131 أَخْبَرَنَا أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ يُوسُفَ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ الْحَذَّاءِ الْقَيْسِيُّ الصَّقَلِّيُّ ° ، بِالثَّغْرِ ، أَنَا أَبُو بَكْرٍ عَتِيقُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ دَاوُدَ السَّمَنْطَارِيُّ ° ، بِصَقَلِّيَةَ ، أَنَا أَحْمَدُ بْنُ إِسْحَاقَ الْمِهْرَانِيُّ ° ، ثَنَا أَبُو بَكْرٍ النَّصِيبِيُّ ° ، ثَنَا تَمْتام ° ، ثَنَا الْقَعْنَبِيُّ ° ، عَنْ مَالِكٍ ° ، عَنْ نَافِعٍ ° ، عَنِ ابْنِ عُمَرَ ° : أَنّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، قَالَ : " الَّذِي تَفُوتُهُ صَلَاةُ الْعَصْرِ ، كَأَنَّمَا وُتِرَ أَهْلُهُ وَمَالُهُ "
أَبُو حَفْصٍ هَذَا كَانَ مِنْ مَشَاهِيرِ الزُّهَّادِ وَأَعْيَانِ الْعُبَّادِ ، وَلَهُ مَحِلٌّ كَبِيرٌ عِنْدَ أَهْلِ صَقَلِّيَةَ ، وَغَرْبِ الْوَسَطِ بِاسْتِحْقَاقٍ ، فَقَدْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ ، مُلَازِمًا لِلثَّغْرِ مُذْ سَكَنَهُ لِمَسْكَنِهِ غَيْرَ مُتَصَرِّفٍ فِي أُمُورِ الدُّنْيَا طُولَ زَمَنِهِ ، وَلَمْ أَسْمَعْ عَلَيْهِ شَيْئًا مَعَ نُزُولِ رِوَايَتِهِ ، إِلَّا عَلَى وَجْهِ التَّبَرُّكِ ، وَقَدْ كَانَ يَمْتَنِعُ مِنَ الرِّوَايَةِ ، وَلَمْ يَقْرَأْ أَحَدٌ عَلَيْهِ قَطُّ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرِي ، بَعْدَ امْتِنَاعٍ زَائِدٍ وَخَطْبٍ طَوِيلٍ جَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ ، حِينَ وَقَفْتُ عَلَى سَمَاعِهِ مِنَ السَّمَنْطَارِيِّ ، وَإِجَازَتِهِ لَهُ جَمِيعَ رِوَايَاتِهِ ، وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ ، فَقَالَ : سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ فِي شَهْرِ رَمَضَانَ ، وَكَانَ اجْتِمَاعِي مَعَهُ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ ، وَأَجَازَ لِي جَمِيعَ مَا يَرْوِيهِ سَمَاعًا وَإِجَازَةً ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ بِالْإِجَازَةِ عَنِ السَّمَنْطَارِيِّ فَوَائِدَ مِنْ مَشْيَخَتِهِ ، وَالَّذِي وَجَدْتُ فِيهِ سَمَاعَهُ الْمُوَطَّأَ لِمَالِكٍ بِالْإِسْنَادِ ، الَّذِي أَوْرَدْتُهُ أَوَّلًا . وَقَدْ وُلِدَ بِصَقَلِّيَةَ سَنَةَ ثَلَاثِينَ وَأَرْبَعِ مِائَةٍ ، وَقَرَأَ بِهَا الْقُرْآنَ عَلَى أَبِي عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ الْقَنَّادِ ، وَأَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ فَرَجٍ ، الْمُقْرِئَيْنِ ، وَالْفِقْهَ عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ هَارُونَ ، وَأَبِي بَكْرٍ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ يُونُسَ ، وَأَبِي بَكْرٍ عَتِيقِ بْنِ عَلِيٍّ السَّمَنْطَارِيِّ ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إِلَى الْحِجَازِ سَنَةَ إِحْدَى وَخَمْسِينَ ، فَحَجَّ وَجَاوَرَ بِمَكَّةَ ثَلَاثَ سِنِينَ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى بَلَدِهِ فَقَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي مُحَمَّدٍ عَبْدِ الْحَمِيدِ بْنِ مُحَمَّدٍ الصَّائِغِ الْقَيْرَوَانِيِّ ، وَعَلَى أَبِي الْقَاسِمِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَبْدِ الرَّحْمَنِ الْخِرَقِيِّ ، وَعَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ أَبِي الْقَاسِمِ بْنِ الْمَعْلُوفِ ، ثُمَّ رَحَلَ إِلَى سَفَاقُسَ ، وَقَرَأَ بِهَا عَلَى أَبِي الْحَسَنِ عَلِيِّ بْنِ أَبِي بَكْرٍ الرَّبَعِيِّ الْمَعْرُوفِ بِاللَّخْمِيِّ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ سَنَةَ اثْنَتَيْنِ وَسَبْعِينَ ، وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ مَاتَ . وَلَمَّا اجْتَمَعْتُ بِهِ وَسَأَلْتُهُ عَنْ مَوْلِدِهِ ، وَقَرَأْتُ عَلَيْهِ فَوَائِدَ عَنِ السَّمَنْطَارِيِّ لَا غَيْرَ ، مِنْهَا إِجَازَةٌ وَمِنْهَا سَمَاعٌ وَسَأَلْتُهُ الْإِجَازَةَ لِي وَلِابْنِهِ ، وَمَنْ حَضَرَ مَعَنَا ، فَفَعَلَ وَذَكَرَ أَنَّهُ سَمِعَ الْحَدِيثَ عَلَى عَبْدِ الْحَقِّ الْخِرَقِيِّ ، وَابْنِ الْمَعْلُوفِ وَجَرَى بَيْنِي وَبَيْنَهُ خَطْبٌ طَوِيلٌ فِي فَضْلِ الرِّوَايَةِ ، أَوْلَى مِنَ امْتِنَاعِهِ مِنْهَا ، فَاعْتَلَّ بِعِلَلٍ تَكَلَّمْتُ عَلَيْهَا مَعَهُ فَوَجَدْتُ عُمْدَتَهُ فِي تَحَرِّيهِ التَّحَرُّزَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي الْكَذِبِ عَلَى النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، إِذْ لَمْ تَتَقَدَّمْ لَهُ قِرَاءَةٌ لِلْعَرَبِيَّةِ ، فَقُلْتُ : قَدْ كَانَ فِي الرُّوَاةِ عَلَى هَذَا الْوَضْعِ قَوْمٌ ، وَاحْتُجَّ بِرِوَايَاتِهِمْ فِي الصِّحَاحِ وَلَا يَجُوزُ تَخْطِئَتُهُمْ وَتَخْطِئَةُ مَنْ أَخَذَ عَنْهُمْ ، فَلانَ بَعْدَ ذَلِكَ حَتَّى قَرَأْتُ عَلَيْهِ مَا قَرَأْتُ عَلَى مَنْعٍ شَدِيدٍ ، كَمَا ذَكَرْتُ فِيمَا تَقَدَّمَ ، وَاللَّهُ تَعَالَى يَنْفَعُ بِهِ ، فَقَدْ كَانَ مِنَ الصَّالِحِينَ . تُوُفِّيَ أَبُو حَفْصٍ هَذَا فِي الْمُحَرَّمِ سَنَةَ سِتٍّ وَعِشْرِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ ، وَصَلَّى عَلَيْهِ بِمَقْبَرَةِ وَعْلَةَ عِنْدَ الْبَابِ الْأَخْضَرِ ، وَدُفِنَ بِقُرْبِ قَبْرِ أَبِي بَكْرٍ الْحُنَيْفِيِّ ، وَأَبِي الْعَبَّاسِ بْنِ الْحَطَّابِ الشَّافِعِيِّ ، وَأَبِي عَلِيٍّ الْحَضْرَمِيِّ الْمَالِكِيِّ ، وَلَمْ يَقْرَأْ عَلَيْهِ أَحَدٌ قَطُّ شَيْئًا مِنَ الْحَدِيثِ غَيْرِي ، عَنْ أَبِي بَكْرٍ السَّمَنْطَارِيِّ ، وَكَانَ قَدْ سَمِعَ ابْنَ الْمَعْلُوفِ وَالْخِرَقِيَّ ، وَغَيْرَهُمَا مِنْ شُيُوخِ الْقَيْرَوَانِ ، وَكَانَ فَقِيهًا صَالِحًا وَرِعًا . سمعت أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّرَابُلُسِيَّ الْمَالِكِيَّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الْجَيْمَالِيَّ الزَّنَاتِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : رَأَيْتُ فِي الْمَنَامِ كَأَنِّي أَتَيْتُ إِلَى مَوْضِعٍ فِيهِ جَمَاعَةٌ مِنَ النَّاسِ ، وَوَقَعَ فِي نَفْسِي أَنَّ فِيهِمْ أَبَا دَاوُدَ السِّجِسْتَانِيَّ ، فَقَالَ لِي رَجُلٌ مِنَ الْجَمَاعَةِ : كُلُّ حَدِيثٍ لَمْ يَرْوِهِ مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ الْبُخَارِيُّ ، فَاقْلِبْ عَنْهُ رَأْسَ دَابَّتِكَ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : ذَكَرَ أَبُو الْقَاسِمِ عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ مُحْرِزٍ ، فِي كِتَابِهِ بِخَطِّهِ ، قَالَ : سمعت أَبَا ذَرٍّ الْهَرَوِيَّ ، يَقُولُ : لَمْ أَرَ فِيمَنْ رَأَيْتُ أَفْضَلَ مِنْ ثَلَاثَةٍ أَبِي بَكْرِ بْنِ عُزْرَةَ ، وَأَبِي الْفَتْحِ الْقَوَّاسِ وَذَكَرَ الثَّالِثَ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الْفَاسِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : سمعت يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُدَيْسٍ الْمَالِكِيَّ ، بِفَاسَ ، يَقُولُ : الْوَقَّشِيُّ كَانَ أَضْبَطَ لِلْحَدِيثِ مِنَ ابْنِ عَبْدِ الْبَرِّ وَأَعْرَبَ مِنْهُ لِسَانًا ، وَكَانَ فَقِيهًا مُتَفَنِّنًا فِي الْعُلُومِ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدَ بْنَ خَلَفِ بْنِ زِيَادَةِ اللَّهِ الْأَزْدِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : عُثْمَانُ بْنُ أَبِي بَكْرِ بْنِ الضَّابِطِ السَّفَاقُسِيُّ الْحَافِظُ ، رَحَلَ إِلَى الْمَشْرِقِ فِي طَلَبِ الْحَدِيثِ فَسَمِعَ بِمَكَّةَ ، وَبَغْدَادَ ، وَأصْبَهَانَ ، وَغَيْرِهَا ، وَلَقِيَ رِجَالًا مِنَ الْفُقَهَاءِ وَالْمُحَدِّثِينَ وَأَخَذَ عَنْهُمْ وَأَدْرَكَ بِأصْبَهَانَ أَبَا نُعَيْمٍ ، ثُمَّ رَجَعَ إِلَى الْمَغْرِبِ فَأَسْمَعَ النَّاسَ فِي رُجُوعِهِ بِبَغْدَادَ ، وَالشَّامِ ، وَإِفْرِيقِيَا . قَالَ عُمَرُ : وَقَدْ دَخَلَ الْأَنْدَلُسَ فَسَمِعَ عَلَيْهِ بِهَا جَمَاعَةٌ مِنْ فُقَهَائِهَا وَأَئِمَّتِهَا ، كَأَبِي عُمَرَ يُوسُفَ بْنِ عَبْدِ الْبَرِّ الْحَافِظِ وَشَبَهِهِ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الزَّنَاتِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، وَرَدَ عَلَيْنَا مِنَ الْمَشْرِقِ ، وَسَمِعَ مِنْ جَمَاعَةٍ مِنَ الْمُحَدِّثِينَ ، قَالَ : بِلَادُ الْحَدِيثِ الْيَوْمَ الَّتِي تُشَدُّ الْمَطَايَا إِلَيْهَا ثَلَاثٌ : بَغْدَادُ ، وَأصْبَهَانُ ، وَنَيْسَابُورُ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الزَّنَاتِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُدَيْسٍ الْفَقِيهَ الْمَالِكِيَّ ، بِفَاسَ ، يَقُولُ : لَوْلَا أَنَّ أَبَا عُمَرَ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الْبَرِّ شَيْخِي لَنَقَضْتُ عَلَيْهِ أَكْثَرَ تَوَالِيفِهِ ، قَالَ : وَكَانَ يَقُولُ : لَيْسَ لَهُ طَرِيقَةٌ إِلَّا الْمُوَطَّأَ ، وَلَا يُحْسِنُ سِوَاهُ وَمَا يَتَعَلَّقُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ عَلَيْهِ ، قَالَ عُمَرُ : وَلَيْسَ الْأَمْرُ كَمَا قَالَ ابْنُ عُدَيْسٍ ، فَإِنَّ ابْنَ عَبْدِ الْبَرِّ كَانَ يُحْسِنُ كُلَّ فَنٍّ . سمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الزَّنَاتِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْحَجَّاجِ يُوسُفَ بْنَ عَبْدِ الْعَزِيزِ الْمَالِكِيَّ ، بِفَاسَ وَكَانَ عَالِمًا بِالْحَدِيثِ ، وَالنَّحْوِ ، وَالْفِقْهِ ، وَالشِّعْرِ ، وَجَرَى بَيْنَ يَدَيْهِ حَدِيثُ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " يُجِيرُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ أَدْنَاهُمْ " فَذَكَرَ لَهُ عَنِ ابْنِ حَبِيبٍ ، أَنَّهُ قَالَ : لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَالِي ، فَغَضِبَ غَضَبًا شَدِيدًا ، وَقَالَ : لَوْ كَانَ ابْنُ حَبِيبٍ حَيًّا لَأَخَذْتُ بِلِحْيَتِهِ ، النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، يَقُولُ : " يُجِيرُ عَلَيْهِمْ أَدْنَاهُمْ " ، وَابْنُ حَبِيبٍ ، يَقُولُ : لَا يَجُوزُ إِلَّا بِإِذْنِ الْوَالِي ! يَكْنُولُ بْنُ الْفُتُوحِ الزَّنَاتِيُّ ، نِسْبَتُهُ مُسْتَفَادَةٌ مَعَ الرَّنَانِيِّ وَبَابِهِ . وزَنَاتَةُ قَبِيلَةٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَرَنَّانُ قَرْيَةٌ مِنْ قُرَى أصْبَهَانَ . وَقَدْ دَخَلَ بَغْدَادَ وَسَمِعَ بِهَا نَفَرًا مِنْ مُتَأَخِّرِي مَنْ كَتَبْنَا عَنْهُمْ ، كَأَبِي طَالِبٍ الزَّيْنَبِيِّ الشَّرِيفِ وأبي الكوفي قدم عليهم بغداد وابن مرزوق الزعفراني ، وابن طرخان ، وَأَبِي عَامِرٍ الْعَبْدَرِيِّ صَدِيقِنَا ، وَرَجَعَ إِلَى الْمَغْرِبِ وَرَوَى عَنْهُمْ . وَسمعت أَبَا حَفْصٍ ، يَقُولُ : سمعت يَكْنُولَ بْنَ الْفُتُوحِ الْفَاسِيَّ الزَّنَاتِيَّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، يَقُولُ : لَمْ أَرَ فِيمَنْ لَقِيتُهُ أَحْفَظَ لِحَدِيثِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ أَبِي عَامِرٍ الْعَبْدَرِيِّ ، بِبَغْدَادَ . أَنْشَدَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدِ بْنِ يُوسُفَ الطَّرَابُلُسِيُّ الْمَالِكِيُّ ، بِالثَّغْرِ ، لِأَبِي الْفَضْلِ جَعْفَرِ بْنِ الطَّيِّبِ الصَّقَلِّيِّ وَكَتَبَ بِهَا إِلَى أَخِيهِ : عَظُمَ اشْتِيَاقِي وَالنَّوَى أَبَتِ التَّدَانِي وَالْوُصُولْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ صِدْقَ مَا تَحْتَ الضُّلُوعِ وَمَا أَقُولْ عِشْرُونَ عَامًا فُرْقَةً هَيْهَاتَ مَا يُغْنِي الرَّسُولْ عُمَرُ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الضَّبْطِ ، لِمَا يَكْتُبُهُ ، وَسَمِعَ بِبَلَدِهِ طَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ الْحَدِيثَ ، وَالْفِقْهَ ، وَتَأَدَّبَ بِهَا عَلَى شُيُوخِهَا ابْنِ خَلَفٍ الْقَاضِي . . . ابْن الْأَجْدَابِيِّ وَنُظَرَائِهِمَا ، وَقَدِمَ دِيَارَ مِصْرَ ، وَقَرَأَ كَثِيرًا مِنَ اللُّغَةِ عَلَى ابْنِ الْقَطَّاعِ ، وَسَمِعَ عَلَيَّ ، وَعَلَّقْتُ أَنَا عَنْهُ شَيْئًا يَسِيرًا ، وَمِنْ شِعْرِهِ فِي أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ ، وَتَوَالِيفِهِ وَلَمْ أَسْمَعْهُ أَنَا مِنْهُ : هَذَّبَ الْمَذْهَبَ حَبْرٌ أَحْسَنَ اللَّهُ خَلَاصَهْ بِبَسِيطٍ وَوَسِيطٍ وَوَجِيزٍ وَخُلَاصَهْ . حَدَّثَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّرَابُلُسِيُّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، أنبانا أَبُو عَلِيٍّ الْحُسَيْنُ بْنُ عَلِيِّ بْنِ مَنَاسٍ الْقَيْرَوَانِيُّ ، بِطَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ ، أَنْبَأَنِي أَبُو الْقَاسِمِ أَحْمَدُ بْنُ سُلَيْمَانَ الْبَاجِيُّ ، قَالَ : سمعت أَبِي الْقَاضِيَ أَبَا الْوَلِيدِ سُلَيْمَانَ بْنَ خَلَفِ بْنِ سَعْدٍ الْبَاجِيَّ ، بِالْأَنْدَلُسِ ، يَقُولُ : قَالَ لَنَا أَبُو ذَرٍّ عَبْدُ بْنُ أَحْمَدَ بْنِ عُفَيْرٍ الْهَرَوِيُّ ، بِمَكَّةَ : كُنَّا فِي حَلْقَةِ الْحَاكِمِ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ بْنِ الْبَيِّعِ الْحَافِظِ ، بِنَيْسَابُورَ إِذَا أَخْرَجَ عَنِ السُّدِّيِّ فِي الصَّحِيحِ نَتَغَامَزُ عَلَيْهِ ، وَذَلِكَ أَنَّهُ رَوَى حَدِيثَ الطَّيْرِ ، وَلَمْ يُتَابِعْهُ أَحَدٌ عَلَيْهِ ، وَكَانَ يُنْسَبُ إِلَى التَّشَيُّعِ . كَتَبَ إِلَيَّ أَبُو بَحْرٍ الْأَسَدِيُّ ، وَآخَرُونَ مِنَ الْأَنْدَلُسِ ، قَالُوا : أنبانا أَبُو الْوَلِيدِ الْبَاجِيُّ ، قَالَ : سمعت أَبَا ذَرٍّ الْهَرَوِيَّ ، بِمَكَّةَ ، يَقُولُ : كُنَّا فِي حَلْقَةِ الْحَاكِمِ الْحِكَايَةَ إِلَى آخِرِهَا . أَنْشَدَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ بْنِ عُبَيْدٍ الطَّرَابُلُسِيُّ الْمَالِكِيُّ ، بِالثَّغْرِ ، لِأَبِي حَفْصٍ عُمَرَ بْنِ عُثَمَانَ بْنِ قَاسِمٍ السُّبَاتِيِّ جَدِّهِ لِأُمِّهِ ، قَالَ : وَكَانَ مِنْ فُقَهَاءِ طَرَابُلُسِ الْمَغْرِبِ : يَا حَاسِدًا يَتَلَظَّى حَسْرَةً وَأَسًى وَيَشْتَهِي أَنْ يَرَانِي سَيِّئَ الْحَالِ ذُقِ الْحِمَامَ فَإِنَّ اللَّهَ أَنْزَلَنِي بِحُسْنِ مُعْتَقَدِي فِي الْمَنْزِلِ الْعَالِي . عُمَرُ هَذَا كَانَ شَابًّا مِنْ أَهْلِ الْفَضْلِ فِقْهًا وَأَدَبًا ، وَيَحْضُرُ عِنْدِي لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ وَيَشْعِرُ ، وَكَانَ قَدْ تَوَجَّهَ إِلَى الْعِرَاقِ وَاخَتَرَمَتْهُ الْمَنِيَّةُ هُنَاكَ . وَذَكَرَ لِي أَبُو مُحَمَّدٍ الْقَلَعِيُّ الْحَمَّادِيُّ عِنْدَ قُدُومِهِ مِنْ بَغْدَادَ إِلَى الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، وَتَوَجُّهِهِ إِلَى الْمَغْرِبِ ، أَنَّهُ تُوُفِّيَ سَنَةَ سَبْعَ عَشْرَةَ وَخَمْسِ مِائَةٍ ، بِبَغْدَادَ رَحِمَهُ اللَّهُ . أَنْشَدَنِي أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ يَعْمُرَ الْمَرِيِّيُّ ، قَدِمَ عَلَيْنَا الثَّغْرَ وَكَانَ مِنَ الْأَذْكِيَاءِ لِأَبِي الْحَسَنِ عَلَيِّ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ ثَابِتٍ الْخَوْلَانِيِّ ، الْمَعْرُوفِ بِالْحَدَّادِ الْمَهْدَوِيِّ : قَالَتْ وَأَبْدَتْ صَفْحَةً كَالشَّمْسِ مِنْ تَحْتِ الْقِنَاعِ بِعْتَ الدَّفَاتِرَ وَهِيَ آخِرُ مَا يُبَاعُ مِنَ الْمَتَاعِ فَأَجَبْتُهَا وَيَدِي عَلَى كَبِدِي وَهَمَّتْ بِانْصِدَاعِ لَا تَعْجَبِي مِمَّا رَأيْ تِ فَنَحْنُ فِي زَمَنِ الضَّيَاعِ . أَنْشَدَنِي أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَتِيقِ بْنِ يَعْمُرَ الْمَرِيِّيُّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي عُبَادَةُ بْنُ مُحَمِّدِ بْنِ عُبَادَةَ الْقَزَّازُ ، بِالْأَنْدَلُسِ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي أَبِي هَذِهِ الْمُوَشَّحَةَ فِي الْمُعْتَصِمِ مُحَمَّدِ بْنِ مَعْنِ بْنِ صَمَادِحَ : هَلْ يُتَاحْ لِلْأَرْوَاحْ مِنْ ظُبَاكْ يَا سَقَّاكْ أَنْ تُرَاحْ أَوْ تَرْتَاحْ عَنْ رِضَاكْ فِي مَرْآكْ . وَمِنْهَا : يَا أَقَاحْ يَا فَوَّاحْ مَنْ حَمَاكْ عَنْ مُضْنَاكْ وَأَبَاحْ صِرْفَ الرَّاحْ مِنْ لِمَاكْ لِلْمِسْوَاكْ . أَبُو الْخَطَّابِ هَذَا أَبُوهُ كَانَ مُحْتَسِبَ الْمَرِيَّةِ مِنْ بِلَادِ الْأَنْدَلُسِ ، قَدِمَ عَلَيْنَا بَعْدَ مَوْتِ أَبِيهِ وَكَتَبَ عَنِّي وَعَلَّقْتُ عَنْهُ وَكَتَبَ لِي بِخَطِّهِ فَوَائِدَ ، وَكَانَ حَسَنَ الأَخْلَاقِ مُتَأَدِّبًا وَلَهُ شِعْرٌ ، وَمِنْ جُمْلَةِ مَا أَنْشَدَنِي أَبُو الْخَطَّابِ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ عَتِيقِ بْنِ يَعْمُرَ الْمَرَوِيُّ ، بِالثَّغْرِ لِنَفْسِهِ : أَبِيتُ أُرَاعِي النَّجْمَ طَوْرًا وَتَارَةً أُغَمِّضُ أَجْفَانِي حَيَاءً مِنَ النَّجْمِ مِنْ أَجْلِ غَزَالٍ لَحْظُهُ لَحْظُ جُؤْذُرٍ وَخَدَّاهُ رَوْضٌ قَطْفُهَا بِيَدِ الْوَهْمِ . عُمَرُ هَذَا كَانَ قَدْ تَقَدَّمَ لَهُ طَلَبٌ وَقِرَاءَةٌ بِالْمَغْرِبِ ، وَقَدِمَ الْمَشْرِقَ ، وَقَدْ تَهَذَّبَ وَيَحْضُرُ عِنْدِي لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ ، وَكَتَبَ عَنِّي كَثِيرًا وَعَلَّقْتُ أَنَا عَنْهُ فَوَائِدَ وَكَتَبَ لِي بِمِصْرَ جُزْءًا ، وَكَانَ حَسَنَ الْخَطِّ حَسَنَ الْأَخْلَاقِ ، وَأَبُوهُ كَانَ مُحْتَسِبَ الْمَرِيَّةِ ، وَإِنَّمَا قَدِمَ هُوَ الْمَشْرِقَ بَعْدَ مَوْتِهِ ، وَكَانَ حُفْظَةً وَمِنَ الذَّكَاءِ عَلَى طَبَقَةٍ . سمعت أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ بْنَ سَهْلِ بْنِ مُحَمَّدٍ الْغَسَّانِيَّ الْغَرْنَاطِيَّ ، بَعْدَ قُفُولِهِ مِنَ الْحِجَازِ وَتَوَجُّهِهِ إِلَى الْأَنْدَلُسِ ، يَقُولُ : لَمَّا عَزَلَ الْأَمِيرُ عَلِيُّ بْنُ يُوسُفَ بْنِ تَاشَفِينَ سُلْطَانُ الْمَغْرِبِ أَبَا الْحَسَنِ بْنَ أَضْحَى الْغَرْنَاطِيَّ عَنْ قَضَاءِ الْمَرِيَّةِ ، كَتَبَ إِلَى أَهْلِهَا كِتَابًا أَوَّلُهُ بَعْدَ الْبَسْمَلَةِ : كِتَابُنَا زَكَّى اللَّهُ أَعْمَالَكُمْ ، وَكَفَّرَ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ ، وَأَصْلَحَ بَالَكُمْ مِنْ حَضْرَةِ مُرَّاكِشَ حَرَسَهَا اللَّهُ بَعْدَ أَنْ نُمِيَ إِلَيْنَا ، وَتَقَرَّرَ لَدَيْنَا أَنَّ الْجَهُولَ ابْنَ أَضْحَى أَجْهَلُ بِأَحْكَامِ الْقَضَاءِ مِنَ الْعُلْجُومِ ، إِذْ قَدْ أَظْهَرَ فِيكُمْ أَحْكَامًا يَتَرَحَّمُ فِيهَا عَلَى سَدُومَ ، وَقَدْ جَعَلْنَا شُهْبَ الْعُزْلَةِ لِشَيَاطِينِهِ كَالرُّجُومِ ، وَقَلَّدْنَاهُ خِطَّةَ الشُّؤْمِ وَنَبَذْنَاهُ دُونَ أَنْ تَدَارَكَهُ نِعْمَةٌ مِنْ رَبِّهِ بِالْعَرَاءِ وَهُوَ مَذْمُومٌ ، وَلَعَلَّ مُتَعَسِّفًا يَتَعَسَّفُ ، وَجَائِرًا لَا يَنْصِفُ ، يَلُومُنَا فِي تَقْدِيمِهِ ، وَيَنَالُنَا مِنَ الْعَتْبِ بِأَلِيمِهِ ، وَلَا قَدَحَ فَقَدَ اخْتَارَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِوَحْيِ اللَّهِ لَعِينَ بَنِي سَرْحٍ ، وَقَدِ اغْتَرَّ عُثْمَانُ بِحُمْرَانَ ، وَلَسْنَا أَوَّلَ مَنْ خَانَهُ الْقِيَاسُ ، وَمَنْ لَمْ يَأْتِهِ مِنَ الْغُوَيْرِ بَأْسُ ، وَاللَّهُ يَعْصِمُنَا مِنَ النَّاسِ ، إِنْ شَاءَ اللَّهُ وَالسَّلَامُ عَلَيْكُمْ وَرَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ . أَبُو حَفْصٍ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالصَّلَاحِ ، وَكَانَ يَحْضُرُ عِنْدِي لِسَمَاعِ الْحَدِيثِ فِي الْمَسَاءِ وَالصَّبَاحِ ، وَقَدْ عَلَّقْتُ عَنْهُ فَوَائِدَ أَدَبِيَّةً ثُمَّ سَافَرَ إِلَى الْمَغْرِبِ . أَنْشَدَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَتِيقِ بْنِ أَبِي الْخَمَائِرِ الْقَلَعِيُّ ، بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي أَبُو عَبْدِ اللَّهِ مُحَمَّدُ بْنُ لُبٍّ الْمُرْسِيُّ لِنَفْسِهِ بِالنَّاصِرِيَّةِ ، كَتَبَهَا مِنَ الْجَزَائِرِ إِلَى وَزِيرِ الْعَزِيزِ : رَحَلْتَ فَأَمْسَيْنَا مَعَ الدَّهْرِ فِي عَتْبٍ نَحِنُّ وَنَسْتَعْدِي عَلَى الْبُعْدِ بِالْقُرْبِ وَلَمَّا قَضَتْ مِنْكَ اللَّيَالِي بِأَوْبَةٍ غَفَرْنَا لَهَا مَا كَانَ مِنْ سَالِفِ الذَّنْبِ وَصَحَّتْ رِوَايَاتُ الَّذِينَ رَوَوْا لَنَا حَدِيثَ طُلُوعِ الشَّمْسِ مِنْ جَانِبِ الْغَرْبِ فَحَسْبِي فِيكَ اللَّهُ مِنْ كُلِّ حَادِثٍ فَإِنَّكَ مِمَّا خِفْتُ مِنْ حَادِثٍ حَسْبِي . ابْنُ أَبِي الْخَمَائِرِ هَذَا مِنْ أَذْكَى الشَّبَابِ ، وَكَانَ لَهُ مَحْفُوظٌ كَثِيرٌ مِنْ شِعْرِ نَفْسِهِ وَمُتَأَخِّرِي شُعَرَاءِ الْمَغْرِبِ ، الَّذِينَ رَآهُمْ وَأَنْشَدُوهُ ، وَعَلَّقْتُ عَنْهُ جُمْلَةً صَالِحَةً وَخَرَجَ مِنَ الْإِسْكَنْدَرِيَّةِ إِلَى الْمَشْرِقِ ، وَانْقَطَعَ عَنَّا خَبَرُهُ . سمعت أَبَا حَفْصٍ عُمَرَ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ سُرْخٍ الْكَازَرُونَ خَادِمَ الْفُقَرَاءِ ، بِدِمَشْقَ ، يَقُولُ : سمعت أَبَا الْفَتْحِ عَبْدَ الْوَهَّابِ بْنَ أَحْمَدَ بْنِ سَالِبَةَ الشِّيرَازِيَّ ، بِكَازَرُونَ ، يَقُولُ : مَتَى جَاءَنِي التَّائِبُ يَتُوبُ أَرَاهُ وَاللَّهِ أَفْضَلَ مِنِّي وَأَتَبَرَّكُ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ بِهِ . قَالَ : وَسَمِعْتُهُ يَقُولُ : قَدْ مَضَى الْعُبَّادُ الصَّادِقُونَ وَبَقِيَ أَمْثَالُنَا عَبَدَةُ الْبُطُونَ . سهُوَ مِنْ مُرِيدِي الْخَطِيبِ أَبِي بَكْرٍ ، بِكَازَرُونَ ، وَرَأَى شُيُوخَ فَارِسَ وَأَقَامَ بِدِمَشْقَ مُدَّةً مَدِيدَةً فِي خِدْمَةِ الْفُقَرَاءِ ، مُجَرَّدًا فِي دُوَيْرَةِ السُّمَيْسَاطِيِّ ، وَكَانَ مُرْضِيَّ الطَّرِيقَةِ فِيمَا كَانَ بِصَدَدِهِ حَمُولًا لِأَذَى الْأَصْحَابِ . وَالسُّرْخُ فَارِسِيٌّ وَمَعْنَاهُ الْأَحْمَرُ . أَنْشَدَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْوَاحِدِ بْنِ عُمَرَ بْنِ بَلْجٍ الْبَلْجِيُّ ، قَدِمَ عَلَيْنَا الثَّغْرَ طَرَابُلُسِيٌّ وَكَتَبَ لِي بِخَطِّهِ ، قَالَ : أَنْشَدَنِي أَبُو عَلِيٍّ الْحَسَنُ بْنُ فَرَّاجٍ الْمُؤَدِّبُ ، بِطَرَابُلُسَ لِنَفْسِهِ : قَمَرٌ أَمَالَ إِلَى الصِّبَا قَلْبِي بِهِ لَمْ يَتْرُكْ مِنِّي سِوَى مَقْلُوبِهِ وَصَبِي بِهِ أَهْدَى إِلَى طَرْفِي الْبُكَا وَهَدَاهُ نَهْجَ سُهَادِهِ وَصَبِيبِهِ لَبَّاهُ لُبِّي إِذْ دَعَاهُ إِلَى الْهَوَى قَسْرًا فَأَصْبَحَ تَائِهًا لُبِّي بِهِ وَلَهِي بِهِ أَغْرَى الْفُؤَادَ بِحُبِّهِ فَاقْتَادَهُ لِغَرَامِهِ وَلَهِيبِهِ جَمَعَتْ غَرَائِبُ حُسنِهِ الْأَهْوَاءَ فِيهِ فَأَصْبَحَتْ مَا تَأْتَلِي تُغْرِي بِهِ يَسْتَعْذِبُ الصَّبُّ الْكَثِيبُ عَذَابَهُ فِيهِ وَإِنْ هُوَ جَارَ فِي تَعْذِيبِهِ مَا الْمُلْكُ إِلَّا لِلْمُحِبِّ إِذَا اشْتَفَى مِنْهُ الْغَلِيلُ بِمَصِّ رِيقِ حَبِيبِهِ . عُمَرُ هَذَا كَانَ مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ ، وَحِرْفَةُ الْأَدَبِ ظَاهِرَةٌ عَلَيْهِ ، وَكَتَبَ بِالْإِسْكَنْدَرِيَّةِ الصَّحَّاحَ لِلْجَوْهَرِيِّ فِي اللُّغَةِ ، وَرَجَعَ إِلَى طَرَابُلُسَ . أَنْشَدَنِي أَبُو حَفْصٍ عُمَرُ بْنُ مُحَمَّدِ بْنِ إِبْرَاهِيمَ الْبَلَوِيُّ الْمُتَكَلِّمُ ، لِنَفْسِهِ بِالثَّغْرِ : مَالِي سَمَحْتُ بِنَفْسِي وَهْيَ غَالِيَةٌ لِمَنْ غَدَا فِي سَبِيلِ الرُّخْصِ أَخَّاذَا أَضَلَّ عَنِّي طَرِيقَ الرُّشْدِ فِي نَظَرِي فَلَمْ أَجِدْ لِوَدَادِي الْمَحْضِ إِلَّا ذَا لَقَدْ شَمِتُّ بِقَلْبِي حِينَ غَادَرَهُ مُقَطَّعًا بِسُيُوفِ الْغَدْرِ أَفْلَاذَا وَكَمْ أَفَدْتُ فُؤَادِي مِنْ مُنَاصَحَةٍ فَلَمْ يَزَلْ عَنْ سَبِيلِ النُّصْحِ لَوَّاذَا فَذُقْ مَرَارَةَ مَا قَدْ كُنْتَ تَحْسَبُهُ حُلْوًا وَسِرْ عَنْ لَذِيذِ الْعَيْشِ إِغْذَاذَا . عُمَرُ هَذَا مِنْ أَهْلِ الْأَدَبِ وَلَهُ بِالْكَلَامِ أَنَسٌ تَامٌّ ، وَبِالطِّبِّ ، وَغَيْرِ ذَلِكَ . وَكَانَ كَثِيرًا مَا يَحْضُرُ عِنْدِي وَسَمِعَ عَلَيَّ جُمْلَةً مِنَ الْحَدِيثِ فِي أَوَّلِ وُصُولِي إِلَى الثَّغْرِ مَعَ جَمَاعَةٍ مِنَ الْفُقَهَاءِ ، سَنَةَ إِحْدَى عَشَرَ وَخَمْسِ مِائَةٍ ، وَبَعْدَ ذَلِكَ وَعَلَى مَنْ كُنْتُ أَقْرَأُ عَلَيْهِ مِنَ الشُّيُوخِ ، ثُمَّ انْتَقَلَ إِلَى مِصْرَ وَأَقَامَ بِهَا إِلَى أَنْ تُوُفِّيَ . قَالَ لِي إِبْرَاهِيمُ بْنُ مُحَمِّدِ بْنِ مُسْلِمٍ الْفُوِّيُّ فِي شَهْرِ رَبِيعٍ الْأَوَّلِ سَنَةَ خَمْسِينَ وَخَمْسِ مِائَةٍ : تُوُفِّيَ عُمَرُ فِي أَوَّلِ هَذَا الشَّهْرِ ، وَقَدْ صَلَّيْتُ أَنَا عَلَيْهِ فِي جُمْلَةِ مَنْ صَلَّى مِنَ النَّاسِ ، وَمَوْلِدُهُ بِسَفَاقُسَ ، وَيُعْرَفُ بِالذَّهَبِيِّ ، وَكَانَ مُولِعًا بِالرَّدِّ عَلَى أَبِي حَامِدٍ الْغَزَالِيِّ ، وَنَقْضِ كَلَامِهِ وَالرَّدِّ عَلَيْهِ . وَسَمِعْتُهُ يَعْنِي أَبَا حَفْصٍ الذَّهَبِيَّ ، يَقُولُ : ظَافِرٌ مَطْبُوعٌ قَلِيلُ التَّصَنُّعِ ، وَالْفَقِيهُ يَتَصَنَّعُ وَيُبَقِّي لِلطَّبْعِ أَدْنَى مَوْضِعٍ ، وَشِعْرُ ظَافِرٍ مِنْ شِعْرِ الْكُتَّابِ كَابْنِ الزَّيَّاتِ وَأَقْرَانِهِ ، وَشِعْرُ أَبِي عَبْدِ اللَّهِ كَشِعْرِ أَبِي تَمَّامٍ وَنُظَرَائِهِ .