أَخْبَرَنَا الْمُبَارَكُ بْنُ عَلِيٍّ ° ، قَالَ : أَبْنَا أَحْمَدُ بْنُ الْحُسَيْنِ بْنِ قُرَيْشٍ ، قَالَ : أَبْنَا إِسْحَاقُ الْبَرْمَكِيُّ ، قَالَ : أَبْنَا مُحَمَّدُ بْنُ إِسْمَاعِيلَ بْنِ الْعَبَّاسِ ° ، قَالَ : أَبْنَا أَبُو بَكْرِ بْنُ أَبِي دَاوُدَ ، قَالَ : أَبْنَا يَعْقُوبُ بْنُ سُفْيَانَ ° ، قَالَ : أَبْنَا أَبُو صَالِحٍ ° ، قَالَ : حَدَّثَنِي مُعَاوِيَةُ بْنُ صَالِحٍ ° ، عَنْ عَلِيِّ بْنِ أَبِي طَلْحَةَ ° ، عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ ° رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا " اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ سورة آل عمران آية 102 ، قَالَ : لَمْ تُنْسَخْ . وَلَكِنْ حَقَّ تُقَاتِهِ سورة آل عمران آية 102 : أَنْ تُجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ ، وَلا تَأْخُذُهُمْ فِي اللَّهِ لَوْمَةُ لائِمٍ ، وَيَقُومُوا لِلَّهِ بِالْقِسْطِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَآبَائِهِمْ وَأَبْنَائِهِمْ ، وَهَذَا مَذْهَبُ طَاوُسٍ وَهُوَ الصَّحِيحُ ، لِأَنَّ التَّقْوَى : هِيَ اجْتِنَابُ مَا نَهَى اللَّهُ عَنْهُ ، وَلَمْ يَنْهَ عَنْ شَيْءٍ وَلا أَمَرَ بِهِ إِلا وَهُوَ دَاخِلٌ تَحْتَ الطَّاقَةِ ، كَمَا قَالَ عَزَّ وَجَلََّ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 286 ، فَالْآيَتَانِ مُتَوَافِقَتَانِ ، وَالتَّقْدِيرُ : اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ مَا اسْتَطَعْتُمْ ، فَقَدْ فَهِمَ الأَوَّلُونَ مِنَ الآيَةِ تَكْلِيفَ مَا لا يُسْتَطَاعُ ، فَحَكَمُوا بِالنَّسْخِ وَقَدْ رَدَّ عَلَيْهِمْ ذَلِكَ قَوْلُهُ : لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا سورة البقرة آية 286 وَإِنَّمَا قَوْلُهُ : حَقَّ تُقَاتِهِ سورة آل عمران آية 102 كَقَوْلِهِ : حَقُّ جِهَادِهِ ، الْحَقُّ هَاهُنَا بِمَعْنَى الْحَقِيقَةِ ، ثُمَّ إِنَّ هَفْوَةَ الْمُذْنِبِ لا تُنَافِي أَنْ يَكُونَ مُكَلَّفًا لِلتَّحَفُّظِ ، وَإِنَّمَا شُرِعَ الاسْتِغْفَارُ وَالتَّوْبَةُ بِوُقُوعِ الْهَفَوَاتِ "
وَقَالَ أَبُو جَعْفَرٍ النَّحَّاسُ : مَعْنَى قَوْلِ الأَوَّلِينَ نُسِخَتْ هَذِهِ الآيَةُ ، أَيْ أُنْزِلَتِ الأُخْرَى بِنُسْخَتِهَا وَهُمَا وَاحِدٌ ، وَإِلا فَهَذَا لا يَجُوزُ أَنْ يُنْسَخَ ، لِأَنَّ النَّاسِخَ هُوَ الْمُخَالِفُ لِلْمَنْسُوخِ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِهِ ، الرَّافِعُ لَهُ الْمُزِيلُ حُكْمَهُ . وَقَالَ ابْنُ عَقِيلٍ : لَيْسَتْ مَنْسُوخَةً ، لِأَنَّ قَوْلَهُ : مَا اسْتَطَعْتُمْ سورة التغابن آية 16 بَيَانٌ لِحَقِّ تُقَاتِهِ وَأَنَّهُ تَحْتَ الطَّاقَةِ فَمَنْ سَمَّى بَيَانَ الْقُرْآنِ نَسْخًا فَقَدْ أَخْطَأَ ، وَهَذَا فِي تَحْقِيقِ الْفُقَهَاءِ يُسَمَّى : تَفْسِيرٌ مُجْمَلٌ أَوْ بَيَانٌ مُشْكَلٌ ، وَذَلِكَ أَنَّ الْقَوْمَ ظَنُّوا أَنَّ ذَلِكَ تَكْلِيفُ مَا لا يُطَاقُ ، فَأَزَالَ اللَّهُ إِشْكَالَهُمْ ، فَلَوْ قَالَ : لا تَتَّقُوهُ حَقَّ تُقَاتِهِ كَانَ نَسْخًا ، وَإِنَّمَا بَيَّنَ : أَنِّي لَمْ أُرِدْ بِحَقِّ التُّقَاةِ مَا لَيْسَ فِي الطَّاقَةِ . ذِكْرُ الْآيَةِ الثَّامِنَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : لَنْ يَضُرُّوكُمْ إِلا أَذًى سورة آل عمران آية 111 ، قَالَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ : مَعْنَى الْكَلامِ : لَنْ يَضُّرُوكُمْ ضُرًا بَاقِيًا فِي جَسَدٍ أَوْ مَالٍ ، إِنَّمَا هُوَ شَيْءٌ يَسِيرٌ سَرِيعُ الزَّوَالِ ، وَتُثَابُونَ عَلَيْهِ . وَهَذَا لا يُنَافِي الأَمْرَ بِقِتَالِهِمْ فَالْآيَةُ مُحْكَمَةٌ عَلَى هَذَا ، وَيُؤَكِّدُهُ أَنَّهَا خَبَرٌ ، وَالأَخْبَارُ لا تُنْسَخُ ، وَقَالَ السُّدِّيُّ : الإِشَارَةُ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ ، وَذَلِكَ قَبْلَ أَنْ يُؤْمَرَ بِقِتَالِهِمْ فَنُسِخَتْ بِقَوْلِهِ : قَاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الآخِرِ سورة التوبة آية 29 وَالأَوَّلُ أَصَحُّ . ذِكْرُ الآيَةِ التَّاسِعَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَنْ يُرِدْ ثَوَابَ الآخِرَةِ نُؤْتِهِ مِنْهَا سورة آل عمران آية 145 . جُمْهُورُ الْعُلَمَاءِ عَلَى أَنَّ هَذَا الْكَلامَ مُحْكَمٌ وَاسْتَدَلُّوا عَلَيْهِ بِشَيْئَيْنِ : الأَوَّلُ : أَنَّهُ خَبَرٌ ، وَالْخَبَرُ لا يَدْخُلُهُ النَّسْخُ . وَالثَّانِي : أَنَّهُمْ قَالُوا : مَا أَحَدٌ إِلا وَلَهُ مِنَ الدُّنْيَا نَصِيبٌ مُقَدَّرٌ ، وَلا يَفُوتُهُ مَا قُسِمَ لَهُ فَمَنْ كَانَتْ هِمَّتُهُ ثَوَابُ الدُّنْيَا ، أَعْطَاهُ اللَّهُ مِنْهَا مَا قُدِّرَ لَهُ وَذَلِكَ هُوَ الَّذِي يَشَاؤُهُ اللَّهُ ، وَهُوَ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ : عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ سورة الإسراء آية 18 ، وَلَمْ يَقُلْ يُؤْتِهِ مِنْهَا مَا يَشَاءُ هُوَ ، وَيُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ الْمَعْنَى : لِمَنْ يُرِيدُ أَنْ يَفْتِنَهُ أَوْ يُعَاقِبَهُ ، وَذَهَبَ السُّدِّيُّ إِلَى أَنَّهُ مَنْسُوخٌ بِقَوْلِهِ : مَنْ كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَنْ نُرِيدُ سورة الإسراء آية 18 وَلَيْسَ هَذَا بِقَوْلِ مَنْ يَفْهَمُ النَّاسِخَ وَالْمَنْسُوخَ ، فَلا يُعَوَّلُ عَلَيْهِ . ذِكْرُ الآيَةِ الْعَاشِرَةِ : قَوْلُهُ تَعَالَى : وَإِنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُمُورِ سورة آل عمران آية 186 الْجُمْهُورُ عَلَى إِحْكَامِ هَذِهِ الآيَةِ ، لِأَنَّهَا تَضَمَّنَتِ الأَمْرَ بِالصَّبْرِ وَالتَّقْوَى وَلا بُدَّ لِلْمُؤْمِنِ مِنْ ذَلِكَ ، وَقَدْ ذَهَبَ قَوْمٌ إِلَى أَنَّ الصَّبْرَ الْمَذْكُورَ هَاهُنَا مَنْسُوخٌ بِآيَةِ السَّيْفِ .