أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° , أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° , أَنْبَأَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° , حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° , حَدَّثَنَا عَمْرُو بْنُ عَبَّاسِ ° , حَدَّثَنَا ابْنُ مَهْدِيٍّ ° , حَدَّثَنَا مَنْصُورُ بْنُ سَعْدٍ ° , عَنْ مَيْمُونَ بْنِ سِيَاهٍ ° , عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ ° , قَالَ : قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " مَنْ صَلَّى صَلاتَنَا , وَاسْتَقْبَلَ قِبْلَتَنَا , وَأَكَلَ ذَبِيحَتَنَا , فَذَلِكَ الْمُسْلِمُ الَّذِي لَهُ ذِمَّةُ اللَّهِ وَذِمَّةُ رَسُولِهِ " .
وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ { 12 } أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ وَهُمْ بَدَءُوكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ أَتَخْشَوْنَهُمْ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ { 13 } سورة التوبة آية 12-13 . قوله تعالى : وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ سورة التوبة آية 12 نقضوا عهودهم ، مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ سورة التوبة آية 12 عقدهم , يعني مشركي قريش ، وَطَعَنُوا سورة التوبة آية 12 قدحوا ، فِي دِينِكُمْ سورة التوبة آية 12 وعابوه , فهذا دليل على أن الذمي إذا طعن في دين الإسلام ظاهرا لا يبقى له عهد ، فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ سورة التوبة آية 12 قرأ أهل الكوفة والشام : أَئِمَّةَ سورة التوبة آية 12 بهمزتين حيث كان , وقرأ الباقون بتليين الهمزة الثانية ، و أَئِمَّةَ الْكُفْرِ سورة التوبة آية 12 : رءوس المشركين وقادتهم من أهل مكة . قَالَ ابن عباس : نزلت في أبي سفيان بن حرب , وأبي جهل بن هشام , وسهيل بن عمرو , وعكرمة بن أبي جهل , وسائر رؤساء قريش يومئذ , الذين نقضوا العهد , وهم الذين هموا بإخراج الرسول , وقال مجاهد : هم أهل فارس والروم . وقال حذيفة بن اليمان : ما قوتل أهل هذه الآية ، ولم يأت أهلها بعد . إِنَّهُمْ لا أَيْمَانَ لَهُمْ سورة التوبة آية 12 أي : لا عهود لهم , جمع يمين , قَالَ قطرب : لا وفاء لهم بالعهد . وقرأ ابن عامر : لا إيمان لهم بكسر الألف , أي : لا تصديق لهم ، ولا دين لهم , وقيل : هو من الأمان ، أي : لا تؤمنوهم واقتلوهم حيث وجدتموهم . لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ سورة التوبة آية 12 أي : لكي ينتهوا عَنِ الطعن في دينكم , والمظاهرة عليكم , وقيل : عَنِ الكفر . ثم حض المسلمين على القتال , فقال جل ذكره : أَلا تُقَاتِلُونَ قَوْمًا نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ سورة التوبة آية 13 نقضوا عهودهم , وهم الذين نقضوا عهد الصلح بالحديبية , وأعانوا بني بكر على قتال خزاعة ، وَهَمُّوا بِإِخْرَاجِ الرَّسُولِ سورة التوبة آية 13 من مكة حين اجتمعوا في دار الندوة ، وَهُمْ بَدَءُوكُمْ سورة التوبة آية 13 بالقتال ، أَوَّلَ مَرَّةٍ سورة التوبة آية 13 يعني يوم بدر , وذلك أنهم قالوا حين سلم العير : لا ننصرف حتى نستأصل مُحَمَّدا وأصحابه . وقال جماعة من المفسرين : أراد أنهم بدءوا بقتال خزاعة حلفاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ . أَتَخْشَوْنَهُمْ سورة التوبة آية 13 أتخافونهم فتتركون قتالهم ؟ فَاللَّهُ أَحَقُّ أَنْ تَخْشَوْهُ سورة التوبة آية 13 في ترك قتالهم ، إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ سورة التوبة آية 13 . قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ { 14 } وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ { 15 } أَمْ حَسِبْتُمْ أَنْ تُتْرَكُوا وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ { 16 } سورة التوبة آية 14-16 . قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ سورة التوبة آية 14 يقتلهم اللَّه بأيديكم ، وَيُخْزِهِمْ سورة التوبة آية 14 ويذلهم بالأسر والقهر ، وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ سورة التوبة آية 14 ويبرئ داء قلوب قوم مُؤْمِنِينَ سورة التوبة آية 14 مما كانوا ينالونه من الأذى منهم , وقال مجاهد والسدي : أراد صدور خزاعة حلفاء رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , حيث أعانت قريش بني بكر عليهم , حتى نكئوا فيهم , فشفي اللَّه صدورهم من بني بكر بالنبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وبالمؤمنين . وَيُذْهِبْ غَيْظَ قُلُوبِهِمْ سورة التوبة آية 15 كربها ووجدها بمعونة قريش بكرا عليهم , ثم قَالَ مستأنفا : وَيَتُوبُ اللَّهُ عَلَى مَنْ يَشَاءُ سورة التوبة آية 15 فيهديه إلى الإسلام كما فعل بأبي سفيان , وعكرمة بن أبي جهل , وسهيل بن عمرو ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ سورة التوبة آية 15 روي أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ يوم فتح مكة : " ارفعوا السيف إلا خزاعة من بني بكر إلى العصر . " قوله تعالى : أَمْ حَسِبْتُمْ سورة التوبة آية 16 أظننتم ؟ أَنْ تُتْرَكُوا سورة التوبة آية 16 قيل : هذا خطاب للمنافقين . وقيل : للمؤمنين الذين شق عليهم القتال . فقال : أم حسبتم أن تتركوا فلا تؤمروا بالجهاد , ولا تمتحنوا ، ليظهر الصادق من الكاذب ؟ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ سورة التوبة آية 16 ولم ير اللَّه ، الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَلَمْ يَتَّخِذُوا مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلا رَسُولِهِ وَلا الْمُؤْمِنِينَ وَلِيجَةً سورة التوبة آية 16 بطانة وأولياء يوالونهم , ويفشون إليهم أسرارهم , وقال قتادة : وليجة خيانة . وقال الضحاك : خديعة . وقال عطاء : أولياء . وقال أبو عبيدة : كل شيء أدخلته في شيء ليس منه فهو وليجة ، والرجل يكون في القوم وليس منهم وليجة , فوليجة الرجل : من يختص بدخيلة أمره دون الناس , يقال : هو وليجتي , وهم وليجتي للواحد والجمع . وَاللَّهُ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ سورة التوبة آية 16 . مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ سورة التوبة آية 17 . قوله تعالى : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ سورة التوبة آية 17 الآية , قَالَ ابن عباس ، رضي اللَّه عنهما : لما أسر العباس يوم بدر عيره المسلمون بالكفر , وقطيعة الرحم , وأغلظ علي ، رضي اللَّه عنه ، له القول , فقال العباس : ما لكم تذكرون مساوينا ولا تذكرون محاسننا ؟ فقال له علي ، رضي اللَّه عنه : ألكم محاسن ؟ فقال : نعم ، إنا لنعمر المسجد الحرام , ونحجب الكعبة ، ونسقي الحاج , فأنزل اللَّه عز وجل ردا على العباس : مَا كَانَ لِلْمُشْرِكِينَ أَنْ يَعْمُرُوا مَسَاجِدَ اللَّهِ سورة التوبة آية 17 أي : ما ينبغي للمشركين أن يعمروا مساجد اللَّه ، أوجب على المسلمين منعهم من ذلك , لأن المساجد إنما تعمر لعبادة اللَّه وحده , فمن كان كافرا بالله , فليس من شأنه أن يعمرها , فذهب جماعة إلى أن المراد منه : العمارة المعروفة من بناء المسجد ، ومرمته عند الخراب , فيمنع منه الكافر , حتى لو أوصى به لا تمتثل ، وحمل بعضهم العمارة ههنا على دخول المسجد والقعود فيه , قَالَ الحسن : ما كان للمشركين أن يتركوا ، فيكونوا أهل المسجد الحرام . قرأ ابن كثير , وأهل البصرة مسجد اللَّه على التوحيد , وأراد به المسجد الحرام , لقوله تعالى : وَعِمَارَةَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ سورة التوبة آية 19 , ولقوله تعالى : فَلا يَقْرَبُوا الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ سورة التوبة آية 28 . وقرأ الآخرون : مَسَاجِدَ اللَّهِ سورة التوبة آية 17 بالجمع , والمراد منه أيضا : المسجد الحرام , قَالَ الحسن : إنما قَالَ : مساجد . لأنه قبلة المساجد كلها . قَالَ الفراء : ربما ذهبت العرب بالواحد إلى الجمع , وبالجمع إلى الواحد , ألا ترى أن الرجل يركب البرذون ، فيقول : أخذت في ركوب البراذين . ويقال : فلان كثير الدرهم والدينار . يريد : الدراهم والدنانير . قوله تعالى : شَاهِدِينَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ بِالْكُفْرِ سورة التوبة آية 17 . أراد : وهم شاهدون , فلما طرحت " وهم " نصبت , قَالَ الحسن : لم يقولوا : نحن كفار . ولكن كلامهم بالكفر شاهد عليهم بالكفر . وقال الضحاك ، عَنِ ابن عباس : شهادتهم على أنفسهم بالكفر سجودهم للأصنام , وذلك أن كفار قريش كانوا نصبوا أصنامهم خارج البيت الحرام عند القواعد , وكانوا يطوفون بالبيت عراة , كلما طافوا شوطا ، سجدوا لأصنامهم , ولم يزداد بذلك من اللَّه تعالى إلا بعدا . وقال السدي : شهادتهم على أنفسهم بالكفر هو أن النصراني يسأل من أنت ؟ فيقول : أَنَا نصراني . واليهودي يقول : أَنَا يهودي . ويقال للمشرك : ما دينك ؟ فيقول : مشرك . قَالَ اللَّه تعالى : أُولَئِكَ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ سورة التوبة آية 17 . لأنها لغير اللَّه عز وجل ، وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ سورة التوبة آية 17 . وقَالَ الكلبي , عَنْ أبي صالح , عَنِ ابن عباس : معناه : شاهدين علي رسولهم بالكفر , لأنه ما من بطن إلا ولدته ، ثم قال تعالى : إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ سورة التوبة آية 18 . إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الآخِرِ وَأَقَامَ الصَّلاةَ وَآتَى الزَّكَاةَ وَلَمْ يَخْشَ إِلا اللَّهَ سورة التوبة آية 18 ولم يخف في الدين غير اللَّه , ولم يترك أمر اللَّه لخشية غيره ، فَعَسَى أُولَئِكَ أَنْ يَكُونُوا مِنَ الْمُهْتَدِينَ سورة التوبة آية 18 ، وعسى من اللَّه واجب , أي : فأولئك هم المهتدون , والمهتدون : هم المتمسكون بطاعة اللَّه عز وجل التي تؤدي إلى الجنة .