24 حَدَّثَنَا أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَسَنِ الْخُزَاعِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو سَعِيدٍ الْهَيْثَمُ بْنُ كُلَيْبٍ الشَّاشِيُّ ° ، أَخْبَرَنَا أَبُو عِيسَى مُحَمَّدُ بْنُ عِيسَى بْنِ سَوْرَةَ ° الْحَافِظُ ، قَالَ : حَدَّثَنَا سُفْيانُ بْنُ وَكِيعٍ ° ، حَدَّثَنَا جُمَيْعُ بْنُ عُمَرَ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْعِجْلِيُّ ° ، إِمْلَاءً مِنْ كِتَابِهِ ، قَالَ : حَدَّثَنِي رَجُلٌ مِنْ بَنِي تَمِيمٍ مِنْ وَلَدِ أَبِي هَالَةَ زَوْجِ خَدِيجَةَ أُمِّ الْمُؤْمِنِينَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا ، يُكَنَّى : أَبَا عَبْدِ اللَّهِ ° ، عَنِ ابْنٍ لأَبِي هَالَةَ ° ، عَنِ الْحَسَنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، قَالَ : سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ ، قَالَ الْقَاضِي أَبُو عَلِيٍّ رَحِمَهُ اللَّهُ ، وَقَرَأْتُ عَلَى الشَّيْخِ أَبِي طَاهِرٍ أَحْمَدَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ أَحْمَدَ بْنِ خُذَادَادَ الْكَرْجِيِّ الْبَاقِلَّانِيِّ ° ، قَالَ : وَأَجَازَ لَنَا الشَّيْخُ الْأَجَلُّ أَبُو الفَضْلِ أَحْمَدُ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ خَيْرُونَ ° ، قَالَا : حَدَّثَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ إبْرَاهِيمَ بْنِ الْحَسَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ شَاذَانَ بْنِ حَرْبِ بْنِ مِهْرَانَ الْفَارِسِيُّ ° ، قِرَاءَةً عَلَيْهِ فَأَقَرَّ بِهِ ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مُحَمَّدٍ الْحَسَنُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى بْنِ الْحَسَنِ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° الْمَعْرُوفُ بِابْنِ أَخِي طَاهِرٍ الْعَلَوِيُّ ، قَالَ : حَدَّثَنَا إِسْمَاعِيلُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَالِبٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي عَلِيُّ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ° ، عَنْ أَخِي مُوسَى بْنِ جَعْفَرٍ ° ، عَنْ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ ° ، عَنْ أَبِيهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ ° ، قَالَ : قَالَ الْحَسَنُ بْنُ عَلِيٍّ ° وَاللَّفْظُ لِهَذَا السَّنَدِ : سَأَلْتُ خَالِي هِنْدَ بْنَ أَبِي هَالَةَ ° عَنْ حِلْيَةِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَكَانَ وَصَّافًا ، وَأَنَا أَرْجُو أَنْ يَصِفَ لِي مِنْهَا شَيْئًا أَتَعَلَّقُ بِهِ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ " فَخْمًا مُفَخَّمًا ، يَتَلأْلأُ وَجْهُهُ تَلأْلُؤَ الْقَمَرِ لَيْلَةَ الْبَدْرِ ، أَطْوَلَ مِنَ الْمَرْبُوعِ وَأَقْصَرَ مِنَ الْمُشَذَّبِ ، عَظِيمَ الْهَامَةِ ، رَجِلَ الشَّعَرِ ، إِنِ انْفَرَقَتْ عَقِيقَتُهُ فَرَقَ ، وَإِلَّا فَلا يُجَاوِزُ شَعْرُهُ شَحْمَةَ أُذْنَيْهِ إِذَا هُوَ وَقَّرَهُ أَزْهَرَ اللَّوْنِ ، وَاسِعَ الْجَبِينِ أَزَجَّ الْحَوَاجِبِ سَوَابِغَ مِنْ غَيْرِ قَرَنٍ بَيْنَهُمَا عِرْقٌ يُدِرُّهُ الْغَضَبُ ، أَقْنَى الْعِرْنَينِ ، لَهُ نُورٌ يَعْلُوهُ ، وَيَحْسَبُهُ مَنْ لَمْ يَتَأَمَّلْهُ أَشَمَّ ، كَثَّ اللِّحْيَةِ ، أَدْعَجَ ، سَهْلَ الْخَدَّيْنِ ، ضَلِيعَ الْفَمِ ، أَشْنَبَ مُفَلَّجَ الْأَسْنَانِ ، دَقِيقَ الْمَسْرُبَةِ ، كَأَنَ عُنُقَهُ جِيدُ دُمْيَةٍ فِي صَفَاءِ الْفِضَّةِ ، مُعْتَدِلَ الْخَلْقِ ، بَادِنًا مُتَمَاسِكًا ، سَوَاءَ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ ، مُشِيحَ الصَّدْرِ ، بَعِيدَ مَا بَيْنَ الْمَنْكِبَيْنِ ، ضَخْمَ الْكَرَادِيسِ ، أَنْوَرَ الْمُتَجَرَّدِ ، مَوْصُولَ مَا بَيْنَ اللَّبَّةِ وَالسُّرَّةِ بِشَعَرٍ يَجْرِي كَالْخَطِّ ، عَارِيَ الثَّدْيَيْنِ مَا سِوَى ذَلِكَ ، أشْعَرَ الذِّرَاعَيْنِ وَالْمَنْكِبَيْنِ وَأَعَالِي الصَّدْرِ ، طَوِيلَ الزَّنْدَيْنِ ، رَحْبَ الرَّاحَةِ ، شَثْنَ الكَفَّيْنِ والْقَدَمَيْنِ ، سَائِلَ الْأَطْرَافِ ، أَوْ قَالَ : سَائِنَ الْأَطْرافِ . وَسَائِرَ الْأَطْرَافِ ، سَبْطَ الْعَصَبِ ، خُمْصَانَ الْأَخْمَصَيْنِ ، مَسِيحَ الْقَدَمَيْنِ ، يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ إِذَا زَالَ زَالَ تَقَلُّعًا ، وَيَخْطُو تَكَفُّؤًا ، وَيَمْشِي هَوْنًا ، ذَرِيعَ الْمِشْيَةِ إِذَا مَشَى كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، وَإِذَا الْتَفَتَ الْتَفَتَ جَمِيعًا خَافِضَ الطَّرْفِ ، نَظَرُهُ عَلَى الأَرْضِ أَطْوَلُ مِنْ نَظَرِهِ إِلَى السَّمَاءِ ، جُلُّ نَظَرِهِ المُلَاحَظَةُ يَسُوقُ أَصْحَابَهُ ، وَيَبْدَأُ مَنْ لَقِيَهُ بِالسَّلَامِ ، قُلْتُ : صِفْ لِي مَنْطِقَهُ ، قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مُتَوَاصِلَ الْأَحْزَانِ ، دَائِمَ الْفِكْرَةِ لَيْسَتْ لَهُ رَاحَةٌ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ فِي غَيْرِ حَاجَةٍ ، طَوِيلَ السُّكُوتِ ، يَفْتَتِحُ الكَلَامَ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ ، وَيَتَكَلَّمُ بِجَوَامِعِ الْكَلِمِ ، فَصْلًا ، لَا فُضُولَ فِيهِ ، وَلَا تَقْصِيرَ ، دَمِثًا لَيْسَ بِالْجَافِي وَلَا الْمَهِينِ ، يُعَظِّمُ النِّعْمَةَ ، وَإِنْ دَقَّتْ لَا يَذُمُّ شَيْئًا ، لَمْ يَكُنْ يَذُمُّ ذَوَاقًا وَلَا يَمْدَحُهُ ، وَلَا يُقَامُ لِغَضَبِهِ إِذَا تُعُرِّضَ لِلْحَقِّ بِشَيْءٍ حَتَّى يَنْتَصِرَ لَهُ ، وَلا يَغْضَبُ لِنَفْسِهِ ، وَلَا يَنْتَصِرُ لَهَا ، إِذَا أَشَارَ أَشَارَ بِكَفِّهِ كُلِّهَا ، وَإِذَا تَعَجَّبَ قَلَّبَهَا ، وَإِذَا تَحَدَّثَ اتَّصَلَ بِهَا فَضَرَبَ بِإبْهَامِهِ الْيُمْنَى رَاحَتَهُ الْيُسْرَى ، وَإِذَا غَضِبَ أَعْرَضَ وَأَشَاحَ ، وَإِذَا فَرِحَ غَضَّ طَرْفَهُ ، جُلُّ ضَحِكِهِ التَّبَسُّمُ ، وَيَفْتَرُّ عَنْ مثل حَبِّ الْغَمَامِ ، قَالَ الْحَسَنُ : فَكَتَمْتُهَا عَنِ الْحُسَيْنِ بْنِ عَلِيٍّ زَمَانًا ، ثُمَّ حَدَّثْتُهُ ، فَوَجَدْتُهُ قَدْ سَبَقَنِي إِلَيْهِ فَسَأَلَ أَبَاهُ عَنْ مَدْخَلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَمَخْرَجِهِ ، وَمَجْلِسِهِ ، وَشَكْلِهِ فَلَمْ يَدَعْ مِنْهُ شَيْئًا ، قَالَ الْحُسَيْنُ : سَأَلْتُ أَبِي عَنْ دُخُولِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : كَانَ دُخُولُهُ لِنَفْسِهِ مَأْذُونًا لَهُ فِي ذَلِكَ ، فَكَانَ إِذَا أَوَى إِلَى مَنْزِلهِ جَزَّأَ دُخُولَهُ : ثَلَاثَةَ أَجْزَاءٍ جُزْءًا لِلَّهِ وَجُزْءًا لِأَهْلِهِ ، وَجُزْءًا لِنَفْسِهِ ثُمَّ جَزَّأَ جُزْأَهُ بَيْنَهُ وَبَيْنَ النَّاسِ فَيَرُدُّ ذَلِكَ ، عَلَى الْعَامَّةِ بِالْخَاصَّةِ ، وَلَا يَدَّخِرُ عَنْهُمْ شَيْئًا ، فَكَانَ مِنْ سِيرَتِهِ فِي جُزْءِ الأُمَّةِ إِيثَارُ أَهْلِ الْفَضْلِ بِإِذْنِهِ ، وَقِسْمَتُهُ عَلَى قَدْرِ فَضْلِهِمْ فِي الدِّينِ مِنْهُمْ ذُو الْحَاجَةِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَاجَتَيْنِ ، وَمِنْهُمْ ذُو الْحَوَائِجِ ، فَيَتَشَاغَلُ بِهِمْ ، وَيَشْغَلُهُمْ فِيمَا يُصْلِحُهُمْ وَالْأُمَّةَ مِنْ مَسْأَلَتِهِ عَنْهُمْ ، وأَخْبَرَهُمْ بِالَّذِي يَنْبَغِي لَهُمْ ، وَيقُولُ : لِيُبْلِّغَ الشَّاهِدُ مِنكُمُ الْغَائِبَ ، وَأَبْلِغُونِي حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلَاغِي حَاجَتَهُ ، فَإِنَّهُ مَنْ أَبْلَغَ سُلْطَانًا حَاجَةَ مَنْ لَا يَسْتَطِيعُ إِبْلاغَهَا ، ثَبَّتَ اللَّهُ قَدَمَيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، لَا يُذْكَرُ عِنْدهُ إِلَّا ذَلِكَ ، وَلَا يَقْبَلُ مِنْ أَحَدٍ غَيْرَهُ
قَالَ : فِي حَدِيثِ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ : يَدْخُلُونَ رُوَّادًا وَلَا يَتَفَرَّقُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ وَيَخْرُجُونَ أَدِلَّةً يَعْنِي : فُقَهَاءَ ، قُلْتُ : فَأَخْبِرْنِي عَنْ مَخْرَجِهِ كَيْفَ كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ؟ قَالَ : كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَخْزُنُ لِسَانَهُ إِلا مِمَّا يُعْنِيهِمْ وَيُؤَلِّفُهُمْ وَلَا يُفَرِّقُهُمْ ، يُكْرِمُ كَرِيمَ كُلِّ قَوْمٍ وَيُوَلِّيهِ عَلَيْهِمْ ، وَيَحْذَرُ النَّاسَ وَيَحْتَرِسُ مِنْهُمْ مِنْ غَيْرِ أَنْ يَطْوِي عَنْ أَحَدٍ بِشْرَهُ وَخُلُقَهُ ، وَيَتَفَقَّدُ أَصْحَابَهُ وَيَسْأَلُ ، النَّاسَ عَمَّا فِي النَّاسِ ، ويُحَسِّنُ الْحَسَنَ وَيُصَوِّبُهُ ، وَيُقَبِّحُ الْقَبِيحَ وَيُوَهِّنُهُ ، مُعْتَدِلُ الْأَمْرِ غَيْرُ مُخْتَلِفٍ ، لَا يَغْفُلُ مَخَافَةَ أَنْ يَغْفَلُوا أَوْ يَمَلُّوا ، لِكُلِّ حَالٍ عِندَهُ عَتَادٌ ، لَا يُقَصِّرُ عَنِ الْحَقِّ وَلَا يُجَاوِزُهُ إِلَى غَيْرِهِ ، الَّذِينَ يَلُونَهُ مِنَ النَّاسِ خِيَارُهُمْ ، وَأَفْضَلُهُمْ عِنْدَهُ أَعَمُّهُمْ نَصِيحَةً ، وَأَعْظَمُهُمْ عِنْدَهُ مَنْزِلَةً أَحْسَنُهُمْ مُوَاسَاةً وَمُؤَازَرَةً ، فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَجْلِسِهِ ، عَمَّا كَانَ يَصْنَعُ فِيهِ ؟ فَقَالَ : كَانَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، لَا يَجْلِسُ وَلَا يَقُومُ إِلَّا عَلَى ذِكْرٍ ، وَلَا يُوَطِّنُ الْأَمَاكِنَ وَيَنْهَى عَنْ إِيطَانِهَا ، وَإِذَا انْتَهَى إِلَى قَوْمٍ جَلَسَ حَيْثُ يَنْتَهِي بِهِ الْمَجْلِسُ وَيَأْمُرُ ، بِذَلِكَ ، ويُعْطِي كُلَّ جُلَسَائِهِ نَصِيبَهُ ، حَتَّى لَا يَحْسَبَ جَلِيسُهُ أَنَّ أَحَدًا أَكْرَمُ عَلَيْهِ مِنْهُ ، مَنْ جَالَسَهُ أَوْ قَاوَمَهُ لِحَاجَةٍ صَابَرَهُ حَتَّى يَكُونَ هُوَ الْمُنْصَرِفُ عَنْهُ ، مَنْ سَأَلَهُ حَاجَةً لَمْ يَرُدَّهُ إِلَّا بِهَا أَوْ بِمَيْسُورٍ مِنَ الْقَوْلِ ، قَدْ وَسِعَ النَّاسَ بَسْطُهُ وَخُلُقُهُ ، فَصَارَ لَهُمْ أَبًا ، وَصَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ مُتَقَارِبِينَ مُتَفَاضِلِينَ فِيهِ بِالتَّقْوَى ، وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى صَارُوا عِنْدَهُ فِي الْحَقِّ سَوَاءً ، مَجْلِسُهُ مَجْلِسُ حِلْمٍ وَحَيَاءٍ وَصَبْرٍ وَأَمَانَةٍ لَا تُرْفَعُ فِيهِ الْأصْوَاتُ ، وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ ، وَلَا تُنْثَى فَلَتَاتُهُ وَهَذِهِ الْكَلِمَةُ مِنْ غَيْرِ الرِّوَايَتَيْنِ يَتَعَاطَفُونَ بِالتَّقْوَى مُتَوَاضِعِينَ ، يُوَقِّرُونَ فِيهِ الْكَبِيرَ ، وَيَرْحَمُونَ الصَّغِيرَ ، ويُرْفِدُونَ ذَا الْحَاجَةِ ، وَيَرْحَمُونَ الْغَرِيبَ ، فَسأَلْتُهُ عَنْ سِيرَتِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي جُلَسَائِهِ ؟ فَقَالَ كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ دَائِمَ الْبِشْرِ ، سَهْلَ الْخُلُقِ ، لَيِّنَ الْجَانِبِ ، لَيْسَ بِفَظٍّ ، وَلَا غَلِيظٍ ، وَلَا سَخَّابٍ ، وَلَا فَحَّاشٍ ، وَلَا عَيَّابٍ ، وَلَا مَدَّاحٍ ، يَتَغَافَلُ عَمَّا لَا يَشْتَهِي ، وَلَا يُؤْيَسُ مِنْهُ قَدْ تَرَكَ نَفْسَهُ مِنْ ثَلَاثٍ : الرِّيَاءِ ، وَالْإِكْثَارِ ، وَمَا لَا يُعْنِيهِ ، وَتَرَكَ النَّاسَ مِنْ ثَلَاثٍ : كَانَ لَا يَذُمُّ أَحَدًا ، وَلَا يُعَيِّرُهُ وَلَا يَطْلُبُ عَوْرَتَهُ ، وَلَا يَتَكَلَّمُ إِلَّا فِيمَا يَرْجُو ثَوَابَهُ ، إِذَا تَكَلَّمَ أَطْرَقَ جُلَسَاؤْهُ كَأَنَّمَا عَلَى رُءُوسِهِمُ الطَيْرُ ، وَإِذَا سَكَتَ تَكَلَّمُوا لَا يَتَنَازَعُونَ عِنْدَهُ الْحَدِيثَ ، مَنْ تَكَلَّمَ عِنْدَهُ أَنْصَتُوا لَهُ حَتَّى يَفْرُغَ ، حَدِيثُهُمْ حَدِيثُ أَوَّلِهِمْ يَضْحَكُ مِمَّا يَضْحَكُونَ مِنْهُ ، وَيَتَعَجَّبُ مِمَّا يَتَعَجَّبُونَ مِنْهُ ، وَيَصْبِرُ لِلْغَرِيبِ عَلَى الْجَفْوَةِ فِي الْمَنْطِقِ ، وَيَقُولُ : إِذَا رَأَيْتُمْ صَاحِبَ الْحَاجَةِ يَطْلُبُهَا فَأَرْفِدُوهُ ، وَلَا يَطْلُبُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ ، وَلَا يَقْطَعُ عَلَى أَحَدٍ حَدِيثَهُ حَتَّى يَتَجَوَّزَهُ فَيَقْطَعَهُ بِانْتِهَاءٍ أَوْ قِيَامٍ ، هُنَا انْتَهَى حَدِيثُ سُفْيَانَ بْنِ وَكِيعٍ ، وَزَادَ الآخَرُ قُلْتُ : كَيْفَ كَانَ سُكُوتُهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ؟ قَالَ : كَانَ سُكُوتُهُ عَلَى أَرْبَعٍ : عَلَى الْحِلْمِ ، وَالْحَذَرِ ، وَالتَّقْدِيرِ ، وَالتَّفَكُّرِ ، فَأَمَّا تَقْدِيرُهُ فَفِي تَسْوِيَةِ النَّظَرِ وَالاسْتِمَاعِ بَيْنَ النَّاسِ ، وَأَمَّا تَفَكُّرُهُ فَفِيمَا يَبْقَى وَيَفْنَى ، وَجُمِعَ لَهُ الْحِلْمُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الصَّبْرِ ، فَكَانَ لَا يُغْضِبُهُ شَيْءٌ يَسْتَفِزُّهُ ، وَجُمِعَ لَهُ فِي الْحَذَرِ أَرْبَعٌ : أَخْذُهُ بِالْحَسَنِ لِيُقْتَدَى بِهِ ، وَتَركُهُ الْقَبِيحَ لِيُنْتَهَى عَنْهُ ، وَاجْتِهَادُ الرَّأْيِ بِمَا أصْلَحَ أُمَّتَهُ ، وَالْقِيَامُ لَهُمْ بِمَا جَمَعَ لَهُمْ أَمْرَ الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ " . انْتَهَى الْوَصْفُ بِحَمْدِ اللَّهِ وَعَوْنِهِ . فصل فِي تَفْسِيرِ غَرِيبِ هَذَا الْحَدِيثِ وَمُشْكِلِهِ قَوْلَهُ المُشَذَّبُ : أَيِ الْبَائِنُ الطُّولِ فِي نَحَافَةٍ ، وَهُوَ مثل قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ لَيْسَ بِالطَّوِيلِ الْمُمَغَّطِ ، وَالشَّعَرُ الرَّجِلُ الَّذِي كَأَنَّهُ مُشِطَ فَتَكَسَّرَ قَلِيلًا لَيْسَ بِسَبْطٍ وَلَا جَعْدٍ ، وَالْعَقِيقَةُ شَعَرُ الرَّأْسِ أَرَادَ إِنِ انْفَرَقَتْ مِنْ ذَاتِ نَفْسِهَا فَرَقَهَا ، وَإِلَّا تَرَكَهَا مَعْقُوصَةً وَيُرْوَى عَقِيصَتُهُ ، وَأَزْهَرَ اللَّوْنِ نَيِّرُهُ ، وَقِيلَ : حَسَنٌ وَمِنْهُ زَهْرَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا : أَيْ زِينَتُهَا ، وَهَذَا كَمَا قَالَ فِي الْحَدِيثَ الآخَرِ : لَيْسَ بِالْأَبَيْضِ ، الْأَمْهَقِ وَلَا بِالآدَمِ ، والأَمْهَقُ : هُوَ النَّاصِعُ الْبَيَاضِ ، وَالآدَمُ : الأَسْمَرُ اللَّوْنِ ، وَمِثْلُهُ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ : أبْيَضُ مُشْرَبٌ أَيْ فِيهِ حُمْرَةٌ ، وَالْحَاجِبُ الْأَزَجُّ : الْمُقَوَّسُ الطَّوِيلُ ، الوَافِرُ الشَّعَرِ ، وَالأقْنَى : السَّائِلُ الْأَنْفِ الْمُرْتَفِعُ وَسَطُهُ ، وَالْأَشَمٌ : الطَّوِيلُ قَصَبَةِ الْأَنْفِ ، وَالْقَرَنُ : اتِّصَالُ شَعَرِ الْحَاجِبَيْنِ ، وَضِدُّهُ البَلَجُ ، وَوَقَعَ فِي حَدِيثِ أُمِّ مَعْبَدٍ وَصْفُهُ بِالْقَرَنِ ، وَالْأَدْعَجُ : الشَّدِيدُ سَوَادِ الْحَدَقَةِ ، وَفِي الْحَدِيثِ الآخَرِ : أَشْكَلُ الْعَيْنِ ، وأَسْجَرُ الْعَيْنِ ، وَهُوَ الَّذِي فِي بَيَاضِهَا حُمْرَةٌ ، والضَّلِيعُ : الوَاسِعُ ، وَالشَّنَبُ : رَوْنَقُ الأسنان وماؤها وقيل : رقتها وتحزيز فيها كما يوجد في أسنان الشباب ، والفلج فرق بَيْنَ الثَّنَايَا ، ودَقِيقُ الْمَسْرُبَةِ : خَيْطُ الشَّعَرِ الَّذِي بَيْنَ الصَّدْرِ وَالسُّرَّةِ ، بَادِنٌ ذُو لَحْمٍ وَمُتَمَاسِكٌ مُعْتَدِلُ الْخَلْقِ يُمْسِكُ بَعْضُهُ بَعْضًا ، مثل قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ : لَمْ يَكُنْ بِالْمُطَهَّمِ وَلَا بِالْمُكَلْثَمِ أي لَيْسَ بِمُسْتَرْخِي اللَّحْمِ ، وَالْمُكَلْثَمُ : الْقَصِيرُ الذَّقَنِ ، وَسَوَاءُ الْبَطْنِ وَالصَّدْرِ : أَيْ مُسْتَوِيهِمَا ، مُشِيحُ الصَّدْرِ إنْ صَحَّتْ هَذِهِ اللَّفْظَةُ فَتَكُونُ مِنَ الْإِقْبَالِ ، وَهُوَ أَحَدُ مَعَانِي أَشَاحَ ، أَيْ أنَّهُ كَانَ بَادِيَ الصَّدْرِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِي صَدْرِهِ قَعَسٌ وَهُوَ تَطَامُنٌ فِيهِ ، وبه يتَّضِحُ قَوْلُهُ قَبْلَ سَوَاءِ الْبَطْنِ والصَّدْرِ : أَيْ لَيْسَ بِمُتَقَاعِسِ الصَّدْرِ ، وَلَا مُفَاضِ الْبَطْنِ ، وَلَعلَّ اللَّفْظَ مَسِيحُ : بِالسِّينِ وَفَتْحِ الْمِيمِ بِمَعْنَى عَرِيضٍ ، كَمَا وَقَعَ فِي الرِّوَايَةِ الْأُخَرَى ، وَحَكَاهُ ابْنُ دُرَيْدٍ وَالْكَرَادِيسُ : رُءُوسُ الْعِظَامِ ، وَهُوَ مثل قَوْلِهِ فِي الْحَدِيثِ الآخَرِ : جَلِيلُ الْمُشَاشِ وَالْكَتَدِ ، وَالْمُشَاشُ : رُءُوسُ الْمَنَاكِبِ ، وَالْكَتَدُ : مُجْتَمَعُ الْكَتِفَيْنِ وَشَثْنُ الْكَفَّيْنِ ، وَالْقَدَمَيْنِ لَحِيمُهُمَا ، وَالزَّنْدَانِ : عَظْمَا الذِّرَاعَيْنِ ، وَسَائِلُ الْأَطْرَافِ : أَيْ طَوِيلُ الْأَصَابِعِ ، وَذَكَرَ ابْنُ الْأَنْبَارِيِّ أَنَّهُ رُوِيَ سَائِلُ الْأَطْرَافِ ، أَوْ قَالَ : سَائِنُ بِالنُّونِ ، قَالَ : وَهُمَا بِمَعْنًى ، تُبْدَلُ اللَّامُ مِنَ النُّونِ إنْ صَحَّتِ الرِّوَايَةُ بِهَا ، وَأَمَّا عَلَى الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى وَسائِرُ الْأَطْرَافِ فَإِشَارَةٌ إِلَى فَخَامَةِ جَوَارِحِهِ ، كَمَا وَقَعَتْ مُفَصَّلَةً فِي الْحَدِيثِ ، وَرَحْبُ الرَّاحَةِ أَيْ وَاسِعُهَا ، وَقِيلَ : كَنَّى بِهِ عَنْ سَعَةِ الْعَطَاءِ وَالْجُودِ ، وخُمْصَانُ الْأَخْمَصَيْنِ : أَيْ مُتَجَافِي أَخْمَصِ الْقَدَمِ ، وَهُوَ الْمَوْضِعُ الَّذِي لَا تَنَالُهُ الْأَرْضُ مِنْ وَسَطِ الْقَدَمِ ، وَمَسِيحُ الْقَدَمَيْنِ : أَيْ أَمْلَسُهُمَا ، وَلِهَذَا قَالَ : يَنْبُو عَنْهُمَا الْمَاءُ . وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ خِلافُ هَذَا ، قَالَ فِيهِ : إذَا وَطِيءَ بِقَدَمِهِ وَطِيءَ بِكُلِّهَا لَيْسَ لَهُ أَخْمَصُ ، وَهَذَا يُوَافِقُ مَعْنَى قَوْلِهِ مَسِيحُ الْقَدَميْنِ ، وبه قَالُوا : سُمِّي الْمَسِيحُ بْنُ مَرْيَمَ أَيْ لَمْ يَكُنْ لَهُ أَخْمَصُ ، وَقِيلَ : مَسِيحٌ لَا لَحْمَ عَلَيْهَمَا ، وَهَذَا أَيْضًا يُخَالفُ قَوْلِهِ شَثْنُ الْقَدَمَيْنِ وَالتَّقَلُّعُ رَفْعُ الرِّجْلِ بِقُوَّةٍ ، وَالتَّكَفُّؤُ : الْمَيْلُ إِلَى سَنَنِ الْمَمْشَى وَقَصْدِهِ ، وَالْهَوْنُ : الرِّفْقُ وَالْوَقَارُ ، وَالذَّرِيعُ : الْوَاسِعُ الْخَطْوِ ، أَيْ أَنَّ مَشْيَهُ كَانَ يَرْفَعُ فِيهِ رِجْلَيْهِ بِسُرْعَةٍ ، وَيَمَدُّ خَطْوَهُ خِلافَ مِشْيَةِ الْمُخْتَالِ وَيَقْصِدُ سَمْتَهُ : وَكُلُّ ذَلِكَ بِرِفْقٍ وَتَثَبُّتٍ دُونَ عَجَلَةٍ ، كَمَا قَالَ : كَأَنَّمَا يَنْحَطُّ مِنْ صَبَبٍ ، وَقَوْلُهُ : يَفْتَتِحُ الْكَلَامُ وَيَخْتِمُهُ بِأَشْدَاقِهِ : أَيْ لِسِعَةِ فَمِهِ ، وَالْعَرَبُ تَتَمَادَحُ بِهَذَا ، وَتَذُمُّ بِصِغَرِ الْفَمِ ، وَأَشَاحَ : مَالَ وَانْقَبَضَ ، وَحَبُّ الْغَمَامَ : الْبَرَدُ ، وَقَوْلُهُ : فَيَرُدُّ ذَلِكَ بِالْخَاصَّةِ عَلَى الْعَامَّةِ ، أَيْ جَعَلَ مِنْ جُزْءِ نَفْسِهِ مَا يُوَصِّلُ الْخَاصَّةَ إليْهِ ، فَتُوَصَّلُ عَنْهُ لِلْعَامَّةِ ، وَقِيلَ : يَجْعَلُ مِنْهُ لِلْخَاصَّةِ ثُمَّ يُبْدِلُهَا فِي جُزْءٍ آخَرَ بِالْعَامَّةِ ، وَيَدْخُلُونَ رُوَّادًا أَيْ مُحْتَاجِينَ إليْهِ وَطَالِبِينَ لِمَا عِنْدَهُ ، وَلَا يَنْصَرِفُونَ إِلَّا عَنْ ذَوَاقٍ ، قِيلَ : عَنْ عِلْمٍ يَتَعَلَّمُونَهُ ، وَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ عَلَى ظَاهِرِهِ أَيْ فِي الْغَالِبِ وَالْأَكْثَرِ ، وَالْعَتَادُ : الْعُدَّةُ ، وَالشَّيْءُ الْحَاضِرُ الْمُعَدُّ ، وَالْمُوَازَرَةُ ، الْمُعَاوَنَةُ ، وَقَوْلُهُ لَا يُوَطَّنُ الْأَمَاكِنَ : أَيْ لَا يَتَّخِذُ لِمُصَلَّاهُ مَوْضِعًا مَعْلُومًا ، وَقَدْ وَرَدَ نَهْيُهُ عَنْ هَذَا مُفَسَّرًا فِي غَيْرِ هَذَا الْحَدِيثِ ، وَصَابَرَهُ أَيْ حَبَسَ نَفْسَهُ عَلَى مَا يُرِيِدُ صَاحِبُهُ ، وَلَا تُؤْبَنُ فِيهِ الْحُرَمُ أَيْ لَا يُذْكَرْنَ فِيهِ بِسُوءٍ وَلَا تُنْثَى فَلَتاتُهُ : أَيْ لَا يُتَحَدَّثُ بِهَا ، أَيْ لَمْ تَكُنْ فِيهِ فَلْتَةٌ وَإِنْ كَانَتْ مِنَ أَحَدٍ سُتِرَتُ ، وَيُرْفِدُونَ : يُعِينُونَ ، وَالسَّخَّابُ : الْكَثِيرُ الصِّيَاحِ ، وَقَوْلُهُ : وَلَا يَقْبَلُ الثَّنَاءَ إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ ، قِيلَ : مُقْتَصِدٌ فِي ثَنَائِهِ وَمَدْحِهِ ، وَقِيلَ : إِلَّا مِنْ مُسْلِمٍ ، وَقِيلَ : إِلَّا مِنْ مُكَافِئٍ عَلَى يَدٍ سَبَقَتْ مِنَ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ ، وَيَسْتَفِزُّهُ : يَسْتَخِفُّهُ ، وَفِي حَدِيثٍ آخَرَ فِي وَصْفِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، مَنْهُوسُ الْعَقِبِ أَيْ قَلِيلُ لَحْمِهَا ، وَأَهْدَبُ الْأَشْفَارِ : أَيْ طَوِيلُ شَعَرِهَا .