344 قَالَ الْقُرَشِيُّ ° : وَأَخْبَرَنَا عَلِيُّ بْنُ الْجَعْدِ ° ، قَالَ : أَخْبَرَنَا أَبُو مَعْشَرٍ ° ، عَنِ الْمَقْبَرِيِّ ° ، قَالَ : جَاءَ فَيْرُوزُ الدَّيْلَمِيُّ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، فَقَالَ : إِنَّ كِسْرَى كَتَبَ إِلَى بَاذَانَ : بَلَغَنِي أَنَّ فِي أَرْضِكَ رَجُلا نَبِيًّا ، فَارْبُطْهُ وَابْعَثْهُ إِلَيَّ . فَقَالَ : " إِنَّ رَبِّي غَضِبَ عَلَى رَبِّكَ ، فَقَتَلَهُ وَدَمُهُ يَثْخِنُ السَّاعَةَ ، فَخَرَجَ مِنْ عِنْدِهِ ، فَسَمِعَ الْخَبَرَ فَأَسْلَمَ وَحَسُنَ إِسْلامُهُ "
قال علماء السير : كان أبرويز قد جمع من الأموال ما لم يجمعه أحد ، ومن الجواهر والأمتعة ، والكراع ، وافتتح من بلاد أعدائه ، وبلغت خيله القسطنطينية وإفريقية ، وكان شديد الفطنة ، قوي الذكاء ، بعث الإصبهبذ مرة إلى الروم ، فأخذ خزائن الروم ، وبعثها إلى كسرى فخاف كسرى أن يتغير عليه الإصبهبذ لما قد نال من الظفر ، فبعث من يقتله فجاء إِلَيْهِ الرجل ، فرأى من عقله وتدبيره ، فقال : مثل هذا لا يقتل ، فأخبره بما جاء لأجله ، فبعث قيصر : إني أريد أن ألقاك . فالتقيا ، فقال له : إن الخبيث قد هم بقتلي ، وإني أريد إهلاكه ، فاجعل لي من نفسك ما أطمأن إِلَيْهِ ، وأعطيك من بيوت أمواله مثل ما أصبت منك . فأعطاه المواثيق . فسار قيصر في أربعين ألفا فنزل بكسرى ، فعلم كسرى كيف جرت الحال ، فدعا قسا نصرانيا ، فقال : إني كاتب معك كتابا لطيفا لتبلغه إلى الإصبهبذ ، ولا تطلعن على ذلك أحدا . فأعطاه ألف دينار ، وقد علم كسرى أن القس يوصل كتابه إلى قيصر ، لأنه لا يحب هلاك الروم ، وكان الكتاب : إن الله قد أمكن منهم بتدبيرك فلا عدمت صواب الرأي ، وأنا ممهل قيصر حتى يقرب من المدائن ، ثم أغافصه في يوم كذا ، فأغير على من قبلك فإنه استئصالهم ، فخرج القس بالكتاب ، فأوصله إلى قيصر ، فقال قيصر : ما أراد إلا هلاكنا ، فانهزم واتبعه كسرى ، فنجى في شرذمة ، وبلغ من فطنة كسرى أن منجميه قالوا : إنك ستقتل ، فقال : لأقتلن من يقتلني . فلما بعث ابنه إليه ليقتله ، قال للرجل إني أدلك على شيء فيه غناك الصندوق الفلاني . فذهب إلى شيرويه فأخبره ، فأخرج الصندوق وفيه حق ، وفي الحق حب ، وهناك مكتوب : من أخذ منه حبة افتض عشرة أبكار ، فأخذه شيرويه ، وأعطى الرجل مالا ، ثم أخذ منه حبة ، فكان فيها هلاكه . فكان كسرى أول ميت أخذ بثأره من حي . قالوا : كان كسرى يشتي بالمدائن ، ويصيف ما بينها وبين همذان ، وكانت له اثنا عشر ألف امْرَأَة ، وجارية . وقال بعض العلماء : كان في قصره ثلاثة آلاف امرأة يطؤهن ، وألوف جواري اتخذهن للخدمة والغناء ، وثلاثة آلاف رجل يقومون بخدمته ، وثمانية آلاف وخمس مائة دابة لمراكبه ، واثني عشر ألف بغلا لثقله ، وكان له خمسون ألف دابة ، وألف فيل إلا واحد . وبعضهم يقول : سبع مائة وستون فيلا ، وبنى بيوت النيران ، وأقام فيها اثني عشر ألف موبذ للزمزمة ، وأحصي ما جبي من خراج بلاده ، وغير ذلك من المال المرتفع في سنة ثمان عشرة من ملكه ، فكان أربع مائة ألف ألف مثقال وعشرين ألف ألف مثقال من الورق . ثم حسد الناس على ما في أيديهم من المال ، وولي جباية الخراج من يظلم ، واحتقر الأشراف ، وأمر بقتل من في السجون ، وكانوا ستة وثلاثين ألفا ، فتعلل المأمور ، وذهب الناس من العظماء إلى بابل ، وفيه شيرويه ابنه ، فأقبلوا به ، فلزموه ودخلوا به المدائن ليلا ، فأطلق الأشراف ، ودخل دار المملكة ، واجتمع إليه الوجوه فملكوه ، وأرسل إلى أبيه يقرعه بما كان منه . واسم شيرويه قباذ بن أبرويز ، فلما ملك وحبس أباه ، دخل عليه عظماء الفرس ، فقالوا له : إنه لا يستقيم أن يكون لنا ملكان ، فإما أن تقتل كسرى ونحن راجعون لك بالطاعة ، وإما أن نخلعك ونعطيه الطاعة على ما كنا عليه . فكسرته هذه المعادلة ، وأمر بتحويل كسرى من دار المملكة إلى دار رجل يقال له مارسفند ، فحمل كسرى على برذون ، وقنع رأسه ، وسير به إلى تلك الدار ومعه ناس من الجند ، فمروا به على إسكاف جالس في حانوت عَلَى الطريق ، فعرفه فحذفه بقالب ، فعطف إليه رجل من الجند فضرب عنقه . وقال شيرويه لرجل : انطلق إلى الملك أبينا فقل له : إنا لم نكن للبلية التي أصبحت فيها ، ولا أحد من رعيتنا سببا ، ولكن الله قضاها عليك جزاء لسيئ عملك ، وفتكك بأبيك هرمز ، وإزالتك الملك عنه ، وسملك عينيه ، وقتلك إياه شر قتلة ، ومنها سوء صنيعك إلى أبنائك ، ولقد حظرت علينا مجالسة الأخيار ، وكل من لنا فيه دعة وغبطة ، ومنها إساءتك إلى أهل السجون ، فلقوا الشدائد ، ومنها حبسك النساء لنفسك مكرهات ، مع ترك العطف عليهن ، ومنها ما انتهكت من رعيتك في أمر الخراج ، وجمعك الأموال من وجوه المضار . وعدد عَلَيْهِ من هذا الفن ، ثم قال : فإن كانت لك حجة فاذكرها ، وإلا فتب إلى الله تعالى ، حتى نأمر فيك بأمرنا . فمضى الرجل ، فاستأذن عليه الحاجب ، فقال كسرى : إن كان له إذن فليس لشيرويه ملك ، وإن كَانَ لشيرويه ملك فلا إذن لنا معه . فدخل الرجل ، فبلغ الرسالة ، وكانت بيد أبرويز سفرجلة فتدحرجت ، وتلوثت بالتراب ، فقال كسرى : الأمر إذا أدبر فاتت الحيلة في إقباله ، وإذا أقبل أعيت الحيلة في إدباره ، فإن هذه السفرجلة سقطت من علو ، ثم لم تلبث أن تلطخت بالتراب ، وفي ذلك دليل على سلب الملك ، فإنه لا يلبث في أيدي عقبنا حتى يصير إلى من ليس من أهل المملكة . فلما سمع الرسالة ، قال : بلغ عني شيرويه القصير العمر ، أنه لا ينبغي لذي عقل أن يبث من أحد الصغير من الذنب ، ولا اليسير من السيئة ، إلا بعد تحقق ذلك عنده ، ثم أخذ يعتذر عن ما نسب إليه . فعاد بالجواب ، فعاد عظماء الفرس تقول : لا يستقيم لنا ملكان ، فأمر شيرويه بقتل كسرى ، فانتدب لقتله رجال كان وترهم كسرى ، فلما دخلوا عليه شتمهم ، فلم يقدموا على قتله ، فتقدم منهم شاب كان كسرى قد قطع يد أبيه ، فضربه بطبرزين على عاتقه ، فلم يحك فيه ، ففتش كسرى ، فإذا به قد شد على عضده خرزة ، لا يحبك السيف في من علقت عليه ، فنحيت عنه ، ثم ضربه أخرى فهلك . وبلغ شيرويه ، فخرق جيبه وبكى منتحبا ، وأمر بحمل جثته إلى الناووس ، وشيعها العظماء ، وأمر بقتل قاتل كسرى . وكان ملك كسرى ثمانيا وثلاثين سنة ، وخلف في بيت المال يوم قتل من الورق أربع مائة ألف بدرة ، سوى الكنوز والذخائر والجواهر وآلات الملوك ، فلما ملك شيرويه لم يتمتع بشيء من اللذات ، بل جزع وبكى وعاش مهموما حزينا ، ثم مات بعد ثمانية أشهر ، ويقال : ستة أشهر أنبأنا محمد بن ناصر ، قال : أخبرنا أحمد بن الحسن بن خيرون ، قال : أخبرنا الحسن بن الْحُسَيْن بن دوما ، قال : أخبرنا جدي لأبي إسحاق بن محمد الثعالبي ، قال : أخبرنا عبد الله بن إِسْحَاق المدائني ، قال : أخبرنا قعنب بن المحور ، قال : أخبرنا بكار ، قال : حدثنا عوف ، عن غالب بْن عجرد ، قال : وجدنا صرة من حنطة في كنوز كسرى بن هرمز بن زياد ، فإذا كل حبة مثل النواة ووجدنا فيها كتابا : هذا ما كانت تنبت الأرض حين كان يعمل فيها بالصلاح ، زمن سليمان بن داود عليهما الصلاة والسلام .