قال : وأنبأنا الحميدي ، أخبرني أبو الوليد ، يعني : الحسين بن محمد الكاتب ، يعرف بابن الفراء ، قال : حضرت عند عمي وعنده أبو عمر القصطلي ، وأبو عبد الله المعيطي فغنى المعيطي : مروع فيك كل يوم محتمل فيك كل لوم يا غايتي والمنى وسولي ملكت رقي بغير سوم فأعجبنا بهذين البيتين ، فقال أبو عمر : أنا أضيف لهما ثالثا لا يتأخر عنهما ، ثم قال : تركت قلبي بغير صبر فيك وعيني بغير نوم قال : فسرنا بقوله ، وقلنا : لا تتم القطعة إلا به .
سألت أبا القاسم بن السمرقندي عن مولد الحميدي ، فقال : قبل العشرين وأربع مائة . أنبأنا أبو بكر بن طرخان ، قال : سألنا أبا عبد الله الحميدي عن مولده ، فقال : ولدت قبل العشرين وأربع مائة ، وكنت أحمل السماع على الكتف سنة خمس وعشرين ، وأول ما سمعت من الفقيه أبي القاسم أصبغ بن راشد بن أصبغ اللخمي ، وكنت أفهم ما يقرأ عليه ، وكان قد أتى ابن أبي زيد ، وقرأ عليه ، وتفقه ، وروى عنه الرسالة ، ومختصر المدونة ، قال : الحميدي ، وأصل أبي من قرطبة ، من محلة يقال لها : الرصافة ، وسكن أبي الجزيرة ، وولدت أنا بها ، والجزيرة شرقي الأندلس ، وقرطبة نحو غربيها ، وهي كانت مسكن بني أمية . أنشدنا أبو محمد هبة الله بن أحمد بن محمد ، أنشدنا محمد بن أبي نصر ، أنشدني أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد الحافظ بالأندلس لنفسه : أقمنا ساعة ثم افترقنا وما يغني المشوق وقوف ساعة كأن الشمل لم يك ذا اجتماع إذا ما شتت الدهر اجتماعه أنبأنا أبو الفضل محمد بن محمد بن عطاف ، أنشدنا أبو عبد الله الحميدي لنفسه : طريق الزهد أفضل ما طريق وتقوى الله تأدية الحقوق فثق بالله يكفيك واستعنه يعنك وذر بنيات الطريق ولا يغررك من يدعى صديقا فما في الأرض أعون من صديق سألنا عن حقيقته قديما فقيل سألت عن بض الأنق سمعت أبا عبد الله يحيى بن الحسن ابن البنا ، يحكي أن الحميدي كان من حرصه على السماع كان ينسخ بالليل في حر بغداد ، فكان يجلس في إجانة فيها ماء يتبرد به ، وينسخ وهو على تلك الحال ، أو كما قال : سمعت أبا عبد الله الحسين بن محمد بن خسرو ببغداد ، يقول : قصد أبو بكر بن ميمون الدباس أبا عبد الله الحميدي ، فدق عليه بابه ، فسمعه يهمهم ، فظنه قد أذن له فدخل عليه ، فجاءه ، فوجده مكشوف الفخذ ، فبكى الحميدي بكاء شديدا ، وقال : والله لقد نظرت إلى موضع لم ينظره أحد منذ عقلت أو كما قال . قرأت على أبي محمد عبد الكريم بن حمزة ، عن أبي نصر ابن ماكولا ، قال : أخبرني صديقنا أبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي ، وهو من أهل العلم والفضل والتيقظ ، فذكر عنه حكاية . حدثني أبو بكر يحيى بن إبراهيم بن أحمد السلماسي ، قال : قال الأمير أبو نصر علي بن الوزير أبي القاسم هبة الله بن علي في ( كتاب الإكمال ) : أبو عبد الله محمد بن أبي نصر فتوح بن عبد الله بن فتوح بن حميد بن يصل الحميدي الأندلسي الجزيري الرصافي القرطبي ، مولد أبيه بالرصافة ، محلة من قرطبة ، وقرطبة دار مملكة بني أمية بالأندلس ، والجزيرة بليدة من جملة الأندلس ، أندلسي من أهل الخير والفضل ، سمع الحديث الكثير ببلده ، وسمع بمصر أصحاب المهندس ، والأدبي ، وابن أبي غالب ، وابن الدجيل ، وبمكة أصحاب ابن فراس وغيره ، وسمع بالشام من أصحاب ابن جميع ، وابن أبي الحديد ، وابن أخي تبوك ، وورد بغداد ، فسمع أصحاب الدارقطني ، وابن شاهين ، وابن حبابة ، وابن عبدان ، وعلي بن عمر الحربي وطبقتهم ، وصنف تاريخا لأهل الأندلس ، ولم أر مثله ، وعفته وورعه ، وتشاغله بالعلم . قرأت بخط أبي الفرج غيث بن علي : محمد بن أبي نصر أبو عبد الله الحميدي ، أصله من مدينة ميورقة من الأندلس ، طاف قطعة من البلاد وافرة ، وسمع بها ، ثم انتقل إلى بغداد ، وأقام بها ، وكان يذهب مذهب داود ، وله يد في العربية والأدب ، ورأيت له مصنفا قد سماه ( أدب الأصدقاء ) ، سلك فيه ما يقال في الصباح والمساء والتهاني والتعازي والتسلية ، وغير ذلك مما جرى هذا المجرى أحسن فيه بألفاظ عذبة منثورة مليحة التطبيق والترصيع والتجنيس . حدثني أبو بكر يحيى بن إبراهيم ، قال : وقال والدي الشيخ الإمام أبو طاهر إبراهيم بن أحمد بن محمد السلماسي ، وكان قد لقي الأئمة بالعراق وخراسان وأذربيجان وأران : لم تر عيناي مثل أبي عبد الله الحميدي رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ في فضله ، ونبله ، وغزارة علمه ، ونزاهة نفسه ، وحرصه على نشر العلم ، وبثه في أهله ، وكان ورعا تقيا ، إماما في علم الحديث وعلله ، ومعرفة متونه ، ورواته ، محققا في علم التحقيق والأصول على مذهب أصحاب الحديث بموافقة الكتاب والسنة ، فصيح العبارة ، نظيف الإشارة ، متبحرا في علم الأدب والعربية والشعر والرسائل ، له التصانيف الكبيرة منها ( تجريد الصحيحين للبخاري ومسلم والجمع بينهما ) ، و ( تاريخ الأندلس ) ، و ( حمل تاريخ الإسلام ) ، و ( كتاب فيمن ادعى الإيمان لأهل الإيمان ) ، و ( كتاب الذهب المسبوك في وعظ الملوك ) ، و ( كتاب تسهيل السبيل إلى تعليم الترسيل ) ، ( كتاب مخاطبات الأصدقاء في المكاتبات واللقاء ) ، و ( ما جاء من النصوص والآثار في حفظ الجار ) ، و ( كتاب ذم النميمة ) ، وغير ذلك ، وله شعر حسن رصين في المواعظ والأمثال ، وفضل العلم والعلماء . مات ببغداد في ذي الحجة سنة ثمان وثمانين وأربع مائة ، ودفن في مقبرة باب أبرز ، وكان أوصى إلى الأجلّ مظفر ابن رئيس الرؤساء أن يدفنه عند بشر الحافي ، رحمة الله عليه ، فخالف وصيته ، فلما كان بعد مدة رآه مظفر في النوم كأنه يعاتبه على مخالفة وصيته ، فنقل في صفر سنة إحدى وتسعين وأربع مائة إلى مقبرة باب حرب ، ودفن عند قبر بشر بن الحارث ، وكان كفنه جديدا وبدنه طريا يفوح منه رائحة الطيب ، ووقف كتبه على أهل العلم ، قال يحيى : وكانت وفاته ليلة الثلاثاء السابع عشر من ذي الحجة ، وصلى عليه الفقيه أبو بكر الشاشي في جامع القصر . قال لي أبو الفضل محمد بن محمد بن محمد بن عطاف : توفي أبو عبد الله الحميدي يوم الثلاثاء سابع عشر ذي الحجة من سنة ثمان وثمانين وأربع مائة ، ودفن بباب بيرز ، ثم حول إلى باب حرب ، ودفن بجنب بشر بن الحارث .