← تبيين كذب المفتري فيما نس…
تبيين كذب المفتري فيما نسب إلى الأشعري
#396 1 : 342 ☰ باب ما ذكر في ذم الأشعري وأصحابه
A− A+

أَخْبَرَنَا الشَّيْخُ أَبُو الْقَاسِمِ هِبَةُ اللَّهِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْوَاحِدِ بن الحصين الشيباني بِبَغْدَادَ ، قَالَ : نَا الْقَاضِي أَبُو الْقَاسِمِ عَلِيُّ بْنُ المحسن بن علي التنوخي ، قَالَ : نَا أَبُو الْحَسَنِ عَلِيُّ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ السَّرِيِّ من لفظه ، قَالَ : نَا أَبُو بكر بن دريد ، قَالَ : نَا أَبُو حاتم يعني السجستاني ، عن العتبي ، قَالَ : سمعت أعرابيا من تنوخ يقول لآخر وسمعه يعيب قوما : قد استدللت على كثرة عيوبك بكثرة ذكرك النَّاس ، فإن الطالب لها يطلبها بقدر ما فيه منها ، ثم أنشده : وأجرأ ما رأيت بظهر غيب على ذكر العيوب ذوو العيوب

وروى غيره : على عيب الرجال ذوو العيوب . فأما قوله : قد رأيت الأمر في الدين ، منعكسا بضده ، والتفريط فيه خارجا عن حده ، وصارت الرؤوس أعجازا ، والإكثار من الباطل إيجازا ، وكثر السفهاء ، وقل العلماء . فإنه قد أصاب في اللفظ ، وإن كان أخطأ في القصد ، وجهل قدر نفسه حين غمض العلماء حتى خرج في ذلك عن الحد ، ولولا أن الأمر صار منعكسا ، والحق عند الجهال عاد مندرسا ، لما كان أعجمي من أهل الأهواز لا يفرق بين الحقيقة والمجاز ، ولا يعرف ما معنى الإيجاز ينزل الرؤوس بمنزلة الأعجاز ، ويحمل الجهال والسفهاء على أن يذموا العلماء والفقهاء ، ولولا تفريطه في طلب العلم والحكمة ، لترك إفراطه في ذم العلماء والأئمة ، ولما جهل من اشتهر بالعلم بين الخلق ، وضلل من عرف بنصرة الحق ، ولولا كثرة أعوانه السفهاء كما زعم لكلف عن غلوائه في قوله ، وإن رغم ، ولم يسمع قول خوزي غبي ، في حق عالم أحوزي عربي ، ولولا قلة العلماء في عصره كما ذكر لما أهمل كشف أمره حتى انتشر ، وإلا فالفرق بينه وبين شيخنَا أَبِي الحسن من الحال الواضح ، والأمر البين ، وفضل أَبِي الحسن رحمة اللَّه عليه عند أولى النهي ، كفضل القمر ليلة البدر على السهى ، ومتى كان خوز الأهواز ، يعيبون عرب البصرة ؟ وكيف يتهم أولاد المجوس بالإلحاد والزندقة ، أبْنَاء ذوي الهجرة ؟ ولا شك أن الأهواز من جملة البلدان التي افتتحها أَبُو مُوسَى الأشعري جد هذا الإمام ، وكذلك أصبهان وغيرها مما افتتح على يديه رحمه اللَّه من الفتوح العظام . واختلف في كيفية استيلاء أَبِي مُوسَى على الأهواز فتحا ، فقيل افتتحها بالسيف عنوة ، وقيل : بل افتتحها صلحا . والأصح : قول من قَالَ إنها افتتحت على وجه العنوة ، وذلك السبب عندي هو الموجب لهَذِهِ الجفوة ، والمورث للغلظة على ولده والقسوة ، والمؤثر في شدة النفور عن معتقده ، والنبوة ، لأنه أدخل على أصلاف الأهوازي من المجوس بلية ومحنة ، أورثت قلبه لنسله عداوة وإحنة ، فلهذا استفرغ جهده في الإزراء على أَبِي الحسن ، والتشنيع ، ورماه بكل ما أمكنه ذكره من الأمر الشنيع ، لأن البغض يتوارث ، والود يتوارث ، فلذلك تجاوز في عداوته الحد ، لأنه لما لم يتجاسر على أن يطعن في أَبِي مُوسَى ، ويعيب أمره شفى ، بما ذكره في ولده أَبِي الحسن رحمه اللَّه صدره . وأما قوله : واندرس الكاشفون للشبه ، فلولا قلتهم لم يعتقد ما كان عليه من الاعتقاد المشتبه . وأما قوله : وعز الطالبون للسنة إلا من أدركه اللَّه بالعصمة وخصه بالتوفيق ، وقيل ما هم ، فكيف يستقيم له هذا القول وهو يزعم أن الجم الغفير على مثل مذهبه ، واليسير من عداهم . وأما قوله : إن اللَّه عَزَّ وَجَلَّ لا يخلي الأرض من قائل عليم ، وعامل حكيم ، يقول الحق ، ويدفع الباطل ، ولا يدع لذي بدعة قولا يعلو ، ولا أمرا يسمو ، فقد صدق ، ولكن ليس هو ممن وصفه بهَذِهِ الصفة ، إذ لم يتحقق كونه من أهل العلم ، ولا من ذوي المعرفة ، ولكن هم العلماء الذين بالغ في ذمهم ، وأغرق لفرط جهله ، وسوء عقده في شتمهم . وأما قوله : لا معروف أفضل من السنة ، ولا منكر أشد من البدعة ، فانظروا بعين التحقيق إلى مقالة هذا القَرَعَة ، لتعلموا : أهو أشد تسننَا ، وأقوى في العلم تمكنَا ، أم من اشتهرت ردوده على جميع المبتدعة من أصنَاف الخوارج ، وطوائف المتشيعة وانتشرت تصانيفه في الإبطال لمذاهب المعتزلة القدرية ، والإنكار على من يقول بأقوال المفوضة الجبرية ، والاصطلام لحجج المعطلة الجهمية ، والمحق لتعلقات المشبهة الجسمية من الكرامية والسالمية ، بالحجج السمعية والبراهين العقلية ؟ فإن اعتقد : أن الرد على أصحاب البدع بدعة ، فقد تحقق كل ذي لب تسميتي إياه قرعة ، وإن اعتقد أن البدعة : اعتقاد التنزيه والتوحيد والسنة : القول بالتشبيه ، والميل إلى التقليد ، فبئس ما اعتقد ، وويل له مما تقلد ، وإن كان يبدع الأشعري رحمه اللَّه في بعض المسائل الأقلة ، فليذكر ما ابتدع فيه حتى نسمع ما عنده عليه من الأدلة . وأما قوله : وقد تفضل اللَّه وأظهر لكل طائفة من المبتدعة ما نفر عنهم قلوب العامة ، فأنعموا النظر في مقاله لتعلموا أن كلامه كلام من لا يخاف هول يوم الطامة ، فيا ليت شعري ما ذا الذي تنفر منه القلوب عنهم ، أم ماذا ينقم أرباب البدع منهم ؟ أغزارة العلم أم رجاحة الفهم ، أم اعتقاد التوحيد والتنزيه ، أم اجتنَاب القول بالتجسيم والتشبيه ، أم القول بإثبات الصفات ، أم تقديس الرب عن الأعضاء والأدوات ، أم تثبيت المشيئة لِلَّه ، والقدر ، أم وصفه عَزَّ وَجَلَّ بالسمع والبصر ، أم القول بقدم العلم والكلام ، أم تنزيههم القديم عن صفات الأجسام ؟ . وأما قوله : وبعدهم عن التعليم الثلاث الذي هو أصل الشريعة وقوام الملة ، فانظروا رحمكم اللَّه هَذِهِ العبارة الركيكة ، والألفاظ المختلة ، لتعلموا أن هذا الكلام لا يصدر إلا عن جهل شديد ، وفهم عن إدراك الصواب بعيد ، وفرط لكنة وعي ، وتكذب مشوب بغي ، فلو كان قَالَ : وبعدهم عن تعلم ثلاث هن أصل الشريعة ، أو عن العلوم الثلاثة اللواتي هن أصل الشريعة لكان قد تخلص من هَذِهِ العبارة الرديئة ، والألفاظ الشنيعة . وأما دعواه : أن أبا الحسن الأشعري كان بهَذِهِ الصفة ، وأنه لم يكن من أهل العلم والمعرفة ، وكذلك جميع نظرائه من المتكلمين ، فقول مثله من الأوقاح الكذابين ، الذين لا يستحيون مما فعلوا ، ولا يبالون مما قَالُوا ، ولا ما تقولوا ، وليس مثاله في دعواه هَذِهِ التي وهت واعتلت ، إلا كما قيل في المثل : رمتني بدائها وانسلت ، فإنه هو الذي هَذِهِ صفته ، ومن تأمل حاله تبينت له معرفته ، ومن وقف على خطه ، عرف قلة تحصيله وضبطه ، فقل تصنيف له صنفه في الحديث ، وأتقنه ، إلا وجد الخطأ فيه من تأمله وتبينه ، فلا يخلو كتاب له من خطأ ووهم ، وتحريف في متن ، أو تصحيف في اسم . وأما علم الفقه فكان عريا منه ، بعيدا من كل وجه عنه ، خاليا عن علم العربية ، جاهلا بالعلوم الأدبية . سمعت الشيخ الفقيه أبا الحسن علي بن أَحْمَدَ بْنِ قبيس يحكي ، عَنْ أَبِيهِ ، أنه سمعه يعترف بأنه لا يعرف النحو ، وكل ما صنفه في الحديث يستحق عند أهل المعرفة به المحو ، وإنما كان قد سمع قطعة كبيرة من الحديث ، فكان يجمع منه ما يكون ظاهره مقويا لعقده الخبيث ، وكان فيما يجمعه فيه بعيدا من التوفيق قليل التثقيف لما يورده منه والتحقيق ، غير أنه كان عالمًا بالقراءات ، مكثرا فيها للروايات ، على أنه قد كذب في بعض ما كان يدعيه ، حتى رجع عن بعض ما كان يقرئ به ويرويه .

السند · الإسناد بالترتيب
أبو القاسم هبة الله بن مح…←أبو القاسم علي بن المحسن …←أبو الحسن علي بن محمد بن …←أبو بكر بن دريد←أبو حاتم يعني السجستاني←العتبي