا تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شَاءَ سورة الأنعام آية 41 قيد الإجابة بالمشيئة , والأمور كلها بمشيئته ، وَتَنْسَوْنَ سورة الأنعام آية 41 وتتركون ، مَا تُشْرِكُونَ سورة الأنعام آية 41 . وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ { 42 } فَلَوْلا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ { 43 } فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ { 44 } فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ { 45 } سورة الأنعام آية 42-45 وَلَقَدْ أَرْسَلنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ سورة الأنعام آية 42 بالشدة والجوع ، وَالضَّرَّاءِ سورة الأنعام آية 42 المرض ، والزمانة ، لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ سورة الأنعام آية 42 أي : يتوبون , ويخضعون , والتضرع : السؤال بالتذلل . فَلَوْلا سورة الأنعام آية 43 فهلا ، إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا سورة الأنعام آية 43 عذابنا ، تَضَرَّعُوا سورة الأنعام آية 43 فآمنوا , فكشف عنهم ، أخبر الله عز وجل أنه قد أرسل إلى قوم ، بلغوا من القسوة إلى أنهم أخذوا بالشدة في أنفسهم ، وأموالهم , فلم يخضعوا ، ولم يتضرعوا , فذلك قوله : وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ سورة الأنعام آية 43 من الكفر ، والمعاصي . فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ سورة الأنعام آية 44 تركوا ما وعظوا , وأمروا به ، فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ سورة الأنعام آية 44 قرأ أبو جعفر فتحنا بالتشديد في كل القرآن , وقرأ ابن عامر كذلك ، إذا كان عقيبه جمعا , والباقون بالتخفيف , وهذا فتح استدراج , ومكر ، أي : بدلنا مكان البلاء والشدة , الرخاء والصحة ، حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا سورة الأنعام آية 44 وهذا فرح بطر ، مثل فرح قارون بما أصاب من الدنيا ، أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً سورة الأنعام آية 44 فجأة ، آمن ما كانوا ، وأعجب ما كانت الدنيا إليهم ، فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ سورة الأنعام آية 44 آيسون من كل خير , وقال أبو عبيدة : المبلس : النادم الحزين , وأصل الإبلاس : الإطراق من الحزن , والندم . ورَوَى عُقْبَةُ بْنُ عَامِرٍ , أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمِ , قَالَ : " إِذَا رَأَيْتَ اللَّهَ يُعْطِي الْعَبْدَ مَا يُحِبُّ , وَهُوَ مُقِيمٌ عَلَى مَعْصِيَتِهِ , فَإِنَّمَا ذَلِكَ اسْتِدْرَاجٌ " . ثُمَّ تَلا : فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ سورة الأنعام آية 44 الآيَةَ . فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا سورة الأنعام آية 45 أي : آخرهم , الذين بدبرهم ، يقال : دبر فلان القوم ، يدبرهم دبرا , ودبورا , إذا كان آخرهم . ومعناه : أنهم استؤصلوا بالعذاب , فلم يبق منهم باقية ، وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ سورة الأنعام آية 45 حمد الله نفسه على أن قطع دابرهم ، لأنه نعمة على الرسل , فذكر الحمد لله تعليما لهم , ولمن آمن بهم ، أن يحمدوا الله على كفايته شر الظالمين , وليحمد محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه ربهم إذا أهلك المكذبين . قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصَارَكُمْ وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ { 46 } قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً أَوْ جَهْرَةً هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ { 47 } وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ { 48 } وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ { 49 } قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ { 50 } سورة الأنعام آية 46-50 قُلْ أَرَأَيْتُمْ سورة الأنعام آية 46 أيها المشركون ، إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ سورة الأنعام آية 46 حتى لا تسمعوا شيئا أصلا ، وَأَبْصَارَكُمْ سورة الأنعام آية 46 حتى لا تبصروا شيئا ، وَخَتَمَ عَلَى قُلُوبِكُمْ سورة الأنعام آية 46 حتى لا تفقهوا شيئا , ولا تعرفوا مما تعرفون من أمور الدنيا شيئا ، مَنْ إِلَهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ سورة الأنعام آية 46 ولم يقل : بها مع أنه ذكر أشياء ، قيل : معناه : يأتيكم بما أخذ منكم . وقيل : الكناية ترجع إلى السمع الذي ذكر أولا , ويندرج غيره تحته , ك وَاللَّهُ وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَنْ يُرْضُوهُ سورة التوبة آية 62 فالهاء راجعة إلى الله , ورضى الرسول يندرج في رضى الله تعالى ، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الآيَاتِ سورة الأنعام آية 46 أي : نبين لهم العلامات الدالة على التوحيد ، والنبوة ، ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ سورة الأنعام آية 46 يعرضون عنها مكذبين . قُلْ أَرَأَيْتَكُمْ إِنْ أَتَاكُمْ عَذَابُ اللَّهِ بَغْتَةً سورة الأنعام آية 47 فجأة ، أَوْ جَهْرَةً سورة الأنعام آية 47 معاينة ، ترونه عند نزوله , قال ابن عباس , والحسن : ليلا ونهارا . هَلْ يُهْلَكُ إِلا الْقَوْمُ الظَّالِمُونَ سورة الأنعام آية 47 المشركون . قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ فَمَنْ آمَنَ وَأَصْلَحَ سورة الأنعام آية 48 العمل ، فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ سورة الأنعام آية 48 حين يخاف أهل النار ، وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ سورة الأنعام آية 48 إذا حزنوا . وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا يَمَسُّهُمُ سورة الأنعام آية 49 يصيبهم ، الْعَذَابُ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ سورة الأنعام آية 49 يكفرون . قُلْ لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ سورة الأنعام آية 50 نزل حين اقترحوا الآيات , فأمره أن يقول لهم : لا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ سورة الأنعام آية 50 أي : خزائن رزقه , فأعطيكم ما تريدون ، وَلا أَعْلَمُ الْغَيْبَ سورة الأنعام آية 50 , فأخبركم بما غاب ، مما مضى ، ومما سيكون ، وَلا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ سورة الأنعام آية 50 , قال ذلك ، لأن الملك يقدر على ما لا يقدر عليه الآدمي , ويشاهد ما لا يشاهده الآدمي , يريد : لا أقول لكم شيئا من ذلك , فتنكرون قولي ، وتجحدون أمري ، إِنْ أَتَّبِعُ إِلا مَا يُوحَى إِلَيَّ سورة الأنعام آية 50 أي : ما آتيكم به , فمن وحي الله تعالى ، وذلك غير مستحيل في العقل مع قيام الدليل ، والحجج البالغة ، قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الأَعْمَى وَالْبَصِيرُ سورة الأنعام آية 50 قال قتادة : الكافر والمؤمن . وقال مجاهد : الضال والمهتدي . وقيل : الجاهل والعالم ، أَفَلا تَتَفَكَّرُونَ سورة الأنعام آية 50 أي : أنهما لا يستويان . وَأَنْذِرْ بِهِ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا إِلَى رَبِّهِمْ لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ وَلِيٌّ وَلا شَفِيعٌ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ { 51 } وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ فَتَطْرُدَهُمْ فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ { 52 } سورة الأنعام آية 51-52 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَأَنْذِرْ بِهِ سورة الأنعام آية 51 خوف به ، أي : بالقرآن ، الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْ يُحْشَرُوا سورة الأنعام آية 51 يجمعوا ، ويبعثوا ، إِلَى رَبِّهِمْ سورة الأنعام آية 51 , وقيل : يخافون . أي : يعلمون ، لأن خوفهم إنما كان من علمهم ، لَيْسَ لَهُمْ مِنْ دُونِهِ سورة الأنعام آية 51 من دون الله ، وَلِيٌّ سورة الأنعام آية 51 قريب ينفعهم ، وَلا شَفِيعٌ سورة الأنعام آية 51 يشفع لهم ، لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ سورة الأنعام آية 51 , فينتهون عما نهوا عنه , وإنما نفى الشفاعة لغيره ، مع أن الأنبياء والأولياء يشفعون ، لأنهم لا يشفعون إلا بأذنه . وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ سورة الأنعام آية 52 قرأ ابن عامر بالغدوة بضم الغين وسكون الدال وواو بعدها ههنا , وفي سورة الكهف , وقرأ الآخرون بفتح العين والدال ، وألف بعدها . قال سلمان , وخباب بن الأرت : فينا نزلت هذه الآية . جاء الأقرع بن حابس التميمي , وعيينة بن حصن الفزاري , وذووهم من المؤلفة قلوبهم , فوجدوا النبي صلى الله عليه وسلم قاعدا مع بلال , وصهيب , وعمار , وخباب في ناس من ضعفاء المؤمنين , فلما رأوهم حوله حقروهم , فأتوه , فقالوا : يا رسول الله ، لو جلست في صدر المجلس , ونفيت عنا هؤلاء , وأرواح جبابهم , وكان عليهم جباب صوف ، لم يكن عليهم غيرها ، لجالسناك , وأخذنا عنك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم لهم : " ما أنا بطارد المؤمنين " . قالوا : فإنا نحب أن تجعل لنا منك مجلسا ، تعرف به العرب فضلنا , فإن وفود العرب تأتيك , فنستحي أن ترانا العرب مع هؤلاء الأعبد , فإذا نحن جئناك ، فأقمهم عنا ، فإذا فرغنا , فاقعد معهم ، إن شئت . قال : " نعم " . قالوا : اكتب لنا عليك بذلك كتابا . قال : فدعا بالصحيفة , ودعا عليا ليكتب . قالوا : ونحن قعود في ناحية ، إذ نزل جبريل بقوله : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ سورة الأنعام آية 52 إلى قوله : بِالشَّاكِرِينَ سورة الأنعام آية 53 . فألقى رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحيفة من يده , ثم دعانا , فأثبته ، وهو يقول : سَلامٌ عَلَيْكُمْ كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ سورة الأنعام آية 54 , فكنا نقعد معه , فإذا أراد أن يقوم ، قام وتركنا , فأنزل الله عز وجل : وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ سورة الكهف آية 28 , فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقعد معنا بعد , وندنو منه ، حتى كانت ركبنا تمس ركبته , فإذا بلغ الساعة التي يقوم فيها قمنا ، وتركناه حتى يقوم , وقال لنا : " الحمد لله الذي لم يمتني حتى أمرني أن أصبر نفسي مع قوم من أمتي ، معكم المحيا ، ومعكم الممات " . وقال الكلبي : قالوا له : اجعل لنا يوما ، ولهم يوما . فقال : لا أفعل . قالوا : فاجعل المجلس واحدا , فاقبل علينا , وول ظهرك عليهم . فأنزل الله تعالى هذه الآية : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ سورة الأنعام آية 52 . قال مجاهد : قالت قريش : لولا بلال , وابن أم عبد , لبايعنا محمد , فأنزل الله هذه الآية : وَلا تَطْرُدِ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ سورة الأنعام آية 52 قال ابن عباس : يعني : يعبدون ربهم بالغداة والعشي ، يعني : صلاة الصبح , وصلاة العصر . ويروى عنه أن المراد منه : الصلوات الخمس , وذلك أن أناسا من الفقراء ، كانوا مع النبي عليه السلام , فقال ناس من الأشراف : إذا صلينا , فأخر هؤلاء , فليصلوا خلفنا . فنزلت الآية . وقال مجاهد : صليت الصبح مع سعيد بن المسيب , فلما سلم الإمام ابتدر الناس القاص , فقال سعيد : ما أسرع الناس إلى هذا المجلس ! قال مجاهد : فقلت : يتأولون يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ سورة الأنعام آية 52 . قال : أفي هذا هو ؟ إنما ذلك في الصلاة التي انصرفنا عنها الآن . وقال إبراهيم النخعي : يعني : يذكرون ربهم . وقيل : المراد منه : حقيقة الدعاء . يُرِيدُونَ وَجْهَهُ سورة الأنعام آية 52 أي : يريدون الله بطاعتهم , قال ابن عباس ، رضي الله عنهما : يطلبون ثواب الله . فقال : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ وَمَا مِنْ حِسَابِكَ عَلَيْهِمْ مِنْ شَيْءٍ سورة الأنعام آية 52 . أي : لا تكلف أمرهم , ولا يتكلفون أمرك , وقيل : ليس رزقهم عليك , فتملهم . فَتَطْرُدَهُمْ سورة الأنعام آية 52 ولا رزقك عليهم ، قوله : فَتَطْرُدَهُمْ سورة الأنعام آية 52 جواب لقوله : مَا عَلَيْكَ مِنْ حِسَابِهِمْ مِنْ شَيْءٍ سورة الأنعام آية 52 . قوله : فَتَكُونَ مِنَ الظَّالِمِينَ سورة الأنعام آية 52 جواب لقوله : وَلا تَطْرُدِ سورة الأنعام آية 52 أحدهما جواب النفي , والآخر جواب النهي . وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ سورة الأنعام آية 53 قَوْلُهُ عَزَّ وَجَلَّ : وَكَذَلِكَ فَتَنَّا سورة الأنعام آية 53 أي : ابتلينا ، بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ سورة الأنعام آية 53 أراد : ابتلاء الغني بالفقير ، والشريف بالوضيع , وذلك أن الشريف إذا نظر إلى الوضيع قد سبقه بالإيمان , امتنع من الإسلام بسببه , فكان فتنة له ، فذلك قوله : لِيَقُولُوا أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا سورة الأنعام آية 53 . فقال الله تعالى : أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ سورة الأنعام آية 53 ، فهو جواب لقولهم : أَهَؤُلاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا سورة الأنعام آية 53 . فهو استفهام بمعنى التقرير ، أي : الله أعلم بمن شكر الإسلام ، إذ هداه الله عز وجل .