← تاريخ دمشق لابن عساكر
تاريخ دمشق لابن عساكر
#61342 57 : 132 ☰ مخارق أبو المهنى المطرب
A− A+

أنبأنا أبو القاسم علي بن إبراهيم ، وأبو الوحش سبيع بن المسلم ، عن رشأ بن نظيف ، أنا إبراهيم بن علي بن الحسن ، أنا أبو بكر محمد بن يحيى الصولي ، نا أحمد بن سعيد الجارودي ، حدثني إسماعيل بن سلام ، حدثني مخارق ، قال : خدمت إبراهيم الموصلي حينا لا يزيدني على قباء وسراويل ، فقلت له يوما : قد بلغت من هذه الصناعة ما يناله مثلي ، وقد رأيتك تصف السلطان ، وأتباعه من هو دوني ، فإن كنت قد أديت لك ما يجب لك علي ، فانظر لي ، فقال : إذا قعد أمير المؤمنين وصفتك له ، فحضر مجلس الرشيد ، فوصفني له ، فأمر بإحضاري ، فلما انصرف ، قال لي : قد ذكرتك له , قال : ثم دعا بثياب فقطع لي ودفع إلي منطقة ، ومضيت معه ، فلما دخلنا مجلس الخليفة ، وكان إذا جلس قعد على سرير ، وضرب بينه وبينهم ستارة ، فإذا طرب دعا من يريد ، فأدخله وراء الستارة فأقعده معه ، فلما أخذ المغنون والندماء مجالسهم ، قال لابن جامع : يَابْنَ جامع ما صنعت لي من الغناء ؟ فقال : يا أمير المؤمنين ، قد صنعت صوتا ما صنع أحد مثله ، وما سمعه أحد ، قال : هاته ، فاندفع يغني : أما القطاة فإني سوف أنعتها نعتا يوافق نعتي بعض ما فيها قال مخارق : فأعجب به والله إعجابا شديدا ، وأنا واقف على باب البيت ، ورأيت إبراهيم قد استرخت يداه مما دخل قلبه مع الزمع ، وكان والله هذا الصوت مما يدور في حلقي وطبعي فتمنيت أن يعيده ، فقال له هارون : أعده فأعداه فأخذته ، فقلت : إن أعاده الثالثة استوى لي ، وكنت أحذق به منه ، فاستعاده ثالثة ، ورابعة وما استتم الرابعة حتى سقط العود من يد إبراهيم ، وحانت منه التفاتة ، فنظر إلي فأومأت إليه , أي : ما لك ؟ أنا والله أحذق به منه ، فأسر إلي : ويحك إنه أمير المؤمنين ، وإن لم تحسنه فهو السيف ، فأشرت إليه أن قل له ولا تخف ، فقال إبراهيم : يا أمير المؤمنين , هذا غلامي الذي وصفته لك أحسن غناء له منه ، فغضب ابن جامع ، وقال : والله يا أمير المؤمنين ولا يحذقه في سنه ، فقال أمير المؤمنين : دعاني من اختلافكما قل للغلام ليغنه إن كان يحسنه ، فاندفعت فما مررت في مصراع من البيت حتى قطع الستارة ، وقال : هَاهُنَا ، هَاهُنَا يا غلام ، فدنوت منه حتى وقفت بين يدي السرير ، فقال : اصعد فأقعدني تحته ، فغنيت الصوت مرارا ، وتهلل وجه إبراهيم ، وضرب أحسن ضرب وأطربه ، ثم قال الرشيد : بحياتي هل سمعته قبل يومك هذا ؟ قلت : لا والله يا أمير المؤمنين ، فقال : يا مسرور , هات ثلاثين ألف درهم ، وثلاثة مناديل في كل منديل عشرة أثواب من خز وشي وملحم ، وغير ذلك ، وحملني على ثلاثة دواب ، وأعطاني ثلاثة غلمان ، وأجرى علي ثلاثة آلاف درهم في كل شهر ، فلم تزل جارية لي حتى قدم المأمون ، فأضعفها ، فهذا أول مال اكتسبته , قال مخارق : وكناني الرشيد أبا المهنى ، وكان سبب تكنيته لي بأبي المهنى أنه رفع الستارة ذات يوم ، فقال : أيكم يغني هذا الصوت : يا ربع سلمى لقد هيجت لي حزنا زدت الفؤاد على علاته نصبا فقلت : أنا ، فقال : غنه فغنيته ، فقال : علي بهرثمة ، فجزع كل واحد منا ، وقلنا : ما معنى هرثمة بعقب هذا الصوت ، فجاء هرثمة يجر سيفه ، فقال له الرشيد : ما كانت كنية مخارق الشاري الذي قتلناه قريبا ؟ قال هرثمة : كنيته أبو المثنى ، فقال له : انصرف وأقبل الرشيد ، فقال : كنيتك يا مخارق أبا المهنى لإحسانك في هذا الصوت ، وأمر بإحضار مائة ألف درهم ، فوضعت بين يدي ، وقال : أعد فأعدته ، وانصرفت بالكنية وبمائة ألف درهم .

السند · الإسناد بالترتيب
أبو القاسم علي بن إبراهيم←وأبو الوحش سبيع بن المسلم←رشأ بن نظيف←إبراهيم بن علي بن الحسن←أبو بكر محمد بن يحيى الصو…←أحمد بن سعيد الجارودي←إسماعيل بن سلام←مخارق