أَخْبَرَنَا عَبْدُ الْوَاحِدِ بْنُ أَحْمَدَ الْمَلِيحِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَحْمَدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ النُّعَيْمِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ يُوسُفَ ° ، أَخْبَرَنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو الْوَليِدِ ° ، أَخْبَرَنَا شُعْبَةُ ° عَنِ الأَعْمَشِ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ أَبَا وَائِلٍ ° ، قَالَ : سَمِعْتُ عَبْدَ اللَّهِ ° ، قَالَ : " قَسَّمَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَسْمًا ، فَقَالَ رَجُلٌ : إِنَّ هَذِهِ لَقِسْمَةٌ مَا أُرِيدَ بِهَا وَجْهَ اللَّهِ . فَأَتَيْتُ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأَخْبَرْتُهُ ، فَغَضِبَ حَتَّى رَأَيْتُ الْغَضَبَ فِي وَجْهِهِ ، ثُمَّ قَالَ : يَرْحَمُ اللَّهُ مُوسَى لَقَدْ أُوذِيَ أَكْثَرَ مِنْ هَذَا فَصَبَرَ " .
يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا { 70 } يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا { 71 } إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا { 72 } سورة الأحزاب آية 70-72 . قوله عَزَّ وَجَلَّ : يَأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلا سَدِيدًا سورة الأحزاب آية 70 قَالَ ابن عباس : صوابا . وقال قتادة : عدلا . وقال الحسن : صدقا . وقيل : مستقيما . وقال عكرمة : هو قول لا إله إلا الله . يُصْلِحْ لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ سورة الأحزاب آية 71 قَالَ ابن عباس : يتقبل حسناتكم . وقال مقاتل : يزكي أعمالكم ، وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا سورة الأحزاب آية 71 أي : ظفر بالخير كله . قوله عَزَّ وَجَلَّ : إِنَّا عَرَضْنَا الأَمَانَةَ عَلَى السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَالْجِبَالِ سورة الأحزاب آية 72 الآية ، أراد بالأمانة الطاعة والفرائض التي فرضها الله على عباده ، عرضها على السموات والأرض والجبال على أنهم إن أدوها أثابهم ، وإن ضيعوها عذبهم ، وهذا قول ابن عباس . وقال ابن مسعود : أداء الصلوات ، وإيتاء الزكاة ، وصوم رمضان ، وحج البيت ، وصدق الحديث ، وقضاء الدين ، والعدل في المكيال والميزان ، وأشد من هذا كله الودائع . وقال مجاهد : الأمانة : الفرائض ، وحدود الدين . وقال أبو العالية : ما أمروا به ، ونهوا عنه . وقال زيد بن أسلم : هو الصوم ، والغسل من الجنابة ، وما يخفى من الشرائع . وقال عبد الله بن عمرو بن العاص : أول ما خلق الله من الإنسان فرجه ، وقال : هذه أمانة استودعتكها . فالفرج أمانة ، والأذن أمانة ، والعين أمانة ، واليد أمانة ، والرجل أمانة ، ولا إيمان لمن لا أمانة له . وقال بعضهم : هي أمانات الناس ، والوفاء بالعهود ، فحق على كل مؤمن أن لا يغش مؤمنا ، ولا معاهدا في شيء قليل ولا كثير ، وهي رواية الضحاك ، عن ابن عباس ، فعرض الله هذه الأمانة على أعيان السموات والأرض والجبال ، هذا قول ابن عباس ، وجماعة من التابعين ، وأكثر السلف ، فقال لهن : " أتحملن هذه الأمانة بما فيها ؟ " قلن : وما فيها ؟ قَالَ : " إن أحسنتن جوزيتن ، وإن عصيتن عوقبتن " . فقلن : لا يا رب ، نحن مسخرات لأمرك لا نريد ثوابا ولا عقابا . وقلن ذلك خوفا وخشية وتعظيما لدين الله أن لا يقوموا بها لا معصية ولا مخالفة ، وكان العرض عليهن تخييرا لا إلزاما ، ولو ألزمهن لم يمتنعن من حملها ، والجمادات كلها خاضعة لله عز وجل ، مطيعة ساجدة له ، كما قَالَ جل ذكره للسموات والأرض : ائْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ سورة فصلت آية 11 وقال للحجارة : وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ اللَّهِ سورة البقرة آية 74 وقال تعالى : أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَنْ فِي السَّمَوَاتِ وَمَنْ فِي الأَرْضِ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ وَالنُّجُومُ وَالْجِبَالُ وَالشَّجَرُ وَالدَّوَابُّ سورة الحج آية 18 الآية . وقال بعض أهل العلم : المراد من العرض على السموات والأرض هو العرض على أهل السموات والأرض ، وعرضها على من فيها من الملائكة . وقيل : على أهلها كلها دون أعيانها ، كقوله تعالى : وَاسْأَلِ الْقَرْيَةَ سورة يوسف آية 82 أي : أهل القرية . والأول أصح ، وهو قول العلماء . فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا وَأَشْفَقْنَ مِنْهَا سورة الأحزاب آية 72 أي : خفن من الأمانة أن لا يؤدينها ، فيلحقهن العقاب ، وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ سورة الأحزاب آية 72 يعني آدم عَلَيْهِ السَّلام ، فقال الله لآدم : " إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فلم تطقها ، فهل أنت آخذها بما فيها ؟ " قَالَ : يا رب ، وما فيها ؟ قَالَ : " إن أحسنت جوزيت ، وإن أسأت عوقبت " . فتحملها آدم ، وقال : بين أذني وعاتقي . قَالَ الله تعالى : " أما إذا تحملت فسأعينك ، أجعل لبصرك حجابا ، فإذا خشيت أن تنظر إلى ما لا يحل لك ، فأرخ عليه حجابه ، وأجعل للسانك لحيين وغلقا ، فإذا غشيت فأغلق ، وأجعل لفرجك لباسا ، فلا تكشفه على ما حرمت عليك " . قَالَ مجاهد : فما كان بين أن تحملها وبين أن خرج من الجنة إلا مقدار ما بين الظهر والعصر . وحكى النقاش بإسناده ، عن ابن مسعود ، أنه قَالَ : مثلت الأمانة كصخرة ملقاة ، ودعيت السموات والأرض والجبال إليها فلم يقربوا منها ، وقالوا : لا نطيق حملها . وجاء آدم من غير أن يدعى ، وحرك الصخرة ، وقال : لو أمرت بحملها لحملتها . فقيل له : احملها . فحملها إلى ركبتيه ثم وضعها ، وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت . فقلن له : احملها . فحملها إلى حقوه ثم وضعها ، وقال : والله لو أردت أن أزداد لزدت . فقلن له : احمل . فحملها حتى وضعها على عاتقه ، فأراد أن يضعها ، فقال الله : " مكانك ، فإنها في عنقك ، وعنق ذريتك إلى يوم القيامة " . إِنَّهُ كَانَ ظَلُومًا جَهُولا سورة الأحزاب آية 72 قَالَ ابن عباس : ظلوما لنفسه ، جهولا بأمر الله ، وما احتمل من الأمانة . وقال الكلبي : ظلوما حين عصى ربه ، جهولا لا يدري ما العقاب في ترك الأمانة . وقال مقاتل : ظلوما لنفسه ، جهولا بعاقبة ما تحمل . وذكر الزجاج وغيره من أهل المعاني في قوله : وَحَمَلَهَا الإِنْسَانُ سورة الأحزاب آية 72 قولان ، فقالوا : إن الله ائتمن آدم وأولاده على شيء ، وائتمن السموات والأرض والجبال على شيء ، فالأمانة في حق بني آدم ما ذكرنا في الطاعة ، والقيام بالفرائض ، والأمانة في حق السموات والأرض والجبال هي الخضوع والطاعة لما خلقن له . وقيل : فَأَبَيْنَ أَنْ يَحْمِلْنَهَا سورة الأحزاب آية 72 أي : أدين الأمانة . يقال : فلان لم يحتمل الأمانة ، أي : لم يخن فيها ، وحملها الإنسان ، أي : خان فيها ، يقال : فلان حمل الأمانة ، أي : أثم فيها بالخيانة . قَالَ الله تعالى : وَلَيَحْمِلُنَّ أَثْقَالَهُمْ سورة العنكبوت آية 13 إنه كان ظلوما جهولا . حكي عن الحسن على هذا التأويل : إنه قَالَ : وحملها الإنسان ، يعني الكافر والمنافق ، حملا الأمانة ، أي : خانا . وقول السلف ما ذكرنا . لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سورة الأحزاب آية 73 . قوله عز وجل : لِيُعَذِّبَ اللَّهُ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ وَالْمُشْرِكِينَ وَالْمُشْرِكَاتِ سورة الأحزاب آية 73 قَالَ مقاتل : ليعذبهم بما خانوا الأمانة ونقضوا الميثاق ، وَيَتُوبَ اللَّهُ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا سورة الأحزاب آية 73 يهديهم ويرحمهم بما أدوا من الأمانة . وقال ابن قتيبة : أي : عرضنا الأمانة ليظهر نفاق المنافق ، وشرك المشرك ، فيعذبهما الله ، ويظهر إيمان المؤمن ، فيتوب عليه ، أي : يعود عليه بالرحمة والمغفرة إن حصل منه تقصير في بعض الطاعات .