أَخْبَرَنَا أَبُو عَلِيٍّ حَسَّانُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَنِيعِيُّ ° , أَخْبَرَنَا أَبُو طَاهِرٍ مُحَمَّدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَحْمَشٍ الزِّيَادِيُّ ° , حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ مُحَمَّدُ بْنُ الْحُسَيْنِ الْقَطَّانُ ° , حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُوسُفَ السُّلَمِيُّ ° , أَنْبَأَنَا عَبْدُ الرَّزَّاقِ ° , أَنْبَأَنَا مَعْمَرٌ ° ، عَنْ هَمَّامِ بْنِ مُنَبِّهٍ ° ، قَالَ , حَدَّثَنَا أَبُو هُرَيْرَةَ ° ، عَنْ مُحَمَّدٍ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " نَحْنُ الآخِرُونَ السَّابِقُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، بَيْدَ أَنَّهُمْ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِنَا ، وَأُوتِينَاهُ مِنْ بَعْدِهِمْ , فَهَذَا يَوْمُهُمُ الَّذِي فَرَضَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ ، فَاخْتَلَفُوا فِيهِ ، فَهَدَانَا اللَّهُ لَهُ ، فَهُمْ لَنَا فِيهِ تَبْعٌ ، فَالْيَهُودُ غَدًا ، وَالنَّصَارَى بَعْدَ غَدٍ "
قَالَ اللَّه تعالى : إِنَّمَا جُعِلَ السَّبْتُ عَلَى الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ سورة النحل آية 124 . قَالَ قتادة : الذين اختلفوا فيه هم اليهود ، استحله بعضهم ، وحرمه بعضهم . وَإِنَّ رَبَّكَ لَيَحْكُمُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ سورة النحل آية 124 . ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ { 125 } وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ { 126 } سورة النحل آية 125-126 . ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ سورة النحل آية 125 بالقرآن ، وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ سورة النحل آية 125 يعني : مواعظ القرآن ، وقيل : الموعظة الحسنة : هي الدعاء إلى اللَّه بالترغيب والترهيب . وقيل : هو قول اللين الرقيق من غير غلظة ولا تعنيف ، وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ سورة النحل آية 125 وخاصمهم ، وناظرهم بالخصومة التي هي أحسن ، أي : أعرض عَنْ أذاهم ، ولا تقصر في تبليغ الرسالة ، والدعاء إلى الحق ، نسختها آية القتال ، إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ سورة النحل آية 125 . وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ سورة النحل آية 126 هذه الآيات نزلت بالمدينة في شهداء أحد ، وذلك أن المسلمين لما رأوا ما فعل المشركون بقتلاهم يوم أحد ، من تبقير البطون ، والمثلة السيئة ، حتى لم يبق أحد من قتلى المسلمين إلا مثل به غير حنظلة بن الراهب ، فإن أباه أبا عامر الراهب كان مع أبي سفيان ، فتركوا حنظلة لذلك , فقال المسلمون حين رأوا ذلك : لئن أظهرنا اللَّه عليهم لنزيدن على صنيعهم ، ولنمثلن بهم مثلة لم يفعلها أحد من العرب بأحد . فوقف رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ على عمه حمزة بن عبد المطلب ، وقد جدعوا أنفه وأذنه ، وقطعوا مذاكيره ، وبقروا بطنه ، وأخذت هند بنت عتبة قطعة من كبده فمضغتها , ثم استرطبتها لتأكلها ، فلم تلبث في بطنها حتى رمت بها ، فبلغ ذلك النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ , فقال : " أما إنها لو أكلته ، لم تدخل النار أبدا ، إن حمزة أكرم على اللَّه تعالى من أن يدخل شيئا من جسده النار " . فلما نظر رَسُول اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إلى عمه حمزة ، ونظر إلى شيء لم ينظر إلى شيء قط كان أوجع لقلبه منه , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " رحمة اللَّه عليك ، فإنك ما علمت ما كنت إلا فاعلا للخيرات ، وصولا للرحم ، ولولا حزن من بعدك عليك لسرني أن أدعك ، حتى تحشر من أفواج شتى ، أما والله لئن أظفرني اللَّه بهم لأمثلن بسبعين منهم مكانك " . فأنزل اللَّه تعالى : وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُوا سورة النحل آية 126 الآية ، وَلَئِنْ صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِلصَّابِرينَ سورة النحل آية 126 أي : ولئن عفوتم لهو خير للعافين , فقال النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " بلى نصبر " . وأمسك عما أراد ، وكفر عَنْ يمينه . قَالَ ابن عباس والضحاك : كان هذا قبل نزول براءة ، حين أمر النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بقتال من قاتله ، ومنع من الابتداء بالقتال ، فلما أعز الله الإسلام وأهله ، نزلت براءة ، وأمروا بالجهاد ، ونسخت هذه الآية . قَالَ النخعي ، والثوري ، ومجاهد ، وابن سيرين : الآية محكمة نزلت في ظلم بظلامة ، فلا يحل له أن ينال من ظالمه أكثر مما نال الظالم منه ، أمر بالجزاء والعفو ، ومنع من الاعتداء , ثم قَالَ لنبيه صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ { 127 } إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ { 128 } سورة النحل آية 127-128 . وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلا بِاللَّهِ سورة النحل آية 127 أي : بمعونة اللَّه وتوفيقه ، وَلا تَحْزَنْ عَلَيْهِمْ سورة النحل آية 127 في إعراضهم عنك ، وَلا تَكُ فِي ضَيْقٍ مِمَّا يَمْكُرُونَ سورة النحل آية 127 أي : فيما فعلوا من الأفاعيل ، قرأ ابن كثير ههنا ، وفي النمل ضيق بكسر الضاد ، وقرأ الآخرون بفتح الضاد ، قَالَ أهل الكوفة : هما لغتان ، مثل : رِطل ورطل . وقال أبو عمر : الضيق بالفتح : الغم ، وبالكسر : الشدة . وقال أبو عبيدة : الضيق بالكسر : في قلة المعاش ، وفي المساكن ، فأما ما كان في القلب والصدر فإنه بالفتح . وقال ابن قتيبة : الضيق تخفيف ضيق ، مثل : هين وهين ، ولين ولين ، فعلى هذا هو صفة ، كأنه قَالَ : ولا تكن في أمر ضيق من مكرهم . إِنَّ اللَّهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوْا سورة النحل آية 128 المناهي ، وَالَّذِينَ هُمْ مُحْسِنُونَ سورة النحل آية 128 بالعون والنصرة .