أَخْبَرَنَا عَبْدُ اللَّهِ بْنُ عَبْدِ الصَّمَدِ الْجَوْزَجَانِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْقَاسِمِ الْخُزَاعِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ ° ، حَدَّثَنَا أَبُو عِيسَى ° ، حَدَّثَنَا قُتَيْبَةُ بْنُ سَعِيدٍ ° ، حَدَّثَنَا ابْنُ لَهِيعَةَ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْمُغِيرَةِ ° ، عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَارِثِ بْنِ جَزْءٍ ° ، قَالَ : " مَا رَأَيْتُ أَحَدًا أَكْثَرَ تَبَسُّمًا مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " .
قَالَ مقاتل : كان ضحك سليمان من قول النملة تعجبا ؛ لأن الإنسان إذا رأى ما لا عهد له به تعجب وضحك ، ثم حمد سليمان ربه على ما أنعم عليه . وَقَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي سورة النمل آية 19 ألهمني ، أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَدْخِلْنِي بِرَحْمَتِكَ فِي عِبَادِكَ الصَّالِحِينَ سورة النمل آية 19 أي : أدخلني في جملتهم ، وأثبت اسمي مع أسمائهم ، واحشرني في زمرتهم ، قَالَ ابن عباس : يريد : مع إبراهيم ، وإسماعيل ، وإسحاق ، ويعقوب ، ومن بعدهم من النبيين . وقيل : أدخلني الجنة برحمتك مع عبادك الصالحين . قوله عز وجل : وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ سورة النمل آية 20 أي : طلبها وبحث عنها ، والتفقد : طلب ما فقد ، ومعنى الآية : طلب ما فقد من الطير ، فَقَالَ مَا لِي لا أَرَى الْهُدْهُدَ سورة النمل آية 20 أي : ما للهدهد لا أراه ؟ تقول العرب : ما لي أراك كئيبا ؟ أي : مالك ؟ والهدهد طائر معروف ، وكان سبب تفقده الهدهد وسؤاله عنه ، قيل : إخلاله بالنوبة ، وذلك أن سليمان كان إذا نزل منزلا يظله وجنده جناح الطير من الشمس ، فأصابته الشمس من موضع الهدهد ، فنظر فرآه خاليا . وروي عن ابن عباس أن الهدهد كان دليل سليمان على الماء ، وكان يعرف موضع الماء ، ويرى الماء تحت الأرض ، كما يرى في الزجاجة ، ويعرف قربه وبعده ، فينقر الأرض ، ثم تجيء الشياطين ، فيسلخونه ويستخرجون الماء . قَالَ سعيد بن جبير : لما ذكر ابن عباس هذا ، قَالَ له نافع بن الأزرق : يا وصاف ، انظر ما تقول ، إن الصبي منا يضع الفخ ، ويحثو عليه التراب ، فيجيء الهدهد ولا يبصر الفخ حتى يقع في عنقه . فقال له ابن عباس : ويحك ، إن القدر إذا جاء حال دون البصر . وفي رواية : إذا نزل القضاء والقدر ذهب اللب ، وعمي البصر . فنزل سليمان منزلا ، فاحتاج إلى الماء ، فطلبوا فلم يجدوا ، فتفقد الهدهد ليدل على الماء ، فقال : ما لي لا أرى الهدهد ؟ على تقدير أنه مع جنوده ، وهو لا يراه ، ثم أدركه الشك في غيبته ، فقال : أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ سورة النمل آية 20 يعني : أكان من الغائبين ؟ والميم صلة ، وقيل : أم بمعنى بل ، ثم أوعده على غيبته ، فقال : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ سورة النمل آية 21 . لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا سورة النمل آية 21 واختلفوا في العذاب الذي أوعده به ، فأظهر الأقاويل : أن ينتف ريشه وذنبه ، ويلقيه في الشمس ممعطا لا يمتنع من النمل ، ولا من هوام الأرض ، وقال مقاتل بن حيان : لأطلينه بالقطران ، ولأشمسنه . وقيل : لأودعنه القفص . وقيل : لأفرقن بينه وبين إلفه . وقيل : لأحبسنه مع ضده ، أَوْ لأَذْبَحَنَّهُ سورة النمل آية 21 لأقطعن حلقه ، أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ سورة النمل آية 21 بحجة بينة في غيبته ، وعذر ظاهر ، قرأ ابن كثير : ليأتينني بنونين الأولى مشددة ، وقرأ الآخرون بنون واحدة مشددة . وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم ، فتجهز للمسير ، واستصحب من الجن ، والإنس ، والشياطين ، والطيور ، والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ ، فحملهم الريح ، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم ، وكان ينحر كل يوم بمقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ، ويذبح خمسة آلاف ثور ، وعشرين ألف شاة ، وقال لمن حضره من أشراف قومه : إن هذا مكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا ، يعطى النصر على جميع من ناوأه ، وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب والبعيد عنده في الحق سواء ، لا تأخذه في الله لومة لائم . قالوا : فبأي دين يدين يا نبي الله ؟ قَالَ : يدين بدين الحنيفية ، فطوبى لمن أدركه ، وآمن به ، فقالوا : كم بيننا وبين خروجه يا نبي الله ؟ قَالَ : مقدار ألف عام ، فليبلغ الشاهد منكم الغائب ، فإنه سيد الأنبياء ، وخاتم الرسل . قَالَ : فأقام بمكة حتى قضى نسكه ، ثم خرج من مكة صباحا ، وسار نحو اليمن ، فوافى صنعاء وقت الزوال ، وذلك مسيرة شهر ، فرأى أرضا حسناء تزهو خضرتها ، فأحب النزول بها ليصلي ويتغدى ، فلما نزل قَالَ الهدهد : إن سليمان قد اشتغل بالنزول ، فأرتفع نحو السماء فأنظر إلى طول الدنيا وعرضها . ففعل ذلك ، فنظر يمينا وشمالا ، فرأى بستانا لبلقيس ، فمال إلى الخضرة ، فوقع فيه ، فإذا هو بهدهد ، فهبط عليه ، وكان اسم هدهد سليمان يعفور ، واسم هدهد اليمن عنفير ، فقال عنفير اليمن ليعفور سليمان : من أين أقبلت ؟ وأين تريد ؟ قَالَ : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داود . فقال : ومن سليمان ؟ قَالَ : ملك الجن ، والإنس ، والشياطين ، والطير ، والوحش ، والرياح ، فمن أين أنت ؟ قَالَ : أنا من هذه البلاد . قَالَ : ومن ملكها ؟ قَالَ : امرأة يقال لها : بلقيس ، وإن لصاحبكم ملكا عظيما ، ولكن ليس ملك بلقيس دونه ، فإنها ملكة اليمن كلها ، وتحت يدها اثنا عشر ألف قائد ، تحت يد كل قائد مائة ألف مقاتل ، فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ؟ قَالَ : أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء . قَالَ الهدهد اليماني : إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة . فانطلق معه ، ونظر إلى بلقيس وملكها ، وما رجع إلى سليمان إلا في وقت العصر ، قَالَ : فلما نزل سليمان ، ودخل عليه وقت الصلاة ، وكان نزل على غير ماء ، فسأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموا ، فتفقد الطير ، ففقد الهدهد ، فدعا عريف الطير ، وهو النسر ، فسأله عن الهدهد ، فقال : أصلح الله الملك ، ما أدري أين هو ؟ وما أرسلته مكانا . فغضب عند ذلك سليمان ، وقال : لأُعَذِّبَنَّهُ عَذَابًا شَدِيدًا سورة النمل آية 21 الآية ، ثم دعا العقاب سيد الطير ، فقال : علي بالهدهد الساعة . فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء ، فنظر إلى الدنيا كالقصعة بين يدي أحدكم ، ثم التفت يمينا وشمالا ، فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمن ، فانقض العقاب نحوه يريده ، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بسوء ، فناشده ، فقال : بحق الله الذي قواك ، وأقدرك علي إلا رحمتني ، ولم تتعرض لي بسوء . قَالَ : فولى عنه العقاب ، وقال له : ويلك ثكلتك أمك ، إن نبي الله قد حلف أن يعذبك أو يذبحك . ثم طارا متوجهين نحو سليمان ، فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير ، فقالوا له : ويلك ، أين غبت في يومك هذا ؟ ولقد توعدك نبي الله . وأخبراه بما قَالَ ، فقال الهدهد : أو ما استثنى رسول الله ؟ قالوا : بلى . قَالَ : أَوْ لَيَأْتِيَنِّي بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ سورة النمل آية 21 قَالَ : فنجوت إذا . ثم طار العقاب والهدهد حتى أتيا سليمان ، وكان قاعدا على كرسيه ، فقال العقاب : قد أتيتك به يا نبي الله . فلما قرب الهدهد رفع رأسه ، وأرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه ، فمده إليه ، وقال : أين كنت ؟ لأعذبنك عذابا شديدا . فقال الهدهد : يا نبي الله ، اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى . فلما سمع سليمان ذلك ارتعد ، وعفا عنه ، ثم سأله ، فقال : ما الذي أبطأ بك عني ؟ فقال الهدهد ما أخبر الله عنه في قوله : فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ { 22 } إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ { 23 } سورة النمل آية 22-23 . فَمَكَثَ غَيْرَ بَعِيدٍ سورة النمل آية 22 قرأ عاصم ويعقوب : فَمَكَثَ سورة النمل آية 22 بفتح الكاف ، وقرأ الآخرون بضمها ، وهما لغتان ، غَيْرَ بَعِيدٍ سورة النمل آية 22 أي : غير طويل ، فَقَالَ أَحَطْتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ سورة النمل آية 22 والإحاطة : العلم بالشيء من جميع جهاته ، يقول : علمت ما لم تعلم ، وبلغت ما لم تبلغه أنت ولا جنودك . وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ سورة النمل آية 22 قرأ أبو عمرو ، والبزي ، عن ابن كثير : من سبأ و لسبأ في سورة سبأ مفتوحة الهمزة ، وقرأ القواص ، عن ابن كثير ساكنة بلا همزة ، وقرأ الآخرون بالإجراء ، فمن لم يجره جعله اسم البلد ، ومن جره جعله اسم رجل ، فقد جاء في الحديث " أن النبي صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ سئل عن سبأ ، فقال : " كان رجلا له عشرة من البنين ، تيامن منهم ستة ، وتشاءم أربعة " . بِنَبَإٍ سورة النمل آية 22 بخبر ، يَقِينٍ سورة النمل آية 22 فقال سليمان : وما ذاك ؟ قَالَ : إِنِّي وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ سورة النمل آية 23 وكان اسمها : بلقيس بنت شراحيل ، من نسل يعرب بن قحطان ، وكان أبوها ملكا عظيم الشأن ، قد ولد له أربعون ملكا هو آخرهم ، وكان يملك أرض اليمن كلها ، وكان يقول لملوك الأطراف : ليس أحد منكم كفؤا لي ، وأبى أن يتزوج فيهم ، فزوجوه امرأة من الجن ، يقال لها : ريحانة بنت السكن ، فولدت له بلقيس ، ولم يكن له ولد غيرها ، وجاء في الحديث : " إن إحدى أبوي بلقيس كان جنيا ، فلما مات أبو بلقيس طمعت في الملك ، فطلبت من قومها أن يبايعوها ، فأطاعها قوم ، وعصاها قوم آخرون ، فملكوا عليهم رجلا ، وافترقوا فرقتين ، كل فرقة استولت على طرف من أرض اليمن ، ثم إن الرجل الذي ملكوه أساء السيرة في أهل مملكته حتى كان يمد يده إلى حرم رعيته ، ويفجر بهن ، فأراد قومه خلعه ، فلم يقدروا عليه ، فلما رأت ذلك بلقيس أدركتها الغيرة ، فأرسلت إليه تعرض نفسها عليه ، فأجابها الملك ، وقال : ما منعني أن أبتدئك بالخطبة إلا اليأس منك . فقالت : لا أرغب عنك ، كفؤ كريم ، فاجمع رجال قومي ، واخطبني إليهم . فجمعهم وخطبها إليهم ، فقالوا : لا نراها تفعل هذا . فقال لهم : إنها ابتدأتني ، فأنا أحب أن تسمعوا قولها . فجاءوها ، فذكروا لها ، فقالت : نعم ، أحببت الولد . فزوجوها منه ، فلما زفت إليه خرجت في أناس كثير من حشمها ، فلما جاءته سقته الخمر حتى سكر ، ثم جزت رأسه ، وانصرفت من الليل إلى منزلها ، فلما أصبح الناس رأوا الملك قتيلا ، ورأسه منصوب على باب دارها ، فعلموا أن تلك المناكحة كانت مكرا وخديعة منها ، فاجتمعوا إليها ، وقالوا : أنت بهذا الملك أحق من غيرك . فملكوها " .