51 قَالَ ابْنُ قُتَيْبَةَ : " وَكَانَ0 قَوْمٌ فِي الْجَاهِلِيَّةِ عَبَدُوا الشعري العبور وَفُتِنُوا بِهَا ، وَكَانَ أَبُو كَبْشَةَ الَّذِي كَانَ الْمُشْرِكُونَ يَنْسِبُونَ إِلَيْهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، أَوَّلَ مَنْ عَبَدَهَا ، وَقَالَ : قَطَعَتِ السَّمَاءَ عَرْضًا وَلَمْ يَقْطَعِ السَّمَاءَ عَرْضًا غَيْرُهَا ، وَعَبَدَهَا وَخَالَفَ قُرَيْشًا ، فَلَمَّا بُعِثَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ، وَدَعَا إِلَى عِبَادَةِ اللَّهِ وَتَرْكِ الأَوْثَانِ ، قَالُوا : هَذَا ابْنُ أَبِي كَبْشَةَ أَيْ شَبْهَهُ وَمِثْلَهُ فِي الْخِلافِ ، كَمَا قَالَتْ بَنُو إِسْرَائِيلَ لِمَرْيَمَ : يَا أُخْتَ هَارُونَ ، أَيْ يَا شَبِيهَةَ هَارُونَ فِي الصَّلاحِ ، وَهُمَا شَعْرَيَانِ إِحْدَاهُمَا هَذِهِ ، وَالشَّعْرَى الأُخْرَى هِيَ الْغُمَيْصَاءُ ، وَهِيَ تُقَابِلُهَا وَبَيْنَهَا الْمَجَرَّةُ ، وَالْغُمَيْصَاءُ فِي الذِّرَاعِ الْمَبْسُوطِ فِي جَبْهَةِ الأَسَدِ ، وَتِلْكَ فِي الْجَوْزَاءِ ، وَزَيَّنَ إِبْلِيسُ لَعَنَهُ اللَّهُ لآخَرِينَ عِبَادَةَ الْمَلائِكَةِ ، وَقَالُوا : هِيَ بَنَاتُ اللَّهِ تَعَالَى ، تَعَالَى اللَّهُ عَنْ ذَلِكَ ، وَزَيَّنَ لآخَرِينَ عِبَادَةَ الْخَيْلِ وَالْبَقَرِ ، وَكَانَ السَّامِرِيُّ مِنْ قَوْمٍ يَعْبُدُونَ الْبَقَرَ فَلِهَذَا صَاغَ عِجْلا ، وَجَاءَ فِي التَّعْبِيرِ أَنَّ فِرْعَوْنَ ، كَانَ يَعْبُدُ تَيْسًا وَلَيْسَ فِي هَؤُلاءِ مَنْ أَعْمَلَ فِكْرَهُ وَلا اسْتَعْمَلَ عَقْلَهُ فِي تَدْبِيرِ مَا يَفْعَلُ نَسْأَلُ اللَّهَ السَّلامَةَ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ "

ذكر تلبيسه عَلَى الجاهلية قال المصنف : ذكرنا كيف لبس عليهم فِي عبادة الأصنام ، ومن أقبح تلبيسه عليهم فِي ذلك تقليد الآباء من غير نظر فِي دليل ، كَمَا قَالَ اللَّه عز وجل : وَإِذَا قِيلَ لَهُمُ اتَّبِعُوا مَا أَنْزَلَ اللَّهُ قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلا يَهْتَدُونَ سورة البقرة آية 170 المعنى أتتبعونهم أيضا . وَقَدْ لبس إبليس عَلَى طائفة منهم ، فقالوا : بمذاهب الدهرية ، وأنكروا الخالق وجحدوا البعث الذين ، قَالَ اللَّه سبحانه فيهم : مَا هِيَ إِلا حَيَاتُنَا الدُّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا يُهْلِكُنَا إِلا الدَّهْرُ سورة الجاثية آية 24 وعلى آخرين منهم ، فأقروا بالخالق لكنهم جحدوا الرسل والبعث وعلى آخرين منهم ، فزعموا أن الملائكة بنات اللَّه وأمال آخرين منهم إِلَى مذهب اليهود وآخرين إِلَى مذهب المجوس ، وكان فِي بني تميم منهم زرارة بْن جديس التميمي وابنه حاجب ، وممن كان يقر بالخالق والابتداء والإعادة والثواب والعقاب عَبْد المطلب ابْن هاشم ، وزيد بْن عمرو بْن نفيل ، وقس بْن ساعدة ، وعامر بْن الظرب ، وكان عَبْد المطلب إذا رأى ظالما لم تصبه عقوبة ، قَالَ : تالله أن وراء هذه الدار لدارا يجزي فيها المحسن والمسيء ، ومنهم زهير بْن أبي سلمى ، وَهُوَ القائل : يؤخر فيوضع فِي كتاب فيدخر ليوم الحساب أَوْ يعجل فينقم . ثم أسلم ومنهم زيد الفوارس بْن حصن ، ومنهم القلمس بْن أمية الكناني ، كان يخطب بفناء الكعبة ، وكانت العرب لا تصدر عَنْ مواسمها حتى يعظها ويوصيها ، فَقَالَ : يوما يا معشر العرب أطيعوني ترشدوا ، قالوا : وما ذاك ، قَالَ : إنكم تفردتم بآلهة شتى أني لأعلم مَا اللَّه بكل هَذَا راض ، وأن اللَّه رب هذه الآلهة ، وأنه ليحب أن يعبد وحده ، فتفرقت عنه العرب لذلك ولم يسمعوا مواعظه ، وكان فيهم قوم يقولون من مات فربطت عَلَى قبره دابته وتركت حتى تموت حشر عليها ومن لم يفعل ذلك حشر ماشيا ، وممن قاله عمرو بْن زيد الكلبي . قال المصنف : وأكثر هؤلاء لم يزل عَن الشرك ، وإنما تمسك منهم بالتوحيد ورفض الأصنام القليل كقس بْن ساعدة ، وزيد وما زالت الجاهلية تبتدع البدع الكثيرة فمنها النسئ وَهُوَ تحريم الشهر الحرام وتحليل الشهر الحرام ، وذلك أن العرب كانت قد تمسكت من ملة إِبْرَاهِيم صلوات اللَّه وسلامه عَلَيْهِ ، بتحريم الأشهر الأربعة ، فَإِذَا احتاجوا إِلَى تحليل المحرم للحرب أخروا تحريمه إِلَى صفر ، ثم يحتاجون إِلَى صفر ، ثم كذلك حتى تتدافع السنة ، وإذا حجوا قالوا : لبيك لا شريك لك إلا شريكا هو لك تملكه وما ملك ، ومنها توريث الذكر دون الأنثى ، ومنها أن أحدهم كان إذا مات ورث نكاح زوجته أقرب الناس إليه ومنها البحيرة ، وهي الناقة تلد خمسة أبطن ، فَإِن كان الخامس أنثى شقوا أذنها وحرمت عَلَى النساء ، والسائبة من الأنعام كانوا يسيبونها ولا يركبون لها ظهرا ولا يحلبون لها لبنا ، والوصيلة الشاة تلد سبعة أبطن ، فَإِن كان السابع ذكرا أَوْ أنثى ، قالوا : وصلت أخاها فلا تذبح وتكون منافعها للرجال دون النساء ، فَإِذَا ماتت أشترك فيها الرجال والنساء ، والحام الفحل ينتج من ظهره عشرة أبطن فيقولون قد حمى ظهره ، فيسيبونه لأصنامهم ولا يحمل عَلَيْهِ ، ثم يقولون أن اللَّه عز وجل أمرنا بهذا ، فذلك معنى قوله تعالى مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سَائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ سورة المائدة آية 103 ثم اللَّه عز وجل رد عليهم فيما حرموه من البحيرة ، والسائبة ، والوصيلة ، والحام ، وفيما أحلوه بقولهم خَالِصَةٌ لِذُكُورِنَا وَمُحَرَّمٌ عَلَى أَزْوَاجِنَا سورة الأنعام آية 139 ، قَالَ اللَّه تعالى : قُلْ ءَالذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الأُنْثَيَيْنِ سورة الأنعام آية 143 المعنى إن كان اللَّه تعالى حرم الذكرين فكل الذكور حرام ، وإن كان حرم الأنثيين ، فكل الإناث حرام ، وإن كان حرم مَا اشتملت عَلَيْهِ أرحام الأنثيين ، فإنها تشتمل عَلَى الذكور والإناث ، فيكون كل جنين حراما وزين لهم إبليس قتل أولادهم ، فالإنسان منهم يقتل ابنته ويغذو كلبه . ومن جملة مَا لبس عليهم إبليس ، أنهم قالوا : لو شاء اللَّه مَا أشركنا أي لو لم يرض شركنا لحال بيننا وبينه ، فتعلقوا بالمشيئة ، وتركوا الأمر ، ومشيئة اللَّه تعم الكائنات وأمره لا يعم مراداته ، فليس لأحد أن يتعلق بالمشيئة بعد ورود الأمر ، ومذاهبهم السخيفة التي ابتعدوها كثيرا لا يصلح تضييع الزمان بذكرها ولا هي مما يحتاج إِلَى تكلف ردها .

الآيات القرآنية · الآيات القرآنية المستشهد بها
السند · الإسناد بالترتيب
ابن قتيبة