114 أَخْبَرَنَا أَبُو عُثْمَانَ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُوسَى الصَّعِيدِيُّ الْأَبْنُودِيُّ ° ، بِمِصْرَ ، أَنَا أَبُو إِسْحَاقَ إِبْرَاهِيمُ بْنُ سَعِيدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ التُّجِيبِيُّ ° ، أَنَا أَبُو الْحَسَنِ أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ مَرْزُوقٍ الْأَنْمَاطِيُّ ° ، أَنَا أَبُو الْقَاسِمِ هِشَامُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي خَلِيفَةَ ° ، ثَنَا سَعِيدُ بْنُ هَاشِمِ بْنِ مَرْثَدٍ ° ، ثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ إِبْرَاهِيمَ دُحَيْمٌ ° ، ثَنَا عَلِيُّ بْنُ مَعْبَدٍ ° ، عَنْ مُوسَى بْنِ أَعْيَنَ ° ، عَنْ عَطَاءِ بْنِ السَّائِبِ ° ، عَنِ الْأَغَرِّ أَبِي مُسْلِمٍ ° ، عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ ° ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " يَقُولُ اللَّهُ تَعَالَى : الْكِبْرِيَاءُ رِدَائِي ، وَالْعَظَمَةُ إِزَارِي ، فَمَنْ نَازَعَنِي وَاحِدًا مِنْهُمَا أَدْخَلْتُهُ جَهَنَّمَ "
عَبْدُ الْمُنْعِمِ هَذَا قَدْ قَرَأْنَا عَلَيْهِ ، عَنِ الْحَبَّالِ ، وَالْخِلَعِيِّ ، وَكَانَ شَيْخًا صَالِحًا يَسْمَعُ مَعَنَا عَلَى أَبِي صَادَقٍ وَغَيْرِهِ ، وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ أَبَا مُحَمَّدٍ السُّودَانِيَّ ، وَابْنَ أَبِي دَاوُدَ ، وَآخَرِينَ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ ، فَقَالَ : وُلِدْتُ سَنَةَ أَرْبَعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ بِالصَّعِيدِ الْأَعْلَى ، وَأَنَا عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ الْمُسْلِمِ بْنِ مُوسَى بْنِ حَدِيدٍ الْأَبْنُودِيُّ ، وَهِيَ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى الصَّعِيدِ وَتَفَقَّهَ عَلَى الْخِلَعِيِّ ، ثُمَّ انْقَطَعَ فِي آخِرِ عُمْرِهِ إِلَى الْقَرَافَةِ لِلْعِبَادَةِ . أَنْشَدَنِي أَبُو الطَّاهِرِ عَبْدُ الْمُنْعِمِ بْنُ مَوْهُوبِ بْنِ أَحْمَدَ القارئ ، بِمِصْرَ ، قَالَ : أَنْشَدَنَا أَبُو عِمْرَانَ مُوسَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ بَهِيجٍ الْأَنْدَلُسِيُّ ، لِنَفْسِهِ مِنْ قَصِيدَتِهِ الْمَشْهُورَةِ فِي ذِكْرِ عَائِشَةَ الصِّدِّيقَةِ ، وَمِنْهَا : أَكْرِمْ بَأَرْبَعَةٍ أَئِمَّةِ شَرْعِنَا فَهُمُ لِبَيْتِ الدِّينِ كَالأَرْكَانِ بَيْنَ الصَّحَابَةِ وَالْقَرَابَةِ أُلْفَةٌ لَا تَسْتَحِيلُ بِنَزْعَةِ الشَّيْطَانِ نُسِجَتْ مَوَدَّتَهُمْ سَدًى فِي لُحْمَةٍ فَبِنَاؤُهَا مِنْ أَثْبَتِ الْبُنْيَانِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ صَفَتْ أَخْلَاقُهُمْ وَخَلَتْ قُلُوبُهُمْ مِنَ الشَّنْآنِ هُمْ كَالْأَصَابِعِ فِي الْيَدَيْنِ تَوَاصُلًا هَلْ يَسْتَوِي كَفٌّ بِغَيْرِ بَنَانِ اللَّهُ أَلَّفَ بَيْنَ وُدِّ قُلُوبِهِمْ لِيَغِيظَ كُلَّ مُنَافِقٍ طَعَّانِ فَدُخُولُهُمْ بَيْنَ الْأَحِبَّةِ كُلْفَةٌ وَسِبَابُهُمُ سَبَبٌ إِلَى الْحِرْمَانِ ابْنُ مَوْهُوبٍ هَذَا كَانَ مِنَ الْمُجْتَهِدِينَ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ ، وَقَدْ لَازَمَنِي مُدَّةَ مَقَامِي بِمِصْرَ ، وَسَمَّعَ عَلَيَّ كَثِيرًا ، وَعَلَى غَيْرِي بِقَرَاءَتِي ، وَكَانَ سِتِّيرًا ، حَسَنَ الْوَعْظِ ، مَلِيحَ الْإِيرَادِ ، وَكَانَ أَبُوهُ صَالِحًا ، وَمِنْ سَعَادَةِ الْمَرْءِ أَنْ يُشْبِهَ أَبَاهُ . وَقَدْ حَكَى لِي عَبْدُ الْجَبَّارِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْقُرَشِيُّ الْفَرَّاشُ ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ فِي النِّصْفِ الْأَوَّلِ مِنْ شُهُورِ سَنَةِ سِتِّينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ . سمعت أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيٍّ الْجَلَّالِيَّ الْبَرْقِيَّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، يَقُولُ : كَانَ ابْنُ أَبِي عُقَامَةَ قَاضِي زَبِيدَ ، وَأَهْلِ الْيَمَنِ ، يَقُولُونَ : الْفُرْسُ أَسْمَاؤُهُمْ كُنًى ، وَأَنْسَابُهُمْ قُرًى ، وَعَلَى مَا حَكَاهُ عَبْدُ الْحَمِيدِ حَكَاهُ لِي أَبُو الْفَرَجِ الْقَرْمِيسِينِيُّ عَنْ أَحَدِ سَلَاطِينِ الْيَمَنِ ، ثُمَّ قَالَ : وَكُلُّ نَبِيٍّ ذَكَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى فِي الْقُرْآنِ ذَكَرَهُ مُسَمًّى ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ سِوَى أَبِي لَهَبٍ . عَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا كَانَ كَبِيرَ السِّنِّ ، كَثِيرَ التَّرَدُّدِ إِلَيَّ مِنْ وُجُوهِ التُّجَّارِ ، وَقَدْ دَخَلَ الْمَغْرِبَ وَالْحِجَازَ وَغَيْرَهَا ، وَمَوْلِدُهُ بِمَدِينَةِ بَرْقَةَ ، وَوَفَاتُهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ . سمعت أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْحَمِيدِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ الْأُمَوِيَّ الْبَلَغِيَّ ، بِالثَّغْرِ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْعَبَّاسِ أَحْمَدَ بْنَ الْبِنِّيِّ الْأُبَّدِيَّ ، بِجَزِيرَةِ مَيُورَقَةَ ، يَقُولُ : قَدِمْتُ حِمْصَ الْأَنْدَلُسِ فَاجْتَمَعْتُ مَعَ شُعَرَائِهَا فِي مَجْلِسٍ فَأَرَادُوا امْتِحَانِي ، فَقَالَ : مِنْ بَيْنِهِمْ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَارَّةَ الشَّنْتَرِينِيُّ ، وَكَانَ مُقَدِّمَهُمْ : هَذِي الْبَسِيطَةُ كَاعِبٌ أَبْرَادُهَا حُلَلُ الرَّبِيعُ وَحَلْيُهَا الْأَزْهَارُ . فَقُلْتُ : فَكَأَنَّ هَذَا الْجَوَّ فِيهَا عَاشِقٌ قَدْ شَفَّهُ التَّعْذِيبُ وَالْإِضْرَارُ فَإِذَا شَكَا فَالْبَرْقُ قَلْبٌ خَافِقٌ وَإِذَا بَكَى فَدُمُوعُهُ الْأَمْطَارُ فَلِأَجَلِ ذِلَّةِ ذَا وَعِزَّةِ هَذِهِ يَبْكِي الْغَمَامُ وَيَبْسِمُ النُّوَّارُ عَبْدُ الْحَمِيدِ هَذَا قَدِمَ الثَّغْرَ مُتَوَجِّهًا إِلَى الْحِجَازِ لِأَدَاءِ فَرْضِهِ ، وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدِي فَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ ، فَقَالَ : وُلِدْتُ سَنَةَ سَبْعٍ وَثَمَانِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، بِمَدِينَةِ بَلَغِيَّ بِشَرْقِ الْأَنْدَلُسِ ، ثُمَّ انْتَقَلْتُ إِلَى الْعُدْوَةِ بَعْدَ اسْتِيلَاءِ الْعَدُوِّ عَلَى الْبَلَدِ ، فَصِرْتُ خَطِيبَ مَدِينَةِ تِلْمِسَانَ ، وَقَرَأْتُ الْقُرْآنَ بِرِوَايَاتٍ عَلَى أَصْحَابِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ الْمُغَامِيِّ ، وَأَبِي دَاوُدَ الْمُؤَيَّدِيِّ ، صَاحِبَيْ أَبِي عَمْرٍو الدَّانِيِّ ، وَ سَمِعْتُ الْحَدِيثَ عَلَى شُيُوخِ الْوَقْتِ ، وَرَأَيْتُ أَبَا الْعَرَبِ الصَّقَلِّيَّ بِجَزِيرَةِ مَيُورَقَةَ ، وَآخَرِينَ مِنَ الشُّعَرَاءِ ، وَصَحِبْتُ كَثِيرًا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَأَخَذْتُ عَنْهُمْ ، وَأَنَا عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ سَلَمَةَ ، وَأُعْرَفُ بِابْنِ بَرْبَطِيرَ الْبَلَغِيِّ . أَنْشَدَنِي أَبُو الْمُثَنَّى عَبْدُ الْحَمِيدِ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْحَسَنِ الْمَخْزُومِيُّ الْعَسْقَلَانِيُّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ سَعِيدٍ الْمَعْرُوفُ بِالْمُكَرْبِلِ ، بِعَسْقَلَانَ لِنَفْسِهِ فِي الْمِقَطِّ وَالسِّكِّينِ : ذَكَرٌ وَأُنْثَى لَيْسَ ذَا مِنْ جِنْسِ ذَا يَتَصَاحَبَانِ بِسَفْحِ سِجْنٍ مُقْفَلِ لَا يَنْزِلَانِ بِمَنْزِلٍ حَلًّا بِهِ إِلَّا لِقَطْعِ رُءُوسِ أَهْلِ الْمَنْزِلِ أَبُو الْمُثَنَّى هَذَا يُدْعَى بِالْقَاضِي ، وَيُعْرَفُ بِبَلْدَةِ عَسْقَلَانَ بِابْنِ الطَّيْمُومِ ، وَكَانَ يَخْدُمُ السُّلْطَانَ فِي خَدَمٍ عَلَى رَأْيِهِمْ سُنِّيَّةٌ ، وَكَانَ سُنِّيَّ الْمُعْتَقَدِ شَافِعِيَّ الْمَذْهَبِ ، وَذَكَرَ لِي أَنَّهُ وُلِدَ سَنَةَ إِحْدَى وَسَبْعِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، وَأَنَّهُ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْعَرَبِيَّةِ عَلَى ابْنِ بُلْبُلٍ ، وَأَنْشَدَنِي مُقَطَّعَاتٍ مِمَّا أَنْشَدَهُ مِنْ نَظْمِهِ ، وَمُقَطَّعَاتٍ مِمَّا أَنْشَدَهُ أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ نِعْمَةَ بْنِ الْجَلِيلِ الشَّيْبَانِيُّ ، وَمُقَطَّعَاتٍ مِنْ شِعْرِ غَيْرِهِمَا مِنْ مُتَأَخِّرِي شُعَرَاءِ عَسْقَلَانَ ، كَالْقَاضِي أَبِي الرَّقَابِ الْأَنْصَارِيِّ الْمَعْرُوفِ بِالْمُعْتَمَدِ ، وَابْنِ نَوْفَلٍ ، وَابْنِ أَبِي الشَّخْبَاءِ ، وَابْنِ الْمُتَعَدِّي ، وَالْمُكَرْبِلِ ، وَالتِّرْمِسِيِّ ، وَعَلَّقْتُهَا عَنْهُ . سمعت أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ الْجَلِيلِ بْنَ مُحَمَّدِ بْنِ الْمُسْلِمِ الْحَيْفِيَّ ، بِصُورَ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْقَاسِمِ الْبَازْكُلِّيَّ الْبَصْرِيَّ ، بِتِنِّيسَ ، يَقُولُ : قَرَأْتُ عَلَى ظَهْرِ كِتَابِ أَبِي بَكْرٍ الْمَرَاغِيِّ فِي شَرْحِ الْجُمَلِ ، لِأَبِي الْقَاسِمِ الزَّجَّاجِيِّ بِخَطِّ يَدِهِ : اعْذِرْ أَخَاكَ عَلَى رَدَاءَةِ خَطِّهِ وَاغْفِرْ رَدَاءَتَهُ لِجَوْدَةِ ضَبْطِهِ فَالْخَطُّ لَيْسَ يُرَادُ مِنْ تَعْظِيمِهِ وَنِظَامِهِ إلَّا إِقَامَةُ سِمْطِهِ فَإِذَا أَبَانَ عَنِ الْمَعَانِي خَطُّهُ كَانَتْ مَلَاحَتُهُ زِيَادَةَ شَرْطِهِ . عَبْدُ الْجَلِيلِ هَذَا كَانَ مِنْ رِجَالِ الْبَحْرِ ، وَيَحْضُرُ عِنْدِي بِصُورَ لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ ، وَكَانَ قَدْ قَرَأَ شَيْئًا مِنَ الْكَلَامِ عَلَى مَذْهَبِ الْأَشْعَرِيِّ ، وَيُنَاظِرُ عَلَيْهَا وَسُكْنَاهُ بِتِنِّيسَ ، وَبِهَا صَحِبَ ابْنَ الْبَازْكُلِّيِّ ، وَأَخَذَ عَنْهُ مَا كَانَ يُورِدُهُ . وَحُكِيَ لِي عَنْهُ أَنَّهُ كَانَ إِذَا نَسَخَ كِتَابًا وَقَابَلَهُ بِالْأَصْلِ ، يَكْتُبُ عَلَيْهِ صَحَّ بِالْمُعَارَضَةِ وَسَلِمَ بِالْمُقَابَلَةِ مِنَ الْمُنَاقَضَةِ وَذَلِكَ مِنَ الْبَسْمَلَةِ إِلَى الْحَسْبَلَةِ . أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْبَارِي بْنُ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدٍ السَّبِيبِيُّ ، بِالثَّغْرِ ، قَالَ : أَنْشَدَنَا أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ زَكَرِيَّا الْقَلَعِيُّ ، لِنَفْسِهِ : يَا قَمَرًا زِرُّهُ لَهُ فَلَكٌ يُطْلِعُهُ وَالدُّجُنَّةُ الشَّعَرُ جَارَ عَلَى مُهْجَتِي فَعَذَّبَهَا مِنْكَ هَوًى لِينُ قَلْبِهِ حَجَرُ عَبْدُ الْبَارِي هَذَا كَانَ قَدْ قَرَأَ الْكَلَامَ سِنِينَ ، وَيَتَظَاهَرُ بِهِ ، وَلَمْ يَكُنْ فِيهِ بِذَاكَ ، وَأَنْشَدَنِي مُقَطَّعَاتٍ مِنْ شِعْرِ ابْنِ الْجَوَّاسِ الْقَلَعِيِّ ، وَكَانَ مُتَصَاوِنًا . أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْحَلِيمِ بْنُ مُوَقِّيِّ بْنِ عَبْدِ الْجَبَّارِ الصُّوفِيُّ الْقَيْرَوَانِيُّ ، بِالثَّغْرِ ، أَنْشَدَنَا أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ رَشِيقٍ الْأَزْدِيُّ ، لِنَفْسِهِ بِالْقَيْرَوَانِ : وَمُكْتَحِلِ الْجُفُونِ سَطَا عَلَيْنَا بِكَأْسٍ وَالصَّبَاحُ لَهُ انْصِدَاعُ فَقُلْتُ لَهُ تَغَنَّ فَدَتْكَ رُوحِي لَنَا صَوْتًا فَمَا حُرِمَ السَّمَاعُ فَحَرَّكَ رَأْسَهُ طَرَبًا وَغَنَّى أَضَاعُونِي وَأَيَّ فَتًى أَضَاعُوا عَبْدُ الْحَلِيمِ هَذَا مِنْ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ ، وَمِمَّنْ يُذْكَرُ فِي دِيَارِ مِصْرَ بِالتَّصَوُّفِ ، وَصُحْبَةِ الْمَشَائِخِ ذَكَرَ لِي أَنَّهُ اقْتَدَى بِعَبْدِ اللَّهِ الْمُحْتَسِبِ ، بِسَفَاقِسَ ، قَالَ : وَقَدْ دُرْتُ دِيَارَ الْمَغْرِبِ كُلِّهَا إِلَى الْأَنْدَلُسِ فِي لِقَاءِ الشُّيُوخِ ، وَصَحِبْتُ شُيُوخَ مِصْرَ مِثْلَ أَبِي مُحَمَّدٍ السُّودَانِيِّ ، وَإِسْمَاعِيلَ الْمَغَازِلِيِّ ، وَابْنِ الْبَقَّالِ ، وَحَمُّودَةَ ، وَابْنِهِ إِبْرَاهِيمَ ، وَغَنَائِمَ ، وَبَرَكَاتٍ ، وَآخَرِينَ مِنْ شُيُوخِهَا وَالْغُرَبَاءِ الَّذِينَ يَرِدُونَ إِلَيْهَا مِنْ كُلِّ إِقْلِيمٍ ، قَالَ : وَإِنَّمَا عُرِفْتُ بِالْوَسْطَانِيِّ ، لِأَنَّ لِي أَخًا أَكْبَرَ مِنِّي وَآخَرَ أَصْغَرَ مِنِّي وَمَوْلِدِي بِالْقَيْرَوَانِ سَنَةَ خَمْسٍ وَعِشْرِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، ذَكَرَ لِي ذَلِكَ كُلَّهُ سَنَةَ إِحْدَى عَشْرَةَ وَخَمْسِ مِائَةٍ . وَمِمَّنْ كَانَ يَصْحَبُهُ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ عِنْدَ دُخُولِي إِلَيْهَا ، وَحُصُولِي بِهَا وَيُرَافِقُهُ عَلَى طَرِيقَتِهِ وَيُوَافِقُهُ أَبُو بَكْرِ بْنُ الْحَسَنِ بْنِ رَشِيقٍ ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي بِهِ اجْتِمَاعٌ ، وَأَهْلُ الثَّغْرِ كَانُوا يَثْنُونَ عَلَيْهِ وَيَرْتَضُونَ مَا كَانَ عَلَيْهِ ، رَحِمَهُمَا اللَّهُ . قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْوَدُودِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عِيسَى النَّحْوِيِّ الْمَغْرِبِيِّ ، بِبَغْدَادَ ، يَاقُوتَةَ التَّصْرِيفِ لِلْأُسْتَاذِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ أَحْمَدَ الْأَرْدَسْتَانِيِّ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَوْرَدَهُ فِيهِ ، قَالَ : لَيْسَ فِي الْكَلَامِ اسْمٌ عَلَى فُعِلَ بِضَمِّ الْفَاءِ ، وَكَسْرِ الْعَيْنِ ، إِلَّا وَاحِدٌ وَهُوَ دُئِلٌ وَهِيَ دُوَيْبَةٌ ، وَبِهَا سُمِّيَتْ قَبِيلَةَ أَبِي الْأَسْوَدِ الدُّؤَلِيِّ . قَرَأْتُ عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَبْدِ الْوَدُودِ بْنِ عَبْدِ الْمَلِكِ بْنِ عِيسَى النَّحْوِيِّ الْمَغْرِبِيِّ ، بِبَغْدَادَ ، لَمَّا قَدِمَهَا شَيْئًا مِنَ التَّصْرِيفِ وَكَانَ مُتَفَنِّنًا ، وَلَمْ أَسْتَنْشِدْهُ شَيْئًا مِنْ شِعْرِهِ ، وَكَانَ مِنَ الْمُجِيدِينَ وَهُوَ الَّذِي لَهُ الْقَصِيدَةُ السَّائِرَةُ ، يَهْجُو فِيهَا أَحَدَ الرُّؤَسَاءِ وَأَوَّلُهَا : تَسَلَّ فَلِلْأَيَّامِ بِشْرٌ وَتَعْبِيسُ وَأَيْقِنْ فَلَا النُّعْمَى تَدُومُ وَلَا الْبُوسُ . أَتَانِي الْقَاضِي عَبْدُ الْغَفَّارِ بْنُ سَعِيدِ بْنِ الْحُسَيْنِ الرَّازِيُّ شَيْخُ الصُّوفِيَّةِ ، بِأَبْهَرَ عِنْدَ دُخُولِي الْبَلَدَ مُسَلِّمًا ، وَقَصَدْتُهُ أَنَا بَعْدَ ذَلِكَ زَائِرًا وَقَاضِيًا حَقَّهُ وَسَأَلْتُهُ فِي شَيْءٍ يَرْوِيهِ ، فَقَالَ : مَا قرئ عَلَيَّ شَيْءٌ قَطُّ وَوَجَدْتُ لَهُ سَمَاعًا عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عَبْدِ السَّلَامِ الْمَالِكِيِّ الرَّاوِي ، عَنِ ابْنِ مَالِكٍ الْقَطِيعِيِّ ، وَأَبِي بَكْرٍ الْأَبْهَرِيِّ الْفَقِيهِ ، وَنُظَرَائِهِمَا مِنْ شُيُوخِ بَغْدَادَ وَمَكَّةَ وَغَيْرِهَا ، فَخَرَجَ مِنَ الْبَلَدِ فِي حَاجَةٍ وَلَمْ يَتَّفِقْ رُجُوعُهُ إِلَى أَنْ خَرَجْتَ ، وَلَمْ أَسْمَعْهُ عَلَيْهِ ، وَبَيْتُهُمْ بَيْتُ الْقَضَاءِ وَالْعَدَالَةِ ، غَيْرَ أَنَّهُ اعْتَزَلَ وَاشْتَغَلَ بِأَمْرِ الْآخِرَةِ ، وَكَانَ جَلِيلًا نَبِيلًا ، وَالثَّنَاءُ عَلَيْهِ جَمِيلًا . أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْمَوْلَى بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عُقْبَةَ اللَّخْمِيُّ اللُّبْنِيُّ وُلِدَ بِالْمَغْرِبِ وَدَخَلَ الْمَشْرِقَ ، ثُمَّ سَكَنَ مِصْرَ وَشَهِدَ بِهَا وَنَابَ عَنْ قُضَاتِهَا فِي الْقَضَايَا وَالْأَحْكَامِ ، وَدَخَلَ فِيمَا لَا يَعْنِيهِ وَلَا يَنْفَعُهُ فِي الْآخِرَةِ ، وَكَانَ يَتَعَاطَى الْكَلَامَ وَرُبَّمَا قرئ عَلَيْهِ وَيُفْتِي عَلَى مَذْهَبِ مَالِكٍ . وَلُبْنَةُ ضَيْعَةٌ مِنْ ضِيَاعِ الْمَهْدِيَّةِ ، قَالَ لِي بِمِصْرَ : سمعت عَلَى أَبِي خَلَفٍ الطَّبَرِيِّ ، الْفَقِيهِ بِالرَّيِّ وَعَلَى غَيْرِهِ كَثِيرًا مِنَ الْحَدِيثِ ، وَعِنْدِي بَعْضُ مَا سَمِعْتُهُ ، وَلَمْ يَتَّفِقْ لِي الْوُقُوفُ عَلَى شَيْءٍ مِنْ ذَلِكَ . ثُمَّ بَعَثَ إِلَيَّ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ يَطْلُبُ مِنِّي الْإِجَازَةَ ، فَأَجَزْتُ لَهُ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَعْفُو عَنَّا وَعَنْهُ بِفَضْلِهِ وَكَرَمِهِ . سمعت أَبَا مُحَمَّدٍ عَبْدَ السَّيِّدِ بْنَ خَلَفِ اللَّهِ بْنِ رَجَاءٍ الطَّرَابُلُسِيَّ ، بِالثَّغْرِ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الرَّحْمَنِ التُّونِسِيَّ بِمِصْرَ ، يَقُولُ : رَأَيْتُ أَخًا لِي فِي اللَّهِ تَعَالَى بَعْدَ مَوْتِهِ فِي الْمَنَامِ ، وَهُوَ يَقُولُ : يَا أَبَا الْحَجَّاجِ هَكَذَا تَكُونُ الصُّحْبَةُ وَالْأُخُوَّةُ فِي اللَّهِ ؟ مِنَ الْيَوْمِ الَّذِي مِتُّ لَمْ أَرَكَ وَلَمْ تَزُرْنِي ، فَآلَيْتُ عَلَى نَفْسِي أَنْ لَا أَنْقَطِعَ عَنْ زِيَارَتِهِ مُدَّةَ حَيَاتِي . عَبْدُ السَّيِّدِ هَذَا رَجُلٌ خَيِّرٌ ، وَقَدْ عَلَّقْتُ عَنْهُ مَنَامَاتٍ فِي هَذَا الْمَعْنَى رَحِمَهُ اللَّهُ . أَنْشَدَنِي أَبُو مُحَمَّدٍ عَبْدُ الْقَوِيِّ بْنُ يَخْلِفَ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الْبَرْقِيُّ الْوَاعِظُ ، لِنَفْسِهِ : لَكَ الْحَمْدُ رَبِّي عَلَى كُلِّ حَالِ فَأَنْتَ جَوَادٌ كَثِيرُ النَّوَالِ وَأَنْتَ الَّذِي لَمْ تَزَلْ مُحْسِنًا لِكُلِّ مُسِيءٍ قَبِيحِ الْفَعَالِ وَأَنْتَ الَّذِي لَمْ تَزَلْ سَامِعًا دُعَاءَ عَبِيدِكَ بِالابْتِهَالِ وَأَنْتَ الْغَنِيُّ الْقَوِيُّ الْوَفِيُّ وَمُنْزِلُ مَاءِ السَّحَابِ الثِّقَالِ فَتَرْوِي الْعِبَادَ وَتُحْيِي الْبِلَادَ وَتُنْشِي الْعِظَامَ الرُّفَاتِ الْبَوَالِي سَتَرْتَ الذُّنُوبَ وَأَحْصَيْتَهَا وَجُدْتَ بِعَفْوِكَ يَا ذَا الْجَلَالِ عَلَى الْمُذْنِبينَ فَمَا يَرتَجُونَ سِوَى فَضْلِكَ اللَّهُ عِنْدَ السُّؤَالِ . عَبْدُ الْقَوِيِّ هَذَا كَانَ كَثِيرَ الْحِفْظِ ، جَيِّدَ الْإِيرَادِ ، لِمَا يَحْفَظُهُ وَيَحْضُرُ عِنْدِي ، وَيَعِظُ فِي مَوَاعِيدِي الْجُمَعِيَّةِ كَثِيرًا .