8326 أَخْبَرَنَاهُ أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ الْفَضْلِ ° ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ الْبَيْهَقِيُّ ° ، أَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ الْحَافِظُ ° فِي زِيَادَاتِ الْفَوَائِدِ ، نَا أَبُو الْعَبَّاسِ مُحَمَّدُ بْنُ يَعْقُوبَ ° ، نَا يَحْيَى بْنُ أَبِي طَالِبٍ ° ، نَا عَلِيُّ بْنُ عَاصِمٍ ° ، نَا حَاتْمُ ابْنُ أَبِي صَغِيرَةَ ° ، عَنْ سِمَاكِ بْنِ حَرْبٍ ° ، عَنْ زَيْدِ بْنِ صُوحَانَ ° ، أَنَّ رَجُلَيْنِ مِنْ أَهْلِ الْكُوفَةِ كَانَا صَدِيقَيْنِ لِزَيْدِ بْنِ صُوحَانَ أَتَيَاهُ أَنْ يُكَلِّمَ لَهُمَا سَلْمَانَ أَنْ يُحَدِّثَهُمَا بِحَدِيثِهِ : كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ إِسْلامِهِ ؟ فَأَقْبَلا مَعَهُ حَتَّى أَتَوْا سَلْمَانَ وَهُوَ بِالْمَدَائِنِ أَمِيرٌ عَلَيْهَا ، وَإِذَا هُوَ عَلَى كُرْسِيٍّ قَاعِدٌ ، وَإِذَا خُوصٌ بَيْنَ يَدَيْهِ وَهُوَ يَسِفُّهُ ، قَالا : فَسَلَّمْنَا وَقَعَدْنَا ، فَقَالَ لَهُ زَيْدٌ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، إِنَّ هَذَيْنِ لِي صَدِيقَيْنِ ، وَلَهُمَا إِخَاءٌ وَقَدْ أَحَبَّا أَنْ يَسْمَعَا حَدِيثَكَ ، كَيْفَ كَانَ أَوَّلُ إِسْلامِكَ ؟ قَالَ : فَقَالَ سَلْمَانُ ° : كُنْتُ يَتِيمًا مِنْ رَامَهُرْمُزَ ، وَكَانَ ابْنُ دِهْقَانَ رَامَهُرْمُزَ يَخْتَلِفُ إِلَى مُعَلِّمٍ يُعَلِّمُهُ ، فَلَزِمْتُهُ لأَكُونَ فِي كَنَفِهِ ، وَكَانَ لِي أَخٌ أَكْبَرُ مِنِّي وَكَانَ مُسْتَغْنِيًا فِي نَفْسِهِ ، وَكُنْتُ غُلامًا فَقِيرًا ، وَكَانَ إِذَا قَامَ مِنْ مَجْلِسِهِ تَفَرَّقَ مَنْ يَحْفَظُهُ ، فَإِذَا تَفَرَّقُوا خَرَجَ فَتَقَنَّعَ بِثَوْبِهِ ، ثُمَّ يَصْعَدُ الْجَبَلَ ، فَكَانَ يَفْعَلُ ذَلِكَ غَيْرَ مَرَّةٍ مُتَنَكِّرًا ، قَالَ : فَقُلْتُ : أَمَا إِنَّكَ تَفْعَلُ كَذَا وَكَذَا ، فَلِمَ لا تَذْهَبُ بِي مَعَكَ ، قَالَ : أَنْتَ غُلام ، وَأَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ ، قَالَ : قُلْتُ : لا تَخَفْ ، قَالَ : فَإِنَّ فِي هَذَا الْجَبَلِ قَوْمًا فِي بِرْطِيلٍ لَهُمْ عِبَادَةٌ وَلَهُمْ صَلاحٌ يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، وَيَذْكُرُونَ الآخِرَةَ ، وَيَزْعُمُونَ أَنَّا عَبَدَةُ النِّيرَانِ ، وَعَبَدَةُ الأَوْثَانِ ، وَأَنَّا عَلَى غَيْرِ دِينٍ ، قُلْتُ : فَاذْهَبْ بِي مَعَكَ إِلَيْهِمْ ، قَالَ : لا أَقْدِرُ عَلَى ذَلِكَ حَتَّى أَسْتَأْمِرَهُمْ ، وَأَنَا أَخَافُ أَنْ يَظْهَرَ مِنْكَ شَيْءٌ فَيَعْلَمَ أَبِي فَيَقْتُلَهُمْ فَيَجْرِي هَلاكُهُمْ عَلَى يَدَيَّ ، قَالَ : قُلْتُ : لَمْ يَظْهَرْ مِنْ ذَلِكَ شَيْءٍ فَاسْتَأْمِرْهُمْ فَأَتَاهُمْ ، فَقَالَ : غُلامٌ عِنْدِي يَتِيمٌ فَأُحِبُّ أَنْ يَأْتِيكُمْ ، وَيَسْمَعَ كَلامَكُمْ ، قَالُوا : إِنْ كُنْتَ تَثِقُ بِهِ ، قَالَ : أَرْجُو أَنْ لا يَجِيءَ مِنْهُ إِلا مَا أُحِبُّ ، قَالُوا : فَجِيءْ بِهِ ، فَقَالَ لِي : قَدِ اسْتَأْذَنْتُ الْقَوْمَ أَنْ تَجِيءَ مَعِي ، فَإِذَا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي رَأَيْتَنِي أَخْرُجُ فِيهَا فَائْتِنِي ، وَلا يَعْلَمْ بِكَ أَحَدٌ فَإِنَّ أَبِي إِنْ عَلِمَ بِهِمْ قَتَلَهُمْ ، قَالَ : فَلَمَّا كَانَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَخْرُجُ تَبِعْتُهُ فَصَعَدَ الْجَبَلَ فَانْتَهَيْنَا إِلَيْهِمْ ، فَإِذَا هُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ ، قَالَ عَلِيٌّ : وَأَرَاهُ قَالَ : هُمْ سِتَّةٌ أَوْ سَبْعَةٌ قَالَ : وَكَأَنَّ الرُّوحَ قَدْ خَرَجَتْ مِنْهُمْ مِنَ الْعِبَادَةِ يَصُومُونَ النَّهَارَ ، وَيَقُومُونَ اللَّيْلَ ، يَأْكُلُونَ الشَّجَرَ ، وَمَا وَجَدُوا . فَقَعَدْنَا إِلَيْهِمْ ، فَأَثْنَى ابْنُ الدِّهْقَانِ عَلَيَّ خَيْرًا ، فَتَكَلَّمُوا فَحَمِدُوا اللَّهَ ، وَأَثْنَوْا عَلَيْهِ ، وَذَكَرُوا مَنْ مَضَى مِنَ الرُّسُلِ وَالأَنْبِيَاءِ حَتَّى خَلَصُوا إِلَى عِيسَى بْنِ مَرْيَمَ ، فَقَالُوا : بَعَثَهُ اللَّهُ ، وَوُلِدَ لِغَيْرِ ذَكَرٍ بَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولا ، وَسَخَّرَ لَهُ مَا كَانَ يَفْعَلُ مِنْ إِحْيَاءِ الْمَوْتَى ، وَخَلْقِ الطَّيْرِ وَإِبْرَاءِ الأَعْمَى وَالأَبْرَصِ فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ ، وَتَبِعَهُ قَوْمٌ وَإِنَّمَا كَانَ عَبْدَ اللَّهِ وَرَسُولَهُ ابْتُلِيَ بِهِ خَلْقُهُ ، قَالَ : وَقَالُوا قَبْلَ ذَلِكَ : يَا غُلامُ ، إِنَّ لَكَ رَبًّا ، وَإِنَّ لَكَ مَعَادًا وَإِنَّ بَيْنَ يَدَيْكَ جَنَّةً وَنَارًا إِلَيْهِمَا تَصِيرُ ، وَإِنَّ هَؤُلاءِ الْقَوْمِ الَّذِينَ يَعْبُدُونَ النِّيرَانَ أَهْلُ كُفْرٍ وَضَلالَةٍ فَلا يَرْضَى اللَّهُ تَعَالَى بِمَا يَصْنَعُونَ وَلَيْسُوا عَلَى دِينٍ ، فَلَمَّا حَضَرَتِ السَّاعَةُ الَّتِي يَنْصَرِفُ فِيهَا الْغُلامُ انْصَرَفَ وَانْصَرَفْتُ مَعَهُ ، ثُمَّ غَدَوْنُا إِلَيْهِمْ فَقَالُوا مِثْلَ ذَلِكَ وَأَحْسَنَ وَلَزِمْتُهُمْ ، فَقَالُوا لِي : يَا سَلْمَانُ إِنَّكَ غُلامٌ ، وَإِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَصْنَعَ مَا نَصْنَعُ فَصَلِّ ، وَنَمْ ، وَكُلْ ، وَاشْرَبْ . قَالَ : فَاطَّلَعَ الْمَلِكُ عَلَى صَنِيعِ ابْنِهِ فَرَكِبَ فِي الْخَيْلِ حَتَّى أَتَاهُمْ فِي بِرْطِيلِهِمْ ، فَقَالَ : يَا هَؤُلاءِ قَدْ جَاوَرْتُمُونِي فَأَحْسَنْتُ جِوَارَكُمْ ، وَلَمْ تَرَوْا مِنِّي سُوءًا فَعَمَدْتُمْ إِلَى ابْنِي فَأَفْسَدْتُمُوهُ عَلَيَّ قَدْ أَجَّلْتُكُمْ ثَلاثًا ، فَإِنْ قَدَرْتُ عَلَيْكُمْ بَعْدَ ثَلاثٍ أَحْرَقْتُ عَلَيْكُمْ بِرْطِيلَكُمْ هَذَا ، فَالْحَقُوا بِبِلادِكُمْ فَإِنِّي أَكْرَهُ أَنْ يَكُونَ مِنِّي إِلَيْكُمْ سُوءٌ ، قَالُوا : نَعَمْ مَا تَعَمَّدْنَا مَسَاءَتَكَ ، وَلا أَرَدْنَا إِلا الْخَيْرَ ، فَكَفَّ ابْنُهُ عَنْ إِتْيَانِهِمْ ، فَقُلْتُ لَهُ : اتَّقِ اللَّهَ ، فَإِنَّكَ تَعْرِفُ أَنَّ هَذَا الدِّينَ دِينُ اللَّهِ ، وَأَنَّ أَبَاكَ وَنَحْنُ عَلَى غَيْرِ دِينٍ ، إِنَّمَا هُمْ عَبَدَةُ النِّيرَانِ لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ ، وَلا تَبِعْ آخِرَتَكَ بِدُنْيَا غَيْرِكَ . قَالَ : يَا سَلْمَانُ هُوَ كَمَا تَقُولُ ، وَإِنَّمَا أَتَخَلَّفُ عَنِ الْقَوْمِ بَقْيًا عَلَيْهِمْ : إِنْ تَبِعْتُ الْقَوْمَ طَلَبَنِي أَبِي فِي الْخَيْلِ ، وَقَدْ جَزِعَ مِنْ إِتْيَانِي إِيَّاهُمْ حَتَّى طَرَدَهُمْ ، وَقَدْ أَعْرِفُ أَنَّ الْحَقَّ فِي أَيْدِيهِمْ ، قُلْتُ : أَنْتَ أَعْلَمُ ، ثُمَّ لَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ : أَنَا مُشْتَغِلٌ بِنَفْسِي فِي طَلَبِ الْمَعِيشَةِ ، فَأَتَيْتُهُمْ فِي الْيَوْمِ الَّذِي أَرَادُوا أَنْ يَرْتَحِلُوا فِيهِ ، فَقَالُوا : يَا سَلْمَانُ ، قَدْ كُنَّا نُحَذِّرُ فَكَانَ مَا رَأَيْتَ ، اتَّقِ اللَّهَ وَاعْلَمْ أَنَّ الدِّينَ مَا وَصَّيْنَاكَ بِهِ ، وَأَنَّ هَؤُلاءِ عَبَدَةُ النِّيرَانِ لا يَعْرِفُونَ اللَّهَ وَلا يَذْكُرُونَهُ ، فَلا يَخْدَعَنَّكَ أَحَدٌ عَنْ ذَلِكَ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ ، قَالُوا : إِنَّك لا تَقْدِرُ أَنْ تَكُونَ مَعَنَا : نَحْنُ نَصُومُ النَّهَارَ ، وَنَقُومُ اللَّيْلَ ، وَنَأْكُلُ الشَّجَرَ ، وَمَا أَصَبْنَا وَأَنْتَ لا تَسْتَطِيعُ ذَلِكَ ، قَالَ : قُلْتُ : لا أُفَارِقِكُمْ ، قَالُوا : أَنْتَ أَعْلَمُ ، قَدْ أَعْلَمْنَاكَ حَالَنَا ، فَإِذَا أَتَيْتَ فَاطْلُبْ حِذَاءً يَكُونُ مَعَكَ ، وَاحْمِلْ مَعَكَ شَيْئًا تَأْكُلُهُ فَإِنَّكَ لَنْ تَسْتَطِيعَ مَا نَسْتَطِيعُ نَحْنُ ، قَالَ : فَفَعَلْتُ وَلَقِيتُ أَخِي فَعَرَضْتُ عَلَيْهِ فَأَبَى ، فَأَتَيْتُهُمْ فَتَحَمَّلُوا ، فَكَانُوا يَمْشُونَ وَأَمْشِي مَعَهُمْ ، فَرَزَقَ اللَّهُ السَّلامَةَ حَتَّى قَدِمْنَا الْمُوصِلَ ، فَأَتَيْنَا بِيعَةً بِالْمُوصِلِ ، فَلَمَّا دَخَلُوا حَفُّوا بِهِمْ ، وَقَالُوا : أَيْنَ كُنْتُمْ ؟ قَالُوا : كُنَّا فِي بِلادٍ لا يَذْكُرُونَ اللَّهَ ، بِهَا عَبَدَةُ نِيرَانٍ ، فَطَرَدُونَا ، فَقَدِمْنَا عَلَيْكُمْ ، فَلَمَّا كَانَ بَعْدُ ، قَالُوا : يَا سَلْمَانُ ، إِنَّ هَهُنَا قَوْمًا فِي هَذِهِ الْجِبَالِ هُمْ أَهْلُ دِينٍ ، وَإِنَّا نُرِيدُ لِقَاءَهُمْ فَكُنْ أَنْتَ هَهُنَا مَعَ هَؤُلاءِ ، فَإِنَّهُمْ أَهْلُ دِينٍ ، وَسَتَرَى مِنْهُمْ مَا تُحِبُّ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ ، قَالَ : وَأَوْصُوا أَيْ أَهْلِ الْبِيعَةِ ، فَقَالَ أَهْلُ الْبِيعَةِ : أَقِمْ مَعَنَا يَا غُلامُ ، فَإِنَّهُ لا يُعْجِزُكَ شَيْءٌ يَسَعُنَا ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكُمْ فَخَرَجُوا ، وَأَنَا مَعَهُمْ فَأَصْبَحْنَا بَيْنَ جِبَالٍ ، وَإِذَا صَخْرَةٌ وَمَاءٌ كَثِيرٌ ، فِي جِرَارٍ وَخَيْرٍ كَثِيرٍ ، فَقَعَدْنَا عِنْدَ الصَّخْرَةِ ، فَلَمَّا طَلَعَتِ الشَّمْسُ خَرَجُوا مِنْ بَيْنِ تِلْكَ الْجِبَالِ ، فَخَرَجَ كُلُّ رَجُلٍ مِنْ مَكَانِهِ كَأَنَّ الأَرْوَاحَ انْتُزِعَتْ مِنْهُمْ ، حَتَّى كَثَرُوا فَرَحَّبُوا بِهِمْ وَحَفُّوا ، وَقَالُوا : أَيْنَ كُنْتُمْ لَمْ نَرَكُمْ ؟ قَالُوا : كُنَّا فِي بِلادٍ لا يُذْكَرُ اللَّهُ ، فِيهَا عَبَدَةُ النِّيرَانِ ، وَكُنَّا نَعْبُدُ اللَّهَ فِيهَا فَطَرَدُونَا ، فَقَالَ : مَا هَذَا الْغُلامُ ؟ قَالَ : فَطَفِقُوا يُثْنُونَ عَلَيَّ ، وَقَالُوا : صَحِبَنَا مِنْ تِلْكَ الْبِلادِ ، فَلَمْ نَرَ مِنْهُ إِلا خَيْرًا ، قَالَ : فَوَاللَّهِ إِنَّهُمْ لَكَذَا ، إِذْ طَلَعَ عَلَيْهُمْ رَجُلٌ مِنْ كَهْفٍ رَجُلٌ طِوَالٌ ، فَجَاءَ حَتَّى سَلَّمَ وَجَلَسَ ، فَحَفُّوا بِهِ وَعَظَّمُوهُ أَصْحَابِي الَّذِينَ كُنْتُمْ مَعَهُمْ ، وَأَحْدَقُوا بِهِ ، فَقَالَ لَهُمْ : أَيْنَ كُنْتُمْ ؟ فَأَخْبَرُوهُ قَالَ : مَا هَذَا الْغُلامُ مَعَكُمْ ؟ فَأَثْنَوْا عَلَيَّ خَيْرًا ، وَأَخْبَرُوهُ بِاتِّبَاعِي إِيَّاهُمْ ، وَلَمْ أَرَ مِثْلَ إِعْظَامِهِمْ إِيَّاهُ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَأَثْنَى عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَ مَنْ أَرْسَلَ اللَّهُ مِنْ رُسُلِهِ وَأَنْبِيَائِهِ ، وَمَا لَقُوا وَمَا صُنِعَ بِهِم حَتى ذَكَرَ مَوْلِدَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ، وَأَنَّهُ وُلِدَ لِغَيْرِ ذَكَرٍ ، فَبَعَثَهُ اللَّهُ رَسُولا وَأَجْرَى عَلَى يَدَيْهِ إِحْيَاءَ الْمَوْتَى وَإِبْرَاءَ الأَعْمَى وَالأَبْرَصِ ، وَأَنَّهُ يَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ فَيَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِ اللَّهِ ، وَأَنْزَلَ عَلَيْهِ الإِنْجِيلَ وَعَلَّمَهُ التَّوْرَاةَ ، وَبَعَثَهُ رَسُولا إِلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ ، فَكَفَرَ بِهِ قَوْمٌ ، وَآمَنَ بِهِ قَوْمٌ ، وَذَكَرَ بَعْضَ مَا لَقِيَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ ، وَأَنَّهُ لَمَّا كَانَ عَبْدًا أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، فَشَكَرَ ذَلِكَ لَهُ وَرَضِيَ عَنْهُ حَتَّى قَبَضَهُ اللَّهُ ، وَهُوَ يَعِظُهُمْ وَيَقُولُ : اتَّقُوا اللَّهَ وَالْزَمُوا مَا جَاءَ بِهِ عِيسَى ، وَلا تُخَالِفُوا فَيُخَالَفُ بِكُمْ ، ثُمَّ قَالَ : مَنْ أَرَادَ أَنْ يَأْخُذَ مِنْ هَذَا شَيْئًا فَلْيَأْخُذْ ، فَجَعَلَ الرَّجُلُ يَقُومُ فَيَأْخُذُ الْجَرَّةَ مِنَ الْمَاءِ وَالطَّعَامِ وَالشَّيْءِ ، فَقَامَ إِلَيْهِ أَصْحَابِي الَّذِينَ جِئْتُ مَعَهُمْ فَسَلَّمُوا عَلَيْهِ وَعَظَّمُوهُ ، فَقَالَ لَهُمْ : الْزَمُوا هَذَا الدِّينَ ، وَإِيَّاكُمْ أَنْ تَفَرَّقُوا وَاسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلامِ خَيْرًا ، فَقَالَ لِي : يَا غُلامُ ، هَذَا دِينُ اللَّهِ الَّذِي تَسْمَعُنِي أَقُولُهُ ، وَمَا سِوَاهُ كُفْرٌ ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أُفَارِقُكَ ، قَالَ : إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعِي ، إِنِّي لا أَخْرُجُ مِنْ كَهْفِي هَذَا إِلا كُلَّ يَوْمِ أَحَدٍ لا تَقْدِرُ عَلَى الْكَيْنُونَةِ مَعِي ، قَالَ : وَأَقْبَلَ عَلَيَّ أَصْحَابُهُ ، فَقَالُوا : يَا غُلامُ إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ أَنْ تَكُونَ مَعَهُ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ قَالَ : يَا غُلامُ فَإِنِّي أُعْلِمُكَ الآنَ أَنِّي أَدْخُلُ هَذَا الْكَهْفَ ، وَلا أَخْرُجُ مِنْهُ إِلَى الأَحَدِ الآخَرِ ، فَأَنْتَ أَعْلَمُ ، قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ ، قَالَ لَهُ أَصْحَابُهُ : يَا أَبَا فُلانٍ هَذَا غُلامٌ وَنَخَافُ عَلَيْهِ ، قَالَ : قَالَ لِي : أَنْتَ أَعْلَمُ . قُلْتُ : إِنِّي لا أُفَارِقُكَ ، فَبَكَى أَصْحَابِي الأَوَّلُونَ الَّذِينَ كُنْتُ مَعَهُمْ عِنْدَ فِرَاقِهِمْ إِيَّاي ، فَقَالَ : خُذْ مِنْ هَذَا الطَّعَامِ مَا تَرَى أَنَّهُ يَكْفِيكَ إِلَى الأَحَدِ الآخَرِ ، وَخُذْ مِنْ هَذَا الْمَاءِ مَا تَكْتَفِي بِهِ ، فَفَعَلْتُ وَتَفَرَّقُوا وَذَهَبَ كُلُّ إِنْسَانٍ إِلَى مَكَانِهِ الَّذِي يَكُونُ فِيهِ ، وَتَبِعْتُهُ حَتَّى دَخَلَ الْكَهْفَ فِي الْجَبَلِ ، وَانْفَتَلَ وَقَالَ : ضَعْ مَا مَعَكَ ، وَكُلْ وَاشْرَبْ وَقَامَ يُصَلِّي فَقُمْتُ خَلْفَهُ أُصَلِّي ، قَالَ : وَانْفَتَلَ إِلَيَّ ، فَقَالَ : إِنَّكَ لا تَسْتَطِيعُ هَذَا ، وَلَكِنْ صَلِّ وَنَمْ ، وَكُلْ وَاشْرَبْ ، فَفَعَلْتُ فَمَا رَأَيْتُهُ نَائِمًا ، وَلا طَاعِمًا ، إِلا رَاكِعًا سَاجِدًا إِلَى الأَحَدِ الآخَرِ ، فَلَمَّا أَصْبَحْنَا ، قَالَ : خُذْ جَرَّتَكَ هَذِهِ ، وَانْطَلِقْ فَخَرَجْتُ مَعَهُ أَتْبَعُهُ حَتَّى انْتَهَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ ، وَإِذَا هُمْ قَدْ خَرَجُوا مِنْ تِلْكَ الْجِبَالِ وَاجْتَمَعُوا إِلَى الصَّخْرَةِ يَنْتَظِرُونَ خُرُوجَهُ ، فَقَعَدُوا وَعَادَ فِي حَدِيثِهِ نَحْوَ الْمَرَّةِ الأُولَى ، فَقَالَ : الْزَمُوا هَذَا الدِّينَ وَلا تَفَرَّقُوا ، وَاتَّقُوا اللَّهَ ، وَاعْلَمُوا أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ كَانَ عَبْدَ اللَّهِ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِ ، ثُمَّ ذَكَرَنِي ، فَقَالُوا : يَا أَبَا فُلانٍ كَيْفَ وَجَدْتَ هَذَا الْغُلامَ ؟ فَأَثْنَى عَلَيَّ ، وَقَالَ : خَيْرًا فَحَمِدُوا اللَّهَ وَإِذَا خَيْرٌ كَثِيرٌ وَمَاءٌ ، فَأَخَذُوا وَجَعَلَ الرَّجُلُ يَأْخُذُ قَدْرَ مَا يَكْتَفِي بِهِ ، وَفَعَلْتُ وَتَفَرَّقُوا فِي تِلْكَ الْجِبَالِ ، وَرَجَعَ إِلَى كَهْفِهِ فَرَجَعْتُ مَعَهُ ، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، نَخْرُجُ فِي كُلِّ يَوْمِ أَحَدٍ وَيَخْرُجُونَ مَعَهُ فَيَحُفُّونَ بِهِ ، وَيُوصِيهِمْ بِمَا كَانَ يُوصِيهِمْ بِهِ ، فَخَرَجَ فِي أَحَدٍ ، فَلَمَّا اجْتَمَعُوا حَمِدَ اللَّهَ وَوَعَظَهُمْ ، وَقَالَ مِثْلَ مَا كَانَ يَقُولُ لَهُمْ ، ثُمَّ قَالَ آخَرُ ذَلِكَ : يَا هَؤُلاءِ ، إِنَّهُ قَدْ كَبُرَ سِنِّي وَدَقَّ عَظْمِي ، وَاقْتَرَبَ أَجَلِي ، وَإِنَّهُ لا عَهْدَ لِي بِهَذَا الْبَيْتِ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ، وَلا بُدَّ لِي مِنْ إِتْيَانِهِ فَاسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلامِ خَيْرًا ، فَإِنِّي رَأَيْتُهُ لا بَأْسَ بِهِ ، قَالَ : فَجَزِعَ الْقَوْمُ فَمَا رَأَيْتُ مِثْلَ جَزَعِهِمْ ، وَقَالُوا : يَا أَبَا فُلانٍ أَنْتَ كَبِيرٌ ، وَأَنْتَ وَحْدَكَ وَلا نَأْمَنُ أَنْ يُصِيبَكَ الشَّيْءُ ، فَلَسْنَا أَحْوَجَ مَا كُنَّا إِلَيْكَ ، قَالَ : لا تُرَاجِعُونِي ، لا بُدَّ لِي مِنْ إِتْيَانِهِ ، وَلَكِنِ اسْتَوْصُوا بِهَذَا الْغُلامِ خَيْرًا ، وَافْعَلُوا وَافْعَلُوا ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ ، قَالَ : يَا سَلْمَانُ قَدْ رَأَيْتَ حَالِي ، وَمَا كُنْتُ عَلَيْهِ وَلَيْسَ هَذَا كَذَلِكَ ، أَنَا أَمْشِي أَصُومُ النَّهَارَ ، وَأَقُومُ اللَّيْلَ وَلا أَسْتَطِيعُ أَنْ أَحْمِلَ مَعِي زَادًا وَلا غَيْرَهُ ، وَلا يَقْدِرُ عَلَى هَذَا ، قَالَ : قُلْتُ : مَا أَنَا بِمُفَارِقِكَ ، قَالَ : أَنْتَ أَعْلَمُ ، قَالَ : يَا أَبَا فُلانٍ ، إِنَّا نَخَافُ عَلَى هَذَا الْغُلامِ ، قَالَ : هُوَ أَعْلَمُ ، قَدْ أَعْلَمْتُهُ الْحَالَ ، وَقَدْ رَأَى مَا كَانَ قَبْلَ هَذَا ، قُلْتُ : لا أُفَارِقُكَ ، قَالَ : فَبَكَوْا وَوَدَّعُوهُ ، وَقَالَ لَهُمْ : اتَّقُوا اللَّهَ ، وَكُونُوا عَلَى مَا أَوْصَيْتُكُمْ بِهِ ، فَإِنْ أَعِشْ فَلَعَلِّي أَرْجِعُ إِلَيْكُمْ ، وَإِنْ أَمُتْ فَإِنَّ اللَّهَ حَيٌّ لا يَمُوتُ ، فَسَلَّمَ عَلَيْهِمْ وَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ ، وَقَالَ لِي : احْمِلْ مَعَكَ مِنْ هَذَا الْخُبْزِ شَيْئًا تَأْكُلُهُ ، فَخَرَجَ وَخَرَجْتُ مَعَهُ فَمَشَى وَاتَّبَعْتُهُ يَذْكُرُ اللَّهَ وَلا يَلْتَفِتُ وَلا يَقِفُ عَلَى شَيْءٍ ، حَتَّى إِذَا أَمْسَى ، قَالَ : يَا سَلْمَانُ صَلِّ أَنْتَ ، وَنَمْ ، وَكُلْ ، وَاشْرَبْ ، ثُمَّ قَامَ هُوَ يُصَلِّي إِلَى أَنِ انْتَهَى إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَكَانَ لا يَرْفَعُ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ ، إِذَا مَشَى حَتَّى إِذَا انْتَهَيْنَا إِلَى بَيْتِ الْمَقْدِسِ ، وَإِذْ عَلَى الْبَابِ مُقْعَدٌ ، قَالَ : يَا عَبْدَ اللَّهِ ، قَدْ تَرَى حَالِي فَتَصَدَّقْ عَلَيَّ بِشَيْءٍ ، فَلَمْ يَلْتَفِتْ إِلَيْهِ وَدَخَلَ الْمَسْجِدَ وَدَخَلْتُ مَعَهُ فَجَعَلَ يَتَتَبَّعُ أَمْكِنَةً مِنَ الْمَسْجِدِ فَصَلَّى فِيهَا ، ثُمَّ قَالَ : يَا سَلْمَانُ إِنِّي لَمْ أَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا ، وَلَمْ أَجِدْ طَعْمَ نَوْمٍ ، فَإِنْ أَنْتَ جَعَلْتَ لِي أَنْ تُوقِظَنِي إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا نِمْتُ ، فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَنَامَ فِي هَذَا الْمَسْجِدِ ، وَإِلا لَمْ أَنَمْ ، قَالَ : قُلْتُ : فَإِنِّي أَفْعَلُ ، قَالَ : فَانْظُرْ إِذَا بَلَغَ الظِّلُّ مَكَانَ كَذَا وَكَذَا فَأَيْقِظْنِي إِذَا غَلَبَتْنِي عَيْنِي ، فَنَامَ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذَا لَمْ يَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ لأَدَعَنَّهُ يَنَامُ حَتَّى يَشْتَفِي مِنَ النَّوْمِ ، وَكَانَ فِيمَا يَمْشِي وَأَنَا مَعَهُ يُقْبِلُ عَلَيَّ فَيَعِظُنِي وَيُخْبِرُنِي أَنَّ لِي رَبًّا ، وَأَنَّ بَيْنَ يَدَيَّ جَنَّةً وَنَارًا وَحِسَابًا ، وَيُعْلِمُنِي وَيُذَكِّرُنِي نَحْوَ مَا كَانَ يُذَكِّرُ الْقَوْمَ يَوْمَ الأَحَدِ ، حَتَّى قَالَ فِيمَا يَقُولُ لِي : يَا سَلْمَانُ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى سَوْفَ يَبْعَثُ رَسُولا اسْمُهُ أَحْمَدُ يَخْرُجُ بِتِهَامَةَ ، وَكَانَ رَجُلا أَعْجَمِيًّا لا يُحْسِنُ أَنْ يَقُولَ تِهَامَةُ وَلا مُحَمَّدٌ ، عَلامَتُهُ أَنَّهُ يَأْكُلُ الْهَدِيَّةَ وَلا يَأْكُلُ الصَّدَقَةَ ، بَيْنَ كَتِفَيْهِ خَاتَمٌ ، وَهَذَا زَمَانُهُ الَّذِي يَخْرُجُ فِيهِ قَدْ تَقَارَبَ ، فَأَمَّا أَنَا فَإِنِّي شَيْخٌ كَبِيرٌ وَلا أَحْسَبُنِي أُدْرِكُهُ ، فَإِنْ أَدْرَكْتَهُ أَنْتَ فَصَدِّقْهُ وَاتَّبِعْهُ ، قُلْتُ : وَإِنْ أَمَرَنِي بِتَرْكِ دِينِكَ وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ ، قَالَ : وَإِنْ أَمَرَكَ فَإِنَّ الْحَقَّ فِيمَا يَجِيئُ بِهِ وَرِضَا الرَّحْمَنُ فِيمَا قَالَ ، قَالَ : فَلَمْ يَمْضِ إِلا يَسِيرٌ حَتَّى اسْتَيْقَظَ فَزِعًا يَذْكُرُ اللَّهَ ، فَقَالَ : يَا سَلْمَانُ مَضَى الْفَيْءُ مِنْ هَذَا الْمَكَانَ وَلَمْ أَذْكُرِ اللَّهَ ، أَيْنَ مَا جَعَلْتَ لِي عَلَى نَفْسِكَ ؟ قَالَ : قُلْتُ : أَخْبَرْتَنِي أَنَّكَ لَمْ تَنَمْ مُنْذُ كَذَا وَكَذَا وَقَدْ رَأَيْتُ بَعْضَ ذَلِكَ ، فَأَحْبَبْتُ أَنْ تَشْتَفِيَ مِنَ النَّوْمِ ، فَحَمِدَ اللَّهَ وَقَامَ فَخَرَجَ وَتَبِعْتُهُ فَمَرَّ بِالْمُقْعَدِ ، فَقَالَ الْمُقْعَدُ : يَا عَبْدَ اللَّهِ دَخَلْتَ فَسَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ، وَخَرَجْتَ فَسَأَلْتُكَ فَلَمْ تُعْطِنِي ، فَقَامَ يَنْظُرُ هَلْ يَرَى أَحَدًا ، فَلَمْ يَرَهُ فَدَنَا مِنْهُ ، فَقَالَ : نَاوِلْنِي يَدِكَ فَنَاوَلْتُهُ ، فَقَالَ : قُمْ بِسْمِ اللَّهِ ، فَقَامَ كَأَّنُه نَشَطَ مِنْ عِقَالٍ صَحِيحًا لا عَيْبَ بِهِ ، فَخَلا عَنْ يَدِهِ فَانْطَلَقَ ذَاهِبًا ، وَكَانَ لا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ وَلا يَقُومُ عَلَيْهِ ، فَقَالَ لِي الْمُقْعَدُ : يَا غُلامُ ، احْمِلْ عَلَيَّ ثِيَابِي حَتَّى أَنْطَلِقَ وَأُبَشِّرَ أَهْلِي ، فَحَمَلْتُ عَلَيْهِ ثِيَابَهُ ، وَانْطَلَقَ لا يَلْوِي عَلَى أَحَدٍ فَخَرَجْتُ فِي أَثَرِهِ أَطْلُبُهُ ، وَكُلَّمَا سَأَلْتُ عَنْهُ ، قَالُوا أَمَامَكَ ، حَتَّى لَقِيَنِي الرَّكْبُ مِنْ كَلْبٍ ، فَسَأَلْتُهُمْ فَلَمَّا سَمِعُوا الْفَتَى أَنَاخَ رَجُلٌ بَعِيرَهُ فَحَمَلَنِي فَجَعَلَنِي خَلْفَهُ حَتَّى أَتَوْا بِي إِلَى بِلادِهُمْ ، قَالَ : فَبَاعُونِي فَاشْتَرَتْنِي امْرَأَةٌ مِنَ الأَنْصَارِ فَجَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا ، وَقَدِمَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَأُخْبِرْتُ بِهِ ، فَأَخَذْتُ شَيْئًا مِنْ تَمْرِ حَائِطِي فَجَعَلْتُهُ عَلَى شَيْءٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُنَاسًا ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ الْقَوْمِ مِنْهُ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا ؟ " قُلْتُ : صَدَقَةٌ ، قَالَ لِلْقَوْمِ : كُلُوا وَلَمْ يَأْكُلْ هُوَ ، ثُمَّ لَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ ، ثُمَّ أَخَذْتُ مِثْلَ ذَلِكَ فَجَعَلْتُهُ عَلَى شَيْءٍ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَوَجَدْتُ عِنْدَهُ أُنَاسًا ، وَإِذَا أَبُو بَكْرٍ أَقْرَبُ الْقَوْمِ مِنْهُ فَوَضَعْتُهُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَالَ : " مَا هَذَا ؟ " قُلْتُ : هَدِيَّةٌ ، قَالَ : " بِسْمِ اللَّهِ " فَأَكَلَ وَأَكَلَ الْقَوْمُ ، قَالَ : قُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذِهِ مِنْ آيَاتِهِ ، كَانَ صَاحِبِي رَجُلٌ أَعْجَمِيٌّ لَمْ يُحْسِنْ يَقُولُ تِهَامَةُ ، قَالَ : تِهْمَةُ وَقَالَ : أَحْمَدُ . فَدُرْتُ خَلْفَهُ فَفَطِنَ لِي فَأَرْخَى ثَوْبَهُ ، فَإِذَا الْخَاتَمُ فِي نَاحِيَةِ كَتِفِهِ الأَيْسَرِ فَتَبَيَّنْتُهُ ثُمَّ دُرْتُ حَتَّى جَلَسْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقُلْتُ : أَشْهَدُ أَنَّ لا إِلَهَ إِلا اللَّهُ وَأَنَّكَ رَسُولُ اللَّهِ ، قَالَ : " مَنْ أَنْتَ ؟ " قُلْتُ : مَمْلُوكٌ ، فَحَدَّثْتُهُ حَدِيثِي وَحَدِيثَ الرَّجُلِ الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ ، وَمَا أَمَرَنِي بِهِ ، قَالَ : " لِمَنْ أَنْتَ ؟ " قُلْتُ : لامْرَأَةٍ مِنَ الأَنْصَارِ جَعَلَتْنِي فِي حَائِطٍ لَهَا ، قَالَ : " يَا أَبَا بَكْرٍ " قَالَ : لَبَّيْكَ ، قَالَ : " اشْتَرِهِ " قَالَ : فَاشْتَرَانِي أَبُو بَكْرٍ فَأَعْتَقَنِي ، فَلَبِثْتُ مَا شَاءَ اللَّهُ أَنْ أَلْبَثَ ، ثُمَّ أَتَيْتُهُ فَسَلَّمْتُ عَلَيْهِ ، وَقَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا تَقُولُ فِي دِينِ النَّصَارَى ، قَالَ : " لا خَيْرَ فِيهِمْ ، وَلا فِي دِينِهِمْ " فَدَخَلَنِي أَمْرٌ عَظِيمٌ ، فَقُلْتُ فِي نَفْسِي : هَذَا الَّذِي كُنْتُ مَعَهُ وَرَأَيْتُ مِنْهُ مَا رَأَيْتُ ، ثُمَّ رَأَيْتُهُ أَخَذَ بِيَدِ الْمُقْعَدِ ، فَأَقَامَهُ اللَّهُ عَلَى يَدَيْهِ لا خَيْرَ فِي هَؤُلاءِ ، وَلا فِي دِينِهِمْ ، فَانْصَرَفْتُ وَفِي نَفْسِي مَا شَاءَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ، فَأَنْزَلَ اللَّهُ تَعَالَى عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ سورة المائدة آية 82 إِلَى آخِرِ الْقِصَّةِ ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " عَلَيَّ بِسَلْمَانَ " فَأَتَانِي الرَّسُولُ فَدَعَانِي وَأَنَا خَائِفٌ ، فَجِئْتُ حَتَّى قَعَدْتُ بَيْنَ يَدَيْهِ ، فَقَرَأَ : بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لا يَسْتَكْبِرُونَ سورة المائدة آية 82 إِلَى آخِرِ الآيَةِ ، فَقَالَ : " يَا سَلْمَانُ ، أُولَئِكَ الَّذِينَ كُنْتَ مَعَهُمْ وَصَاحِبُكَ لَمْ يَكُونُوا نَصَارَى ، إِنَّمَا كَانُوا مُسْلِمِينَ " ، فَقُلْتُ : يَا رَسُولَ اللَّهِ ، فَوَالَّذِي بَعَثَكَ بِالْحَقِّ لَهُوَ أَمَرَنِي بِاتِّبَاعِكَ ، فَقُلْتُ لَهُ : وَإِنْ أَمَرَنِي بِتِرْكِ دِينِكَ ، وَمَا أَنْتَ عَلَيْهِ فَأَتْرُكُهُ ؟ قَالَ : " نَعَمْ ، فَاتْرُكْهُ فَإِنَّ الْحَقَّ وَمَا يَحِبُّ اللَّهُ فِيمَا يَأْمُرُكَ بِهِ "